الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة فيمن أصاب حدا ثم لحق بالمشركين أو ارتد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

2174 - مسألة : فيمن أصاب حدا ثم لحق بالمشركين أو ارتد ؟ قال أبو محمد رحمه الله : نا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا قتيبة بن سعيد ثنا حميد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي إسحاق السبيعي عن جرير بن عبد الله البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { إذا أبق العبد إلى الشرك فقد حل دمه } .

قال أبو محمد رحمه الله : فبهذا نأخذ ، والعبد هاهنا كل حر وعبد ، فكلنا عبيد الله تعالى ، ومن لحق بأرض الشرك بغير ضرورة فهو محارب ، هذا أقل أحواله إن سلم من الردة بنفس فراقه جماعة الإسلام ، وانحيازه إلى أرض الشرك : [ ص: 30 ] بما حدثنا يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري ثنا خلف بن القاسم ثنا أحمد بن سعد المهراني ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا أبو معاوية محمد بن خازم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين } .

قال أبو محمد رحمه الله : وسنستقصي الكلام - إن شاء الله تعالى - في هذا في " كتاب الردة " من هذا الكتاب .

فإن قال قائل : إنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا مع ذكر العبد الآبق ، فصح أنه إنما عنى بذلك المماليك فقط ؟ قلنا وبالله تعالى التوفيق : ليس الإباق لفظا موقوفا على المماليك الذين لنا فقط ، بل كل من هرب عن سيده ومالكه فهو آبق ، والله تعالى مالك الجميع ، والكل عبيده ومماليكه ، فمن هرب عن جماعة الله تعالى ، وعلى دار دين الله تعالى إلى دار أعداء الله تعالى المحاربين لله عز وجل فهو آبق .

برهان ذلك : قول الله تعالى { وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون } فقد سمى الله تعالى فعل يونس رسوله صلى الله عليه وسلم - وهو حر بلا خلاف - إذ فر عن أمر ربه تعالى إباقا - فصح أن الإباق لكل حر وعبد - وبالله تعالى التوفيق .

حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن قدامة عن جرير عن المغيرة بن مقسم عن الشعبي قال : كان جرير بن عبد الله يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم { إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة وإن مات مات كافرا ؟ فأبق غلام لجرير فأخذه فضرب عنقه } . [ ص: 31 ]

قال أبو محمد رحمه الله : ولا يسقط عن اللاحق بالمشركين لحاقه بهم شيئا من الحدود التي أصابها قبل لحاقه ، ولا التي أصابها بعد لحاقه ، لأن الله تعالى أوجب الحدود في القرآن على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أرسلها ولم يسقطها .

وكذلك لم يسقطها عن المرتد ، ولا عن المحارب ، ولا عن الممتنع ، ولا عن الباغي ، إذا قدر على إقامتها عليهم { وما كان ربك نسيا } .

ونحن نشهد بشهادة الله تعالى أن الله عز وجل لو أراد أن يستثني أحدا من هؤلاء لما سكت عن ذلك إعناتا لنا ، ولا أهمله ، ولا أغفله ، فإذ لم يعلمنا بذلك فنحن نقسم بالله تعالى أن الله تعالى ما أراد قط إسقاط حد أصابه لاحق بالشرك قبل لحاقه ، أو أصابه بعد لحاقه بهم ، أو أصابه مرتد قبل ردته أو بعدها ، وأن من خالف هذا فمخطئ عند الله تعالى بيقين لا شك فيه .

وقد صح النص والإجماع بإسقاطه ، وهو ما أصابه أهل الكفر ما داموا في دار الحرب قبل أن يتذمموا أو يسلموا فقط ، فهذا خارج بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل من أسلم منهم ، فلم يؤاخذهم بشيء مما سلف لهم من قتل ، أو زنا ، أو قذف ، أو شرب خمر ، أو سرقة ، وصح الإجماع بذلك .

فإن قال قائل : فإن الله تعالى يقول { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } وقال تعالى { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } .

فصح بهذا أن المرتد من الكفار بلا شك فإذ هو منهم فحكمه حكمهم .

وذكروا من طريق مسلم حدثنا محمد بن المثنى ثنا الضحاك - يعني أبا عاصم النبيل - أنا حيوة بن شريح ثنا يزيد بن أبي حبيب عن شمامة المهري ثنا مضر ثنا { عمرو بن العاص في سياقة الموت يبكي طويلا ، فذكر الحديث ، وفيه قال فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : ابسط يمينك فلأبايعك ، فبسط يمينه ، فقبضت يدي فقال : ما لك يا عمرو ؟ فقلت : أردت أن أشترط ، فقال : تشترط ماذا ؟ قلت : أن يغفر لي ، قال : أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله ، وأن الهجرة تهدم ما قبلها ، وأن الحج يهدم ما قبله } وذكر باقي الكلام [ ص: 32 ] ومن طريق مسلم حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون ، لإبراهيم بن دينار - واللفظ لإبراهيم - قال : ثنا حجاج - هو ابن محمد - عن ابن جريج أخبرني يعلى بن مسلم : أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس { أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن ، ولو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ؟ فنزل { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق } إلى قوله { يلق أثاما } ، و { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } الآية } .

قال أبو محمد رحمه الله : تمام الآية الأولى إلى قوله { حسنات } .

والأخرى { إن الله يغفر الذنوب جميعا } .

وكل هذا حق ولا حجة لهم فيه بل عليهم على ما نبين - إن شاء الله تعالى .

أما قول الله تعالى { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } الآية ، فنعم ، هكذا نقول ، ولم نخالفهم في هذه الآية ، ولا هي مسألتنا ، وإنما مسألتنا : هل تقام عليهم الحدود السالفة أم لا ؟ وليس في هذه الآية من هذا حكم أصلا لا بنص من القرآن ، ولا من السنة ، وأن التائب منا مغفور له ، وأن ماعزا مغفور له والغامدية ، والجهينية : مغفور لهما بلا شك ، ولم تسقط عنهم مغفرة الله تعالى لهم ذنبهم : حد الله تعالى الواجب في الدنيا ، وإنما أسقطت مغفرة الله تعالى عنهم عذاب الآخرة فقط ، ولم يسقط عنهم الحد بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم مع علمه صلى الله عليه وسلم أنه مغفور لهم أقام عليهم حد الزنى الذي قد غفره الله تعالى لهم .

وقد جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسطح بن أثاثة في القذف وهو بدري مغفور له وجلد النعمان في الخمر وهو بدري مغفور له ، وجلد عمر - رضي الله عنه - بحضرة الصحابة - رضي الله عنهم - قدامة بن مظعون وهو بدري مغفور له ، كل ما فعل في الخمر ، ولو تمت الشهادة على المغيرة لحده وهو بدري مغفور له ما قد فعل - فصح أن المغفرة من الله تعالى لا تسقط الحدود الواجبة في الدنيا ، ومن خالف هذا وقال : [ ص: 33 ] إن التوبة تسقط الحدود كلها خالف حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا ، وقد تقصينا هذا في باب مفرد لذلك قبل هذا بأبواب يسيرة .

وأما قول الله تعالى { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } فلا حجة لهم في هذا أصلا ، لأنه ليس فيها إسقاط الحدود على من أبق إليهم ، أو ارتد ، وإنما فيها : أن المرتد من الكفار ، وهذا لا شك فيه عند مسلم .

فإن قالوا : بلى ، ولكن لما كان منهم حكم له بحكمهم ؟ قلنا : لهم هذا واضح ، وبرهان ذلك : إجماعكم معنا على أن المرتد لا يقر على ردته ، بخلاف المشرك الكتابي الذي يقر على كفره إذا أدى الجزية صاغرا وتذمم ، وأنه لا يقبل من المرتد جزية أصلا عندكم ، وأنه لا تنكح المرتدة بخلاف المشركة الكتابية ، وأنه لا تؤكل ذبيحة المرتد بخلاف المشرك الكتابي ، ولا يسترق المرتد إن سبي كما يسترق المشرك إن سبي - فقد أقررتم ببطلان قياسكم الفاسد فأبطلتم أن يقاس المرتد على الكافر في شيء من هذه الوجوه ، ويلزمكم أن لا تقيسوه عليهم في سقوط الحدود ، فهو أحوط لقياسكم ، ولاح أنهم في هذه المسألة - لا النص من القرآن والسنة اتبعوا ، ولا القياس طردوا ، ولا تعلقوا بشيء أصلا - وبالله تعالى التوفيق .

وصح أن قول الله تعالى { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط - وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين .

فإن ادعوا أن المرتد لا تقبل منه جزية ، ولا تؤكل ذبيحته ، ولا يسترق إجماعا : دل ذلك على جهل من ادعى ذلك أو كذبه ، فقد صح عن بعض السلف : أخذ الجزية منهم ، وعن بعض الفقهاء : أكل ذبيحته إن ارتد إلى دين صابئ .

وأبو حنيفة وأصحابه يقولون : إن المرتدة إذا لحقت بأرض الحرب سبيت واسترقت ولم تقتل ، ولو أنها هاشمية أو عبشمية .

حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل : أن عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب إلى عمر بن عبد العزيز في رجل أسلم ثم ارتد ؟ فكتب إليه عمر بن عبد العزيز : أن اسأله عن شرائع الإسلام ، [ ص: 34 ] فإن كان قد عرفها فاعرض عليه الإسلام ، فإن أبى فاضرب عنقه ، وإن كان لم يعرفها فغلظ عليه الجزية ودعه .

قال معمر : وأخبرني قوم من أهل الجزيرة : أن قوما أسلموا ثم لم يمكثوا إلا قليلا حتى ارتدوا ؟ فكتب فيهم ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز فكتب عمر بن عبد العزيز : أن رد عليهم الجزية ودعهم .

وقد روي نحو هذا عن عمر بن الخطاب .

قال أبو محمد رحمه الله : وأما حديث عمرو بن العاص فهو عليهم أعظم حجة ، لأن فيه تسوية النبي صلى الله عليه وسلم بين الإسلام والهجرة والحج في أن كل واحد منها يهدم ما قبله ، وهم لا يختلفون - ولا أحد نعلمه - في أن الحج لا يسقط حدا أصابه المرء قبل حجه ولم يتب منه ، ولم تطل مدته دونه ، فمن الباطل أن يتحكموا في حكم الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيحملوا قوله عليه السلام { إن الإسلام يهدم ما قبله } على أن الإسلام يسقط الحدود التي واقعها العبد قبل إسلامه ، ويجعل الحج لا يسقطها ، وكلا الأمرين جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجيئا واحدا ، وأن هذا الخبر ضد قولهم في هذه المسألة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما أخبر أن الإسلام يهدم ما قبله ، وأن الهجرة تهدم ما قبلها ، وأن الحج يهدم ما قبله ، فقالوا هم : إن الردة إلى الكفر تهدم ما قبلها من الحدود الواجبة قياسا للكفر على الإسلام ، وأن الهجرة إلى الشيطان ، واللحاق بدار الكفر وأهل الحرب ، تهدم ما قبلها من الحدود ، قياسا على الهجرة إلى الله تعالى وإلى دار الإسلام ، وأن الحج لا يهدم ما قبله ؟ وهذا عين العناد والخلاف والمكابرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأما حديث عمر فإنه لم يتكلم قط في ذلك الخبر في ثبات الحدود أو سقوطها ، وإنما تكلم في المغفرة .

وإذا قلنا : إن مغفرة الله تعالى للذنوب لا تسقط الحدود الواجبة في تلك الذنوب إلا حيث صح النص ، والإجماع بإسقاطها فقط ، وليس ذلك إلا في الحربي الكافر يبتدئ الإسلام فقط .

ونحن نقول : إن الإسلام والهجرة الصادقة إلى الله تعالى ورسوله عليه السلام [ ص: 35 ] وأن الحج المبرور يهدم ما قبله من الذنوب ، ومن صفة كل ما ذكرنا من الإسلام الحسن ، والهجرة الصادقة - والحج المبرور أن يتوب صاحب هذه الحال عن كل ذنب سلف قبله .

برهان ذلك : ما حدثنا به عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد نا الفربري نا البخاري نا خلاد بن يحيى نا سفيان بن منصور ، والأعمش ، كلاهما عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال : { قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ؟ قال : من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر } .

قال أبو محمد رحمه الله : فحكم الإحسان في الإسلام هو التوبة من كل ذنب أسلفه أيام كفره ، وأما من أصر على معاصيه : فما أحسن في إسلامه بل أساء فيه ، وكذلك من لم يهجر ما نهى الله تعالى عنه ، فليس تام الهجرة - وكل حج أصر صاحبه على المعاصي فيه فلم يوف حقه من البر ، فليس مبرورا - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث