الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع قال أنت طالق ثلاثا أنت طالق ثلاثا إن فعلت كذا

جزء التالي صفحة
السابق

ص ( أو كلما أو متى ما أو إذا ما طلقتك أو وقع عليك طلاقي فأنت طالق وطلقها واحدة )

ش : هو ظاهر التصوير من كلام الشارح وابن غازي ( مسألة ) تتعلق بشيء من الألفاظ المذكورة رأيت كتابا يشتمل على نوازل الجماعة من متأخري الأندلسيين كالشيخ أبي إسحاق الشاطبي والأستاذ أبي القاسم بن سراج والأستاذ أبي عبد الله السرقسطي والأستاذ أبي عبد الله الفخار وغيرهم ما نصه : وسئل الأستاذ أبو القاسم بن سراج فيمن طلق امرأته ثلاثا ثم قال بعد إيقاعه الطلاق : متى حللت حرمت ثم تزوجت هذه المطلقة بعد ذلك وفارقها زوجها الثاني والأول يريد تزويجها هل له ذلك أم لا فأجاب له أن يراجعها ، قاله ابن سراج ، انتهى . والظاهر أنه يفصل في ذلك فإن أراد بقوله متى حللت حرمت أنها إذا حلت له بعد زواجها زوجا غيره فهي حرام عليه وإن تزويجها لا يحلها فلا يلزمه شيء كما قال المفتي وإن أراد أنها إذا حلت بعد زوج فإن تزوجها فهي حرام فيلزمه التحريم فيها ويفصل فيه بين إن وكلما ومتى ويأتي الكلام الذي في هذه الحروف ، والمتبادر من اللفظ إنما هو المعنى الأول وهو أن الحالف لما طلقها ثلاثا وحرمت عليه وكانت حرمة نكاحها ترتفع بزواجها أراد أن يبطل ذلك وأنه إذا حل زواجها له بعد زوج تصير عليه حراما كما كانت هذا هو الظاهر من اللفظ وإذا كان كذلك فلا يلزمه شيء ; لأنه بمنزلة من حرم تزويج امرأته على نفسه فإنها لا تحرم عليه وقد ذكر ابن سهل مسألة تشبه هذه أو هي أقوى من هذه ، قال : وكتبت إليهم فيمن قال لزوجته : أنت طالق ثلاثا إن كنت لي زوجة قبل زوج أو بعد زوج هل تحرم للأبد وكيف إن طلقت عليه ثلاثا فتزوجها بعد زوج فكتب إليه ابن عتاب لا تحرم عليه الأبد وله نكاحها بعد الزوج إن شاء الله إلا أن يكون أراد بقوله أو بعد زوج إن تزوجها بعد زوج فهي طالق ثلاثا فإن أراد هذا أو عقد عليه حلفه فلا سبيل له إليها ، والله الموفق للصواب . وقال ابن القطان : متى طلقت عليه بالبتة فلا تحرم عليه إن تزوجها بعد زوج وله ذلك إن شاء الله ، وقال ابن مالك : إذا طلقت عليه الزوجة بعد زوج ثم تزوجها بقيت له زوجة إن شاء الله تعالى وانظر جواب ابن مالك والظاهر أن فيه تقديما وتأخيرا وصوابه إذا طلقت عليه ثلاثا ثم تزوجها بعد زوج ، والله أعلم . وجواب ابن عتاب أتم من جوابيهما والتفصيل الذي يأتي في مسألتنا فلا يلزمه الحنث فيها بعد زوج إلا إذا حلف على ذلك الوجه وعقد عليه يمينه وأما إذا لم تكن له نية أو نوى الوجه الأول فلا يلزمه شيء ، والله أعلم . وفي ابن سهل جواب القاضي أبي محمد وأبي القاسم بن سراج [ ص: 64 ] وكان أحد المشاورين فلعله هو المجيب في هذه المسألة فيكون عمدة ، والله أعلم . وفي البرزلي في مسائل الأيمان مسائل من هذا المعنى ونصه سئل المازري عمن طلق زوجته ثلاثا والتزم عدم ردها بعد زوج ولا تكون له بزوجة ما دامت الدنيا فأجاب إن قال : لا أردها قولا مجردا من غير تعليق ما يوجب تحريمها ولا فهمته البينة عنه وليس في سياق كلامه وقرائن أحواله ما يدل على ما ذكرناه فلا تحرم عليه ، انتهى . وسئل المازري عمن كلم في تزويج بعض قرابته ثم بلغه عن أبيها قبيح ، فقال : متى ما تزوجتها فهي طالق ثلاثا وأردف وهي عليه حرام فما يلزمه من ذلك وهل تحل له بعد زوج أم لا ؟ فأجاب متى تزوجها طلقت عليه ثم إن تزوجها بعد زوج نظر في قوله متى ما كان أراد كلما تزوجها تكرر عليه الحنث وإن أراد مرة واحدة فلا يتكرر ، انتهى .

ومنه سئل أبو الحسن بن خلف عمن طلق زوجته ثلاثا ثم وقعت بينهما خصومة ، فقال : هي علي حرام ثم أراد الآن تزويجها بعد زوج هل له ذلك أو لا ؟ فأجاب إن علق التحريم عندما ذكر له ارتجاعها أو عيب عليه تطليقها أو رأى في الخصومة ما يكرهه أو علم منه أنه أراد إن تزوجها فتحرم عليه بعقد نكاحها ثانية ولا تحل له إلا بعد زوج ( قلت ) وكان شيخنا الشيخ أبو محمد الشبيبي يحكي بسنده عن ابن قداح أنه يفتي بعدم اللزوم ، قال : لأن العامة لا تعرف التعليق ولا تقصده وحكاه شيخنا الإمام عن شيخنا الفقيه القاضي أبي حيدرة وكان أولا يختار اللزوم وهو الذي حكاه في مختصره ويقول : العامة تقصد التعليق ولكن لا تعرف أن تكني عنه ثم شهدته رجع إلى الفتوى بهذا في وسط عمره وآخره ورأيت بخطه كذلك بعد أن حكى فيه ما تقدم ، وقال : إن أخذ السائل بالرخصة لم أعبه وسلكه الآن أتباعه من بعده ، انتهى .

ومنه سئل الفقيه أبو علي القوري فيمن قال لامرأته : أنت حرام علي في الدنيا والآخرة فأجاب بأن له نكاحها بعد زوج وكان يلزم أن يكون مع ذلك الظهار ; لأنه لازم قوله كما لو قال لها : أنت حرام علي مثل أبي ، انتهى .

( مسألة ) ذكرها في النوازل المتقدم ذكرها وهي : سئل ابن سراج في رجل قصد غشيان زوجته فلم تطاوعه ، فقال لها في الحين : هي حرام علي في هذه الساعة وخرج عن السرير حيث كان معها مضطجعا فما يجب عليه في قوله هذا فأجاب الحمد لله ذكر موصله أنه الحالف وأنه لم ينو بقوله هي عليه حرام طلاقا ولا تحريما وإنما أراد الامتناع منها في الحال والجواب أنه لا يلزمه لعدم النية على الصحيح ، قاله ابن سراج ( مسألة ) قال البرزلي : من قيل له : تزوج فلانة ، فقال الذمام : لا أتزوجها فلا تحرم بذلك فإن أراد بذلك ذمة الله تعالى فهي يمين فيكفر عن يمينه إذا تزوجها وإن أراد ذمة الناس التي تجري على ألسنتهم فليس بيمين ، انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث