الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( و ) لزم ( صيام ) نذره ( بثغر ) بمثلثة موضع مخافة العدو من فروج البلدان كدمياط وإسكندرية ، ومثل الصوم الصلاة وأولى الرباط ( و ) لزم الناذر ( ثلثه ) أي ثلث ماله الموجود ( حين يمينه ) لا ما زاد بعده ( إلا أن ينقص ) يوم الحنث عن يوم اليمين ( فما بقي ) أي يلزمه ثلثه سواء كانت يمينه على بر أو حنث كان النقص قبل الحنث أو بعده بعد أن يحسب ما عليه من دين ، ولو مؤجلا كمهر زوجته ( بمالي ) أي يلزمه الثلث بقوله مالي ( في كسبيل الله ) ودخل بالكاف مالي للفقراء أو للمساكين أو المجاورين أو طلبة العلم أو هدية لهم أو هدي أو نحو ذلك إن فعلت كذا أو إن لم أفعله وحنث ، وأما لو قال مالي في كسبيل الله ولم يعلقه وحصل فيه نقص فيلزمه ثلث ما بقي أيضا ، وإن كان النقص بتلف ، ولو بتفريط ، وإن كان باتفاق لزمه ثلث ما أنفقه أيضا خلافا لمن جعله شاملا لليمين وغيره ( و ) سبيل الله ( هو الجهاد والرباط بمحل خيف ) منه العدو ( وأنفق عليه ) أي على الثلث الذي لزمه بقوله مالي في سبيل الله ( من غيره ) من باقي ماله لا منه ، وأما لو قال ثلث مالي في سبيل الله [ ص: 164 ] فإنه ينفق عليه منه اتفاقا ( إلا لمتصدق به ) أي بماله المتقدم في قوله مالي ( على معين ) بالشخص كزيد أو بالوصف كبني زيد ( فالجميع ) حين اليمين لذلك المعين إلا أن ينقص فما بقي ، وكذا يقال في قوله ، وما سمى ، وإن معينا ، ويترك له ما يترك للمفلس ( وكرر ) ناذر الصدقة بجميع ماله أو ثلثه أو الحالف بذلك إخراج الثلث لكل يمين فيخرج الثلث لليمين الأولى ثم ثلث الباقي وهكذا ( إن أخرج ) الثلث الأول لليمين الأولى بعد لزومه ، وقبل إنشاء الثانية ، وشمل اللزوم النذر واليمين .

ومعلوم أن النذر يلزم باللفظ واليمين بالحنث فيها ( وإلا ) بأن لم يخرج الأول حتى أنشأ الثاني نذرا أو يمينا وتحت اليمين صورتان ما إذا أنشأ الثانية قبل الحنث في الأولى أو بعده ( فقولان ) في الصور الثلاث بالتكرار ، وعدمه بأن يكفي ثلث واحد لجميع الأيمان ( و ) لزم ( ما سمى ) من ماله إذا كان شائعا كسدسه أو تسعة أعشاره بل ( وإن ) كان المسمى ( معينا ) أتى ذلك المعين ( على الجميع ) أي جميع ماله كعبدي وداري وفرسي ، ولم يكن له غير ذلك ( و ) لزم ( بعث فرس وسلاح ) نذرهما أو حلف بهما وحنث ( لمحله ) أي الجهاد ( إن وصل ) إن أمكن وصوله ( وإن لم يصل ) أي لم يمكن وصوله ( بيع ، وعوض ) بثمنه مثله من خيل أو سلاح فإن جعل في سبيل الله ما ليس بفرس وسلاح كعبدي أو ثوبي في سبيل الله بيع ودفع ثمنه لمن يغزو به ( كهدي ) نذره فإنه يبعثه لمحله مكة أو منى إن أمكن وصوله وإلا بيع ، وعوض بثمنه من مكة أو غيرها ولزمه بعثه ( ، ولو معيبا ) إن كان معينا كعلي نذر هذه البدنة وهي عوراء مثلا مما لا يهدي ; لأن السلامة إنما تطلب في الواجب [ ص: 165 ] المطلق ( على الأصح ) . ومقابله يباع ويشترى بثمنه سليم ، وأما غير المعين كعلي بدنة عوراء فيلزمه سليم اتفاقا .

التالي السابق


( قوله وصيام بثغر ) أي من نذر صوما بثغر من الثغور كما قال لله علي صوم ثلاثة أيام بدمياط فإنه يلزمه الإتيان إليه ، وإن من مكة أو المدينة ; لأن صومه لا يمنع من عبادة الرباط ، ويأتي إليه راكبا ، ومفهوم الثغر أنه لو نذر الصوم بموضع غير ثغر لا يلزمه الإتيان لذلك الموضع ، ويصوم في مكانه إذ لا قربة في صومه بذلك الموضع ( قوله ، ومثل الصوم الصلاة ) أي فيلزمه إتيان الثغر لفعلها ، وهذا محمول على ما إذا نذر صلاة يمكن معها الحراسة كما إذا نذر الإتيان للثغر لصلاة قيام رمضان مدته ، وأما إذا نذر إتيان الثغر لصلاة واحدة ثم يعود من فوره فليصل بموضعه ، ولا يأتيه كما نص عليه اللخمي انظر طفى ، وعلى الثاني يحمل كلام خش وتت ( قوله : وأولى الرباط ) أي وأولى في لزوم الإتيان للثغر من نذر الإتيان للثغر من نذر رباطا فيه ( قوله ثلث ماله الموجود حين يمينه ) أي من عين وعدد دين حال ، وقيمة مؤجل مرجوين ، وقيمة عرض وقيمة كتابة مكاتب ( قوله لا ما زاد بعده ) أي بهبة أو نماء أو ولادة ( قوله إلا أن ينقص يوم الحنث ) أي ، ولو كان النقص بإنفاق أو بتلف بتفريط ( قوله بعد أن يحسب إلخ ) متعلق بما بقي ( قوله : بمالي في كسبيل الله ) لم يتكلم المصنف على جواز الإقدام على ذلك وقال ابن عرفة ما نصه ، وفي جواز الصدقة بكل المال نقلا اللخمي ورواية محمد ، وقول سحنون في العتبية من تصدق بكل ماله ، ولم يبق ما يكفيه ردت صدقته ا هـ ثم اعترض ابن عرفة القول الثاني فانظره ، وقال ابن عمر المشهور أن ذلك جائز ، وإن لم يبق لنفسه شيئا . ا هـ . بن ( قوله : وإن كان بإنفاق لزمه ثلث ما أنفقه أيضا ) ما ذكره من أنه يلزمه ثلث ما أنفقه في النذر دون اليمين أصله للشيخ أحمد الزرقاني وتبعه عج قال طفى ، ولم أر هذا التفريق لغيرهما وظاهر كلام المدونة وابن رشد وابن عرفة وغيرهم التسوية بينهما فلا يلزمه ثلث ما أنفقه لا في النذر ، ولا في اليمين . ا هـ . بن ( قوله وسبيل الله ) أي الذي يدفع له ثلث مال الحالف أو الناذر المتقدم هو الجهاد وقوله بمحل خيف إلخ هذا تحقيق للرباط لا إنه أمر زائد عليه ابن رشد لا يعطى منه مقعد ولا أعمى ، ولا امرأة ، ولا صبي ، ولا قاتل ، ولا مريض ميئوس منه ، ولا مفلوج ، ولا شبهه ، ولا أقطع إحدى الرجلين أو اليد اليسرى ا هـ والظاهر أولوية اليمين . ا هـ . عدوي ( قوله بمحل خيف منه العدو ) ظاهر المصنف أن الإقامة بمحل يخاف فيه من العدو رباط [ ص: 164 ] ولو كانت الإقامة بالأهل ، وهو الذي اختاره الباجي ، وقال مالك ليس برباط . ا هـ . بن ( قوله فإنه ينفق عليه منه ) أي على ذلك الثلث في إيصال للمجاهدين والمرابطين .

( قوله : أي بماله المتقدم ) في قوله مالي فإذا قال مالي صدقة لزيد أو لبني فلان لزمه إخراج جميع ماله لزيد لا ثلثه فقط ، وقوله إلا لتصدق إلخ استثناء منقطع أي لكن إذا تصدق به معين فيلزمه جميع المال لا ثلثه فقط .

( قوله : وناذر الصدقة بجميع ماله إلخ ) كالقائل مالي في سبيل الله أو ثلث مالي في سبيل الله ، وقوله أو الحالف بذلك أي بكل ماله أو ثلثه كالقائل إن فعلت كذا فمالي كله أو ثلثه صدقة ( قوله : ثم ثلث الباقي ) أي لليمين الثانية ( قوله : فقولان ) الأول نقله ابن رشد عن سماع يحيى من ابن القاسم ونقل ابن رشد الثاني أيضا عن سماع أبي زيد ، وهو يحتمل كونه عن ابن القاسم أو ابن كنانة قال ابن عرفة . ا هـ . بن ( قوله : ولزم ما سمى ) تقدم أنه إذا قال مالي في سبيل الله أو صدقة للفقراء أو نحو ذلك فإنه يجزئه إخراج ثلثه .

وأما إذا سمى شيئا بأن قال سدس مالي صدقة للفقراء أو عينه بأن قال علي مائة دينار صدقة للفقراء أو عبيدي أو داري أو فرسي صدقة للفقراء فإنه يلزمه إخراج ما سماه أو عينه ، وإن استغرق الذي سماه جميع ماله على المشهور خلافا لما روي عن مالك من أنه إذا سمى معينا ، وأتى على جميع ماله لا يلزمه إلا ثلث ماله ولما حكاه اللخمي عن سحنون من أنه لا يلزمه إلا ما لا يجحف به ( قوله : وإن معينا ) المراد بالمعين في كلامه ما قابل الشائع فقول المصنف ، وما سمى يشمل ثلاث صور الجزاء الشائع كالنصف والثلث والعدد المعين كمائة أو ألف ، وما عين بالذات كالعبد والدار والثاني والثالث يمكن أن يأتيا على جميع ماله فلذا بالغ عليهما بقوله : وإن معينا أي لزمه ما سماه هذا إذا كان شائعا بل ، وإن كان معينا هذا إذا لم يأت ذلك المعين على جميع ماله بل ، وإن أتى ذلك المعين على جميع ماله ( قوله : نذرهما ) بأن قال فرسي أو سيفي أو غير ذلك من آلات الحرب في سبيل الله أو نذر لله تعالى .

( قوله : أو حلف بهما وحنث ) أي بأن قال إن كلمت زيدا ففرسي أو سيفي في سبيل الله ثم كلمه ( قوله أي لم يمكن وصوله ) أي بأن لم يوجد من يبلغه على وجه الأمانة ( قوله بيع ) أي هنا ، وأرسل ثمنه لمحل الجهاد يشتري بثمنه مثله هناك ، ولا يشتري بثمن الفرس سلاحا ولا عكسه لاختلاف منفعتهما كما قاله الشيخ أحمد ، وإن لم يبلغ ثمن ما بيع شراء مثله اشترى بالثمن أقرب شيء للمبيع فإن لم يبلغ ذلك دفع ثمنه للغازي ، ولا يجعل في شقص مثله بخلاف الوقف .

( قوله : كهدي نذره ) تشبيه في لزوم الإرسال فإذا قال هذه البدنة هدي أو لله علي الإهداء بهذه البقرة أو الخروف أو البعير ، وكذا إذا حلف به وحنث كإن كلمت فلانا فعلي الإهداء بهذا الخروف أو بهذه البقرة أو فعلي بدنة أو خروف هديا ثم كلمه ، ولزمه إرساله لمكة أو منى ، ولا يجوز إرسال قيمته إن أمكن وصوله ( قوله ، ولزمه بعثه ، ولو معيبا ) أي هذا إذا كان سليما بل ، ولو كان معيبا على الأصح ، وهذا قول أشهب ، ومقابله ما لابن المواز من أنه يبيعه هنا ، ويرسل ثمنه يشتري به هناك سالما ومحل الخلاف بينهما في المعين أما غير المعين كما إذا قال لله علي هدي معيب أو بدنة عوراء ولم يعنه فإنه يلزمه شراء هدي سالم باتفاقهما كذا في عبق والذي في التوضيح عن التونسي الأشبه في المعيب غير المعين أنه يلزمه شيء ; لأنه نذر هدي ما لا يصح هديا كمن نذر صلاة في وقت لا يجوز ، وما ذكره أشهب من لزوم إرسال الهدي المعيب المعين إذا كان يمكن وصوله فإن لم يمكن وصوله وجب إبداله بالسليم بأن [ ص: 165 ] يباع هنا ، ويرسل ثمنه ثم يشترى به سليم ( قوله : المطلق ) أي غير المعين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث