الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 5127 ) مسألة ; قال : ( وليس عليه أن يعطي لكل هؤلاء الأصناف ، وإن كانوا موجودين ، إنما عليه أن لا يجاوزهم ) وذلك لأن الآية إنما سيقت لبيان من يجوز الصرف إليه ، لا لإيجاب الصرف إلى الجميع ، بدليل أنه لا يجب تعميم كل صنف بها . وقد ذكر الله تعالى في آية أخرى صرفها إلى صنف واحد ، فقال سبحانه : { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : { أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، فترد في فقرائهم } . متفق عليه .

فلم يذكر في الآية ولا في الخبر إلا صنفا واحدا . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لقبيصة حين تحمل حمالة : { أقم يا قبيصة ، حتى تأتينا الصدقة ، فنأمر لك بها } . فذكر دفعها إلى صنف ، وهو من الغارمين . وأمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر . وهو شخص واحد . رواه أبو داود وبعث إليه علي رضي الله عنه بذهيبة في تربتها ، فقسمها بين المؤلفة قلوبهم ، وهم صنف واحد . والآثار في هذا كثيرة ، تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعتقد في كل صدقة ثابتة دفعها إلى جميع الأصناف .

ولا تعميمهم بها ، بل كان يدفعها إلى من تيسر من أهلها ، وهذا هو اللائق بحكمة الشرع وحسنه ، إذ غير جائز أن يكلف الله سبحانه من وجبت عليه شاة ، أو صاع من البر ، أو نصف مثقال ، أو خمسة دراهم ، دفعها إلى ثمانية عشر نفسا ، أو أحدا وعشرين ، أو أربعة وعشرين نفسا ، من ثمانية أصناف ، لكل ثلاثة منهم ثمنها ، والغالب تعذر وجودهم في الإقليم العظيم ، وعجز السلطان عن إيصال مال بيت المال مع كثرته إليهم على هذا الوجه ، فكيف يكلف الله تعالى كل من وجبت عليه زكاة جمعهم وإعطاءهم ، وهو سبحانه القائل : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } . وقال : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . وقال : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } .

وأظن من قال بوجوب دفعها على هذا الوجه إنما يقوله بلسانه ، ولا يقدر على فعله ، وما بلغنا أن النبي [ ص: 337 ] صلى الله عليه وسلم فعل هذا في صدقة من الصدقات ، ولا أحدا من خلفائه ، ولا من صحابته ، ولا غيرهم ، ولو كان هذا هو الواجب في الشريعة المطهرة لما أغفلوه ، ولو فعلوه مع مشقته لنقل وما أهمل ، إذ لا يجوز على أهل التواتر إهمال نقل ما تدعو الحاجة إلى نقله ، سيما مع كثرة من تجب عليه الزكاة ، ووجود ذلك في كل زمان ، وفي كل مصر وبلد ، وهذا أمر ظاهر ، وقد سبقت هذه المسألة والكلام فيها فيما تقدم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث