الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

فصل : قد ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة بل المتواترة أنه صلى الله عليه وسلم منع من فتح باب شارع إلى مسجد ، ولم يأذن في ذلك لأحد ولا لعمه العباس ولا لأبي بكر إلا لعلي لمكان ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، ومن فتح خوخة صغيرة أو طاقة أو كوة ، ولم يأذن في ذلك لأحد ولا لعمر إلا لأبي بكر خاصة لمكان الخلافة ، ولكونه أفضل الناس يدا عنده ، كما أشار إلى التعليل به في الأحاديث المبدأ بها ، وهذه خصيصة لا يشاركه فيها غيره ، ولا يصح قياس أحد عليه إلى يوم القيامة ، فإن عمر استأذن في كوة فلم يؤذن له ، فمن ذا الذي يقاس عليه ؟ وقد منع عمر ، واستأذن العباس في فتح باب صغير بقدر ما يخرج منه وحده ، فلم يؤذن له وهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن ذا الذي يباح له ذلك وقد منع منه عمر والعباس ؟ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسند ذلك إلى أمر الله به ، وأنه لم يسد ما سد ولم يفتح ما فتح إلا بأمره تعالى ، ثم إن ذلك كان في مرض الوفاة ، وفي آخر مجلس جلسه على المنبر ، وكان ذلك من جملة ما عهد به إلى أمته ومات عليه ولم ينسخه شيء ، وتقلد ذلك حملة الشريعة من أمته ، فوجب على من علمه أن يبينه عند الحاجة إليه ولا يكتمه ، فإن توهم متوهم أو زعم زاعم أن الأمر في ذلك منوط برأي الإمام زد عليه بأن هذا حكم من الأحكام نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على منعه ، فلا رأي لأحد في إباحته ، بل لو وقف رجل من آحاد الناس مسجدا وشرط فيه شيئا اتبع شرطه ، فكيف بمسجد وقفه النبي صلى الله عليه وسلم ونص فيه على المنع من أمر وأسنده إلى الوحي ، وجعله من جملة عهده عند وفاته ، والرجوع إلى رأي الإمام إنما يكون في مساجد لا تعرض في شروط واقفيها لمنع ولا لغيره على ما في ذلك أيضا من توقف ونظر ، وإن خطر ببال أحد أن يقول : إن المسجد الشريف قد زالت معالمه وجدره ووسع زيادة على ما كان في عهده صلى الله عليه وسلم فلا يجديه هذا شيئا فإن حرمة المسجد وأحكامه الثابتة له باقية إلى يوم القيامة ، ولو اتسع وأزيلت جدره وأعيدت عادت على هذا الحكم من غير تغيير ، فإن الحكم المذكور منوط بالمسجد من حيث هو لا بذاك الجدار بعينه ، وقد بني في زمن عمر ووسع في زمن عثمان وغيره في القرن الأول وبعده ، ولم يخرجوا عن هذا الحكم ، وإن قيل بجواز الفتح في الجدار الذي هو ملك الفاتح ، قلنا : إن كان مع إعادة حائط المسجد الشريف كما كانت بحيث يسد الباب والشبابيك التي في الجدار فلا يستطرق منه ، ولا يطلع منها فلا كلام ، وإن كان مع إزالة حائط المسجد وبقاء الاستطراق والاطلاع ، فمعاذ الله فإن هذه ذريعة وحيلة يتوصل بها إلى مخالفة الأمر الشريف ، وإذا منع النبي صلى الله عليه وسلم عمر من فتح كوة ينظره منها حين يخرج إلى الصلاة ، فكيف يهدم الحائط جميعه ؟ بل أزيد على هذا وأقول لو أعيد حائط المسجد وبني خلفه جدار أطول منه وفتح في أعلاه كوة يطلع منها إلى المسجد فينبغي المنع من ذلك ; احتياطا للحديث ، وإن انضم إلى ذلك أن الشبابيك تصير معدة لمن يجلس فيها مرتفعا ، والقبر الشريف تحته فهذا أشد وأشد ، والواجب على كل متحر الاحتياط لدينه حيث علم أن هذا الحكم منصوص عليه من صاحب الشرع ، وأنه لا رأي لأحد فيه بعد نصه ، وأن حكم الحاكم بما يخالف النص ينقض وفتوى المفتي بما يعارض ترد ، والتوصل إلى خلافه بالحيل الفاسدة من باب قوله صلى الله عليه وسلم : " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود : تستحلوا محارم الله بأدنى الحيل " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث