الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 4989 ) فصل : إذا طلق المريض امرأته ، ثم نكح أخرى ، ومات من مرضه في عدة المطلقة ، ورثتاه جميعا . هذا قول أبي حنيفة وأهل العراق ، وأحد قولي الشافعي رضي الله عنه . والقول الآخر ، لا ترث المبتوتة ، فيكون الميراث كله للثانية . وقال مالك الميراث كله للمطلقة ; لأن نكاح المريض عنده غير صحيح . وجعل بعض أصحابنا فيها وجها ، أن الميراث كله للمطلقة ; لأنها ترث منه ما كانت ترث قبل طلاقها ، وهو جميع الميراث ، فكذلك بعده

                                                                                                                                            وليس هذا بصحيح ، فإنها إنما ترث ما كانت ترث لو لم يطلقها ، ولو لم يطلقها وتزوج عليها ، لم ترث إلا نصف ميراث الزوجات ، فكذلك إذا طلقها . فعلى هذا لو تزوج ثلاثا في مرضه ، فليس للمطلقة إلا ربع ميراث الزوجات ، ولكل واحدة من الزوجات ربعه . وإن مات بعد انقضاء عدة المطلقة ، فالميراث للزوجات ، في إحدى الروايتين . وهو قول الشافعي رضي الله عنه وأبي حنيفة وأصحابه . والرواية الأخرى ، أن الميراث للأربع . وعند مالك الميراث كله للمطلقة

                                                                                                                                            وإن كان له أربع نسوة ، فطلق إحداهن ثلاثا في مرضه ، ثم نكح أخرى في عدة المطلقة ، أو طلق امرأة واحدة ، ونكح أختها في عدتها ، ومات في عدتها ، فالنكاح باطل ، والميراث بين المطلقة وباقي الزوجات الأوائل . وهذا قول أبي حنيفة ، ومالك . وقال الشافعي رضي الله عنه : النكاح صحيح ، والميراث للجديدة مع باقي المنكوحات دون المطلقة . ويجيء على قوله القديم وجهان ; أحدهما ، أن يكون الميراث بين المطلقة وباقي الزوجات ، كقول الجمهور ، ولا شيء [ ص: 273 ] للمنكوحة

                                                                                                                                            والثاني ، أن يكون بينهن على خمسة ، لكل واحدة منهن خمسه . فإن مات بعد انقضاء عدة المطلقة ، ففي ميراثها روايتان ; إحداهما ، لا ميراث لها ، فيكون الميراث لباقي الزوجات . وهو قول أبي حنيفة وأهل العراق . والثانية ، ترث معهن ولا شيء للمنكوحة . وقال الشافعي رضي الله عنه : الميراث للمنكوحات كلهن ، ولا شيء للمطلقة . وإن تزوج الخامسة بعد انقضاء عدة المطلقة ، صح نكاحها

                                                                                                                                            وهل ترث المطلقة ؟ على روايتين ; إحداهما ، لا ترث . وهو ظاهر كلام أحمد ; لأنه قال : يلزم من قال : يصح النكاح في العدة . أن يرث ثمان نسوة ، وأن يرثه أختان ، فيكون مسلم يرثه ثمان نسوة أو أختان ، وتوريث المطلقات بعد العدة يلزم منه هذا ، أو حرمان الزوجات المنصوص على ميراثهن ، فيكون منكرا له غير قائل به . فعلى هذا يكون الميراث للزوجات دون المطلقة . والرواية الثانية ، ترث المطلقة . فيخرج فيه

                                                                                                                                            وجهان ; أحدهما ، يكون الميراث بين الخمس . والثاني ، يكون للمطلقة والمنكوحات الأوائل دون الجديدة ; لأن المريض ممنوع من أن يحرمهن ميراثهن بالطلاق ، فكذلك يمنع من تنقيصهن منه ، وكلا الوجهين بعيد ; أما أحدهما فيرده نص الكتاب على توريث الزوجات ، فلا يجوز مخالفته بغير نص ولا إجماع ولا قياس على صورة مخصوصة من النص في معناه ، وأما الآخر فلأن الله تعالى لم يبح نكاح أكثر من أربع ، ولا الجمع بين الأختين . فلا يجوز أن يجتمعن في ميراثه بالزوجية . وعلى هذا لو طلق أربعا في مرضه ، وانقضت عدتهن ، ونكح أربعا سواهن ، ثم مات من مرضه ، فعلى الأول ترثه المنكوحات دون المطلقات

                                                                                                                                            وعلى الثاني يكون فيه وجهان ; أحدهما ، أن الميراث كله للمطلقات . وعلى الثاني هو بين الثمان . وقال مالك : الميراث للمطلقات ، ولا شيء للمنكوحات ; لأن نكاحهن غير صحيح عنده . وإن صح من مرضه ، فتزوج أربعا في صحته ثم مات ، فالميراث لهن في قول الجمهور ، ولا شيء للمطلقات في قول مالك ومن وافقه . وكذلك إن تزوجت المطلقات لم يرثن شيئا إلا في قوله وقول من وافقه . ولو طلق أربعا بعد دخوله بهن ثلاثا في مرضه ، وقال : قد أخبرنني بانقضاء عدتهن

                                                                                                                                            فكذبنه ، فله أن ينكح أربعا سواهن إذا كان ذلك في مدة يمكن انقضاء العدة فيها ، ولا يقبل قوله عليهن في حرمان الميراث . وهذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، واللؤلؤي ، إذا كان بعد أربعة أشهر . وقال زفر : لا يجوز له التزويج أيضا . والأول أصح ; لأن هذا حكم فيما بينه وبين الله تعالى لا حق لهن فيه ، فقبل قوله فيه . فعلى هذا إن تزوج أربعا في عقد واحد ، ثم مات ، ورثه المطلقات دون المنكوحات ، إلا أن يمتن قبله ، فيكون الميراث للمنكوحات

                                                                                                                                            وإن أقررن بانقضاء عدتهن ، وقلنا : الميراث لهن بعد انقضاء العدة . فالميراث للمنكوحات أيضا . وإن مات منهن ثلاث ، فالميراث للباقية . وإن مات منهن واحدة ، ومن المنكوحات واحدة أو اثنتان ، أو مات من المطلقات اثنتان ، ومن المنكوحات واحدة ، فالميراث لباقي المطلقات . وإن مات من المطلقات واحدة ومن المنكوحات ثلاث ، أو من المطلقات اثنتان ، ومن المنكوحات اثنتان ، أو من المطلقات ثلاث ومن المنكوحات واحدة ، فالميراث بين البواقي من المطلقات والمنكوحات معا ; لأنه لو استأنف العقد على الباقيات من الجميع ، جاز فكان صحيحا

                                                                                                                                            وإن تزوج المنكوحات في أربعة عقود ، فمات من المطلقات واحدة ورثت مكانها الأولى من المنكوحات . وإن مات اثنتان ، ورثت الأولى والثانية . وإن مات ثلاث ، ورثت الأولى والثانية والثالثة من المنكوحات ، مع من بقي من المطلقات . وهذا على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف واللؤلؤي . وأما زفر فلا يرى صحة نكاح المنكوحات حتى يصدقه المطلقات . وأما الشافعي رضي الله عنه فيباح عنده التزويج في عدة المطلقات ، فعلى قوله إذا [ ص: 274 ] طلق أربعا ، ونكح أربعا ، في عقد أو عقود ، ثم مات من مرضه فالميراث للمنكوحات

                                                                                                                                            وعلى قوله القديم يخرج فيه وجهان ; أحدهما ، أن الميراث بين الثمان . والثاني ، أن الميراث للمطلقات دون المنكوحات . فإن مات بعض المطلقات ، أو انقضت عدتهن فللمنكوحات ميراث الميتات . وإن ماتت واحدة فللزوجات ربع ميراث النساء . وإن ماتت اثنتان فللزوجات نصف الميراث . فإن مات ثلاث ، فلهن ثلاثة أرباع الميراث إن كان نكاحهن في عقد واحد

                                                                                                                                            وإن كان في عقود متفرقة ، فإذا ماتت واحدة من المطلقات ، فميراثها للأولى من المنكوحات ، وميراث الثانية للثانية ، وميراث الثالثة للثالثة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية