الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

كتاب الفرائض قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء اعلم بأن الفرائض من أهم العلوم بعد معرفة أركان الدين حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليمها وتعلمها كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض وسيقبض هذا العلم من بعدي حتى يتنازع الرجلان في فريضة فلا يجدان من يفصل بينهما } وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول لأصحابه عند رواية هذا الحديث تعلموا الفرائض ، ولا يكونن أحدكم كرجل لقيه أعرابي فقال أمهاجر أنت قال فإن إنسانا من أهلي مات فكيف يقسم ميراثه قال لا أدري قال فما فضلكم علينا تقرءون القرآن ولا تعلمون الفرائض ، وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { تعلموا العلم وعلموه الناس وتعلموا الفرائض فإنها نصف العلم وهي أول ما ينزع من بين أمتي } ، وقد كان أكثر مذاكرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم إذا اجتمعوا في علم الفرائض ومدحوا على ذلك حتى قال عليه السلام { أقرؤكم لكتاب الله أبي بن كعب وأقضاكم علي وأفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل } رضي الله عنهم أجمعين فقد نوه بذكر زيد في علم الفرائض ، ثم طرق الفرضيين قد اختلفت في شرح هذا الكتاب فمن بين مطول أمل ومن بين موجز أخل فالسبيل أن نجري القصد وندع التطويل بذكر ما لا يحتاج إليه والإخلال بترك نص ما يحتاج إليه فإن خير الأمور أوسطها فنقول إذا مات ابن آدم يبدأ من تركته بالأقوى فالأقوى من الحقوق عرف ذلك بقضية العقول وشواهد الأصول فأول ما يبدأ به تجهيزه وتكفينه ودفنه بالمعروف كما روي { أن ابن عمر رضي الله عنه لما استشهد يوم أحد لم يوجد له إلا نمرة فكان إذا كان غطي بها رأسه بدا رجلاه وإذا غطي بها رجلاه بدا رأسه فأمر صلى الله عليه وسلم أن يغطى بها رأسه ويجعل على رجليه من الإذخر } .

، وقد نقل [ ص: 137 ] ذلك في حال حمزة رضي الله عنه أيضا ولم يسأل عن الدين عليهما فلو كان الدين مقدما على الكفن لسأل عن ذلك كما سأل عن الدين حتى كان لا يصلي على من مات وعليه دين فقال { هل على صاحبكم دين } ثم الكفن لباسه بعد وفاته فيعتبر بلباسه في حياته ولباسه في حياته مقدم على دينه حتى لا يباع على المديون ما عليه من ثيابه . فكذلك لباسه بعد موته ومن مات ، ولا شيء له يجب على المسلمين تكفينه فيكفن من مال بيت المال ، وماله يكون أقرب إليه من مال بيت المال وبهذا يتبين أن الكفن أقوى من الدين فإنه لا يجب على المسلمين قضاء دينه من بيت المال ، ثم بعد الكفن يقدم الدين على الوصية والميراث لحديث علي رضي الله عنه قال إنكم تقرون الوصية قبل الدين ، وقد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بالدين قبل الوصية وقيل لابن عباس رضي الله عنه إنك تأمر بالعمرة قبل الحج ، وقد بدأ الله تعالى بالحج فقال { وأتموا الحج والعمرة لله } فقال كيف تقرءون آية الدين فقالوا { من بعد وصية يوصى بها أو دين } فقال بماذا يبدأ فقالوا بالدين قال هو ذلك ، ولأن قضاء الدين من أصول حوائجه فإنه يفك به رهانه وتنفيذ الوصية ليس من أصول حوائجه ، ثم قضاء الدين مستحق عليه والوصية لم تكن مستحقة عليه وصاحب الدين ليس يتملك ما يأخذ عليه ابتداء ، ولكنه في الحكم يأخذ ما كان له ولهذا ينفرد به إذا ظفر بجنس حقه والموصى له يتملك ابتداء بطريق التبرع وأيد هذا كله ما روي { أن رجلا أعتق عبدا في مرضه وعليه دين فاستسعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيمته } ، وإنما فعل ذلك لأنه قدم الدين على الوصية .

وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله الدين إذا كان محيطا بالتركة يمنع ملك الوارث في التركة ، وإن لم يكن محيطا . فكذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله الأول ، وفي قوله الآخر لا يمنع ملك الوارث بحال لأنه يخلف المورث في المال والمال كان مملوكا للميت في حال حياته مع اشتغاله بالدين كالمرهون . فكذلك يكون ملكا للوارث وحجتنا في ذلك قوله تعالى { من بعد وصية يوصى بها أو دين } فقد جعل الله تعالى أوان الميراث ما بعد قضاء الدين والحكم لا يسبق أوانه فيكون حال الدين كحال حياة المورث في المعنى ، ثم الوارث يخلفه فيما يفضل من حاجته . فأما المشغول بحاجته لا يخلفه وارثه فيه .

وإذا كان الدين محيطا بتركته فالمال مشغول بحاجته وقيام الأصل يمنع ظهور حكم الخلف ، ولا يقول يبقى مملوكا بغير مالك ، ولكن تبقى مالكية المديون في ماله حكما لبقاء حاجته وأصل هذه المسألة فيما بيناه في النكاح أن المكاتب لا يعتبر ميراثا للوارث بموت المولى عندنا لبقاء حاجته إلى ولاية ، وعند الشافعي رحمه الله [ ص: 138 ] يصير ميراثا بعد قضاء الدين تقدم الوصية في محلها على الميراث ومحل الوصية الثلث قال عليه السلام { إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم } ففي مقدار الثلث تقدم الوصية على الميراث لأن الله تعالى جعل الميراث بعد الوصية ولأن تنفيذ الوصية من حوائج الميت أيضا .

فأما ما زاد عن الثلث لا يظهر فيه تقديم الوصية لأن حق الوارث فيه يمنع الوصية إلا أن يجيز الوارث وبعد تنفيذ الوصية يقسم الميراث فنقول الأسباب التي بها يتوارث ثلاثة الرحم والنكاح والولاء والولاء نوعان ولاء نعمة وولاء موالاة وكل واحد منهما سبب الإرث عندنا على ترتيب بينهما وبينه والأسباب التي بها يحرم الميراث ثلاثة الرق واختلاف الدين ومباشرة القتل بغير حق في حق من يتحقق منه التقصير شرعا والوارثون أصناف ثلاثة أصحاب الفرائض والعصبات وذوو الأرحام وأصحاب الفرائض هم الذين لهم سهام مقدرة ثابتة بالكتاب والسنة أو الإجماع والعصبات أصناف ثلاثة عصبة بنفسه وعصبة بغيره وعصبة مع غيره فالعصبة بنفسه الذكر الذي لا يفارقه الذكور في نسبته إلى الميت والعصبة بغيره الأنثى التي تصير عصبة بمن في درجتها من الذكر كالبنات بالبنين والأخوات بالإخوة والعصبة مع غيره كالأخوات يصرن عصبة مع البنات وفرق فيما بين العصبة بغيره والعصبة مع غيره أنه لا يكون عصبة بغيره إلا ، وأن يكون ذلك الغير عصبة والعصبة مع غيره أن لا يكون ذلك الغير عصبة في نفسه كالأخوات مع البنات فالبنت ليست عصبة بنفسها والأخت تصير عصبة معها وذوو الأرحام ما عدا هذين الصنفين من القرابة ، ثم أقوى أسباب الأرث العصوبة فإنه يستحق بها جميع المال ولا يستحق بالفريضة جميع المال والعصوبة في كونها سببا للإرث مجمع عليها بخلاف الرحم فكانت العصوبة أقوى الأسباب ، ثم إن محمدا رحمه الله بدأ الكتاب ببيان ميراث الآباء ، وقد استحسن مشايخنا رحمهم الله البداءة ببيان ميراث الأولاد اقتداء بكتاب الله فقد قال الله عز وجل { يوصيكم الله في أولادكم } ، ولأن الابن مقدم في العصوبة على الأب ، وقد بينا أن أقوى الأسباب العصوبة فقدمنا بيان ميراث الأولاد لهذا والله أعلم بالصواب . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث