الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وأشار لرابع الأقسام بقوله ( وهدي تطوع ) ولم يجعله للمساكين بلفظ ولا نية ومثله النذر المعين الذي لم يجعل لهم كذلك ( إن عطب قبل محله ) فلا يأكل منه أما إن وصل لمحله سالما فإنه يأكل منه ( فتلقى قلادته بدمه ) لتكون قلادته دالة على كونه هديا يباح أكله ( ويخلى للناس ) مطلقا ولو أغنياء وكفارا ( كرسوله ) الأولى أنه تشبيه في جميع ما تقدم لا في خصوص القسم الذي قبله فحكمه في الأكل وعدمه حكم ربه إلا إذا عطب الواجب قبل المحل فلا يجوز له الأكل ظاهرا لتهمة أن يكون تسبب في عطبه أما إن قامت بينة على أنه لم يتسبب في عطبه ، أو علم أن ربه لا يتهمه أو وطن نفسه على الغرم جاز له الأكل فالحاصل أنه يجوز له الأكل فيما بينه وبين الله تعالى ( وضمن ) ربه ( في غير ) مسألة ( الرسول ) وهي المسألة المتعلقة بربه ( بأمره ) أي أمر ربه ( بأخذ شيء ) من الممنوع الأكل [ ص: 91 ] ( كأكله ) أي ربه ( من ممنوع ) أكله ( بدله ) مفعول ضمن أي ضمن هديا كاملا بدله إلا أن يأمر في غير التطوع مستحقا فلا شيء عليه وأما الرسول فلا ضمان عليه إذا أكل ، أو أمر وكان هو ، أو مأموره مستحقا ، وإلا ضمن قدر أكله ، أو قدر أخذ مأموره فقط ( وهل ) على ربه البدل كاملا في كل ممنوع ( إلا نذر مساكين عين فقدر أكله ) فقط وهو المعتمد وقول ابن القاسم في المدونة أو مطلقا ( خلاف ) في التشهير .

( والخطام ) أي الزمام ( والجلال ) بالكسر فيهما جمع جل بالضم ( كاللحم ) في المنع والإباحة فيجري فيهما ما جرى من التفصيل ; فما لا يجوز أن يأكل منه لا يجوز له أن يأخذ شيئا من خطامه ، أو جلاله فإن أخذ شيئا ، أو أمر به ضمن قيمة ما أخذ فقط إن تلف ، وإلا رده فالتشبيه غير تام .

التالي السابق


( قوله : إن عطب قبل محله فلا يأكل منه ) أي ولو كان فقيرا وذلك لأنه غير ضامن له لو تلف فلو أكل منه قبل المحل لاتهم على عطبه ( قوله : فتلقى إلخ ) أي أن هدي التطوع إذا عطب قبل المحل فإن صاحبه ينحره ويلقي قلادته وخطامه وجلاله بدمه ويخلي بينه وبين الناس يأكلونه ، وإنما خص إلقاء القلادة بهدي التطوع ولم يجعل عاما في كل ذبح يحرم الأكل منه قبل المحل لعموم قوله ويخلي بينه وبين الناس الشامل للفقير والمسلم وغيرهما بخلاف غيره من الهدايا التي يحرم على ربها الأكل منها فإن إباحة الأكل منها مخصوصة بالمسلم الفقير . ( قوله : ولو أغنياء وكفارا ) أي فإباحته لا تختص بالفقير قال ح وهو ظاهر قول المدونة خلى بين الناس وبينه وصرح به ابن عبد السلام والتوضيح خلافا لما ذكره سند من أن هدي التطوع مختص بالفقراء ونقله ح عنه فانظره . ( قوله : الأولى أنه تشبيه في جميع ما تقدم ) أي من الأقسام الأربعة فالرسول فيها كربه فالرسول في القسم الأول لا يأكل منه لا قبل المحل ولا بعده وفي الثاني يجوز له الأكل مطلقا وفي الثالث يجوز له قبل لا بعد وفي الرابع يجوز له بعد لا قبل وفي هدي التطوع يجب عليه أن يلقي قلادته بدمه ويخلي بينه وبين جميع الناس كما أن ربه يجب عليه ذلك . ( قوله : فحكمه في الأكل وعدمه حكم ربه ) هذا إذا كان ذلك الرسول غير فقير أما لو كان فقيرا جاز له الأكل مما لا يجوز لربه الأكل منه قال سند وكل هدي لا يأكل منه صاحبه لا يأكل منه نائبه إلا أن يكون بصفة مستحقة بأن كان فقيرا وقال بعضهم لا يجوز له الأكل ولو كان فقيرا مثل ربه وجعل طفى هذا القول هو النقل انظر بن . ( قوله : إلا إذا عطب الواجب ) أراد به النذر المضمون الذي جعله للمساكين والفدية التي جعلها هديا وجزاء الصيد وهو القسم الثالث . ( قوله : فلا يجوز له الأكل ) أي لا يجوز للرسول ، وإن جاز لربه . ( قوله : فيما بينه وبين الله تعالى ) أي وأما في الظاهر فيحكم بعدم الجواز للتهمة إلا لبينة إلى آخر ما ذكره الشارح . ( قوله : وضمن في غير الرسول إلخ ) هذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا جواب عن سؤال اقتضته الجملة السابقة وذلك لأنه لما ذكر أنه يمتنع الأكل من الهدي على صاحبه ورسوله ابتداء فكأن سائلا قال وما الحكم لو وقع وأكل رب الهدي منه ، أو أكل منه رسوله ، أو أمر أحدهما بأخذ شيء أو بأكله فأجاب بقوله وضمن إلخ . ( قوله : في غير الرسول ) اعترضه البساطي بأن الأولى حذف " في " أي ضمن غير الرسول - وهو ربه - ، وأجاب الشارح بأن المراد في غير مسألة الرسول ، وغيرها المسألة المتعلقة برب الهدي . ( قوله : يأمره بأخذ شيء ) أي سواء كان المأمور مستحقا كفقير ، أو غير مستحق كغني وهذا خاص بهدي التطوع الذي عطب قبل المحل وأما غير هدي التطوع إذا أمر إنسانا بأخذ شيء منه فإنه يضمن هديا كاملا [ ص: 91 ] إذا أمر غير مستحق ، وإن أمر مستحقا فلا شيء عليه . ( قوله : كأكله من ممنوع ) أي سواء كان ممنوعا من الأكل منه قبل وبعد ، أو بعد لا قبل ، أو قبل لا بعد فمتى أكل من ممنوع لزمه هدي كامل وهل ضمان بدل الهدي في الممنوعات مطلقا حتى في أكله من نذر المساكين المعين ، أو إلا في هذه الصورة فإنما يلزمه قدر أكله فقط خلاف والمعتمد الثاني .

والحاصل أن رب الهدي الممنوع من الأكل منه إن أكل لزمه هدي كامل إلا في نذر المساكين المعين إذا أكل منه فقولان في قدر اللازم له ، وإن أمر أحدا بالأكل منه فإن أمر غنيا لزمه هدي كامل إلا في نذر معين للمساكين فلا يلزمه إلا قدر أكله كذا ينبغي ويحتمل أن يجري فيه القولان الجاريان في أكله هو ، وإن أمر فقيرا فإن كان لا تلزمه نفقته فلا يلزمه شيء اتفاقا إلا في هدي التطوع إذا عطب قبل محله فيلزمه بدله هدي كامل على المرتضى ، وقال اللخمي وسند : لا يلزمه شيء ، وإن كان ذلك الفقير تلزمه نفقته كان بمنزلة أكل صاحبه ، هذا كله إذا كان الأكل أو الأمر من ربه ، وأما الرسول فإن أمر فلا شيء عليه مطلقا أمر مستحقا أو غيره ، وإن كان عليه الإثم إذا أمر غير مستحق ، وإن أكل ضمن قدر ما أكل وعليه الإثم هذا إذا كان غير مستحق فإن كان مستحقا فلا ضمان ولا إثم هذا حاصل ما في كبير خش ، وظاهره أنه لا فرق في الرسول بين هدي التطوع وغيره ولكن ظاهر النقول يقتضي أن الرسول مثل ربها في هدي التطوع ولو فقيرا ورجحه بعضهم وذكر الأجهوري أنه لو أخذ ربه ، أو وكيله قدرا مما يمنع الأكل منه ، أو أمرا غيرهما بالأخذ منه رد كل منهما عين ما أخذ ولو مطبوخا ينبغي أنه لا ضمان عليه في شيء من ذلك . ( قوله : وأما الرسول إلخ ) ما ذكره شارحنا في الرسول من أنه إن أكل ، أو أمر بالأخذ وكان هو أو مأموره غير مستحق فإنه يضمن قدره ، وإلا فلا ضمان هذا هو الصواب لا ما في خش انظر بن .

( قوله : فقدر أكله ) أي فقدر ما أكله من اللحم - إن عرف وزنه - ، وقيمته إن لم يعرف . ( قوله : خلاف في التشهير ) أي فالأول شهره ابن عبد البر في الكافي والثاني شهره ابن الحاجب . ( قوله : ضمن قيمة ) أي ويلزمه صرفها على المساكين وهذا فيما ليس له الأكل منه وأما ما له الأكل منه فلا يطالب بقيمة الخطام والجلال إذا أخذهما ، ويفعل بهما ما شاء كما نقله ح عن سند خلافا لما يقتضيه كلام عبق من صرفها لهم مطلقا . ( قوله : غير تام ) لأن في أخذ ربه من لحم الممنوع الأكل منه وكذا في أمره بالأخذ منه هديا كاملا وفي أخذه الخطام والجلال ، أو أمره بأخذهما قيمة ما أخذ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث