الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ويستحب دينة ) بحيث توجد فيها صفة العدالة لا العفة عن الزنا فقط للخبر المتفق عليه { فاظفر بذات الدين تربت يداك } أي استغنيت إن فعلت أو افتقرت إن لم تفعل وتردد في مسلمة تاركة للصلاة وكتابية فقيل هذه أولى للإجماع على صحة نكاحها ولبطلان نكاح تلك لردتها عند قوم وقيل تلك ؛ لأن شرط نكاح هذه مختلف فيه ورجح بعضهم الأولى ، وهو واضح في الإسرائيلية ؛ لأن الخلاف القوي إنما هو في غيرها ولو قيل الأول لقوي الإيمان والعلم هذه لا منه من فتنتها وقرب سياسته لها إلى أن تسلم ولغيره تلك لئلا تفتنه هذه لكان أوجه ( بكر ) للأمر به مع تعليله بأنهن أعذب أفواها أي ألين كلاما ، أو هو على ظاهره من أطيبيته وحلاوته ، وأنتق أرحاما أي أكثر أولادا ، أو أسخن إقبالا وأرضى باليسير من العمل أي الجماع وأغر غرة بالكسر أي أبعد من معرفة الشر والتفطن له وبالضم أي غرة البياض ، أو حسن الخلق وإرادتهما معا أجود نعم للثيب أولى لعاجز عن الافتضاض ولمن عنده عيال يحتاج لكاملة تقوم عليهن كما استصوبه صلى الله عليه وسلم من جابر لهذا .

وفي الإحياء يسن أن لا يزوج [ ص: 189 ] بنته البكر إلا من بكر لم يتزوج قط ؛ لأن النفوس جبلت على الإيناس بأول مألوف ولا ينافيه ما تقرر من ندب البكر ولو للثيب ؛ لأن ذاك فيما يسن للزوج وهذا فيما يسن للولي ( نسيبة ) أي معروفة الأصل طيبته لنسبتها إلى العلماء والصلحاء وتكره بنت الزنا والفاسق وألحق بها لقيطة ومن لا يعرف أبوها لخبر { تخيروا لنطفكم ولا تضعوها في غير الأكفاء } صححه الحاكم واعترض ( ليست قرابة قريبة ) لخبر فيه النهي عنه وتعليله بأن الولد يجيء نحيفا لكن لا أصل له ومن ثم نازع جمع في هذا الحكم بأنه لا أصل له وبإنكاحه صلى الله عليه وسلم عليا كرم الله وجهه ويرد بأن نحافة الولد الناشئة غالبا عن الاستحياء من القرابة القريبة معنى ظاهر يصلح أصلا لذلك وعلي كرم الله وجهه قريب بعيد إذ المراد بالقريبة من هي في أول درجات الخؤولة والعمومة وفاطمة رضي الله عنها بنت ابن عم فهي بعيدة ونكاحها أولى من الأجنبية لانتفاء ذلك المعنى مع حنو الرحم

وتزوجه صلى الله عليه وسلم لزينب بنت جحش مع كونها بنت عمته لمصلحة حل نكاح زوجة المتبنى وتزويجه زينب بنته لأبي العاص مع كونه ابن خالتها بتقدير وقوعه بعد النبوة واقعة حال فعلية فاحتمال كونه لمصلحة يسقطها وكل مما ذكر مستقل بالندب خلافا لما يوهمه ظاهر العبارة ويسن أيضا كونها ودودا ولودا ويعرف في البكر بأقاربها ووافرة العقل وحسنة الخلق وكذا بالغة وفاقدة ولد من غيره إلا لمصلحة وحسناء أي بحسب طبعه كما هو ظاهر ؛ لأن القصد العفة ، وهي لا تحصل إلا بذلك وبهذا يرد قول بعضهم المراد بالجمال هنا الوصف القائم بالذات المستحسن عند ذوي الطباع السليمة نعم تكره ذات الجمال البارع ؛ لأنها تزهو به وتتطلع إليها أعين الفجرة ومن ثم قال أحمد ما سلمت أي من فتنة ، أو تطلع فاجر إليها ، أو تقوله عليها ذات جمال أي بارع قط وخفيفة المهر ، وأن لا تكون شقراء قيل الشقرة بياض [ ص: 190 ] ناصع يخالفه فقط في الوجه لونها غير لونه ا هـ وكأنه أخذ ذلك من العرف ؛ لأن كلام أهل اللغة مشكل فيه إذ الذي في القاموس الأشقر من الناس من يعلو بياضه حمرة ا هـ .

ويتعين تأويله بما يشير إليه قوله يعلوه بأن المراد أن الحمرة غلبت البياض وقهرته بحيث تصير كلهب النار الموقدة إذ هذا هو المذموم بخلاف مجرد تشرب البياض بالحمرة فإنه أفضل الألوان في الدنيا ؛ لأنه لونه صلى الله عليه وسلم الأصلي كما بينته في شرح الشمائل ولا ذات مطلق لها إليه رغبة ، أو عكسه ولا من في حلها له خلاف كأن زنى ، أو تمتع بأمها أو بها فرعه ، أو أصله أو شك بنحو رضاع وفي حديث عند الديلمي والخطابي النهي عن نكاح الشهبرة الزرقاء البذية واللهبرة الطويلة المهزولة والنهبرة القصيرة الذميمة ، أو العجوز المدبرة والهندرة العجوز المدبرة أو المكثرة للهذر أي الكلام في غير محله ، أو القصيرة الذميمة ولو تعارضت تلك الصفات فالذي يظهر أنه يقدم الدين مطلقا ثم العقل وحسن الخلق ثم الولادة ثم أشرفية النسب ثم البكارة ثم الجمال ثم ما المصلحة فيه أظهر بحسب اجتهاده ( تنبيه )

كما يسن له تحري هذه الصفات فيها كذلك يسن لها ولوليها تحريها فيه كما هو واضح

التالي السابق


حاشية الشرواني

( قول المتن دينة ) يتردد النظر في دينة وفاسقة يعلم ، أو يغلب على الظن أن تزوجه بها يكون سببا لزوال فسقها ولعل الثانية أولى بل لو قيل بوجوب ذلك لم يبعد فليراجع وليحرر ا هـ سيد عمر ( قوله : بحيث ) إلى قول المتن ليست في النهاية إلا قوله وأسخن إقبالا ( قوله : فاظفر ) أي أيها المسترشد ( قوله : إن فعلت ) أي ما أمرتك به ا هـ شرح روض ( قوله : أو افتقرت إن لم تفعل ) اقتصر عليه شرحا المنهج والروض ، وهو الموافق لقول القاموس وترب كفرح خسر وافتقر ويده لا أصاب خيرا وأترب قل ماله وكثر ضد ا هـ إلا أن يقال إن التفسير الأول على التجوز بعلاقة الضدية ( قوله : هذه أولى ) أي الكتابية وقوله نكاح تلك أي تاركة الصلاة ( قوله عند قوم ) عبارة عميرة عند الإمام أحمد رضي الله عنه وفي وجه عندنا ا هـ وعبارة ع ش نسب غير الشارح هذا القول إلى أحمد ومقتضاه أن مجرد الترك ردة والمنقول في مذهبهم خلافه قال في منتهى الإرادات ومن تركها ولو جهلا فعلم وأصر كفر وكذا تهاونا وكسلا إذا دعاه إمام ، أو نائبه لفعلها وأبى حتى تضايق وقت التي بعدها ويستتاب ثلاثة أيام فإن تاب بفعلها وإلا ضرب عنقه وقال شارحه ولا قتل ولا تكفير قبل الدعاء وكذا قال صاحب الإقناع من أئمة الحنابلة ومنه يعلم أن النساء الموجودات في زمننا أنكحتها صحيحة حتى عند أحمد ا هـ .

( قوله : وقيل تلك ) أي تاركة الصلاة وهذا هو المعتمد مطلقا ا هـ ع ش ( قوله : الأول ) أي القول بأولوية الكتابية ( قوله لقوي الإيمان إلخ ) قد يقال ينبغي أن يزاد ويرجو ولو على بعد إسلامها وإلا فمن تيقن أنها لا تسلم يبعد تقديمها على المسلمة المذكورة وقد يقال أيضا إنه لو علم ، أو غلب على ظنه أنها تسلم لم يبعد الوجوب حينئذ فيما يظهر ا هـ سيد عمر أقول ويغني عن قيد الرجاء قوله وقرب سياسته إلخ .

( قوله : والعلم ) أي التصديق فالعطف للتفسير ( قوله : هذه ) أي الكتابية خبر الأولى وقوله ولغيره عطف على لقوي إلخ وقوله تلك أي تاركة الصلاة عطف على هذه بحرف واحد وقوله لكان إلخ جواب ولو قيل ( قوله : بأنهن ) أي الأبكار ( قوله : من أطيبيته إلخ ) أي الفم ( قوله : وأسخن إقبالا ) لعل المراد به أسرع حملا ثم كان الأولى ، أو بدل الواو كما في بعض النسخ ( قوله : أي غرة البياض ) الإضافة بيانية ا هـ ع ش عبارة الرشيدي قال الشهاب سم انظر ما المراد فإن الألوان لا تتفاوت بتفاوت البكارة والثيوبة ا هـ وقد يقال لا مانع من نقص بهائها وإشراقها بزوال البكارة ، وإن لم يدرك ذلك ا هـ أقول بل هو مدرك ، وإن كان منشؤه زيادة اهتمام البكر بالنظافة ( قوله : أو حسن الخلق ) عطف على البياض ( قوله وإرادتهما ) أي البياض وحسن الخلق ( قوله ولمن عنده إلخ ) أي ونحوه كمن يكثر ضيفانه ( قوله : لهذا ) أي لتقوم على أخواته ( قوله : وفي الإحياء ) إلى قوله : ولا ينافيه في المغني وشرح الروض إلا لفظة البكر ( قوله : [ ص: 189 ] بنته البكر ) ينبغي أن يكون ذكر البكر في البنت ليس قيدا احترازيا بل للغالب ثم رأيت أن المغني والأسنى أسقطاه وينبغي أيضا أن يكون التعبير بالبنت كذلك فمطلق المولية كذلك ا هـ سيد عمر ( قوله : وتكره بنت الزنا إلخ ) ؛ لأنه قد يعير بها لدناءة أصلها وربما اكتسبت من طباع أبيها ا هـ ع ش ( قوله : في غير الأكفاء ) لفظ المغني إلا في الأكفاء فليحرر ا هـ سيد عمر .

( قوله واعترض ) عبارة المغني قال أبو حاتم الرازي ليس له أصل وقال ابن الصلاح له أسانيد فيها مقال ولكن صححه الحاكم ا هـ .

( قول المتن ليست قرابة قريبة ) هذا من نفي الموصوف المقيد بصفة فيصدق بالأجنبية والقرابة البعيدة ، وهي أولى منها ولو أبدل المصنف ليست بقوله غير كان مناسبا للصفات المتقدمة ا هـ مغني .

( قوله : لخبر فيه ) إلى قوله أي بحسب طبعه في النهاية وكذا في المغني إلا قوله نحافة الولد إلى وعلي رضي الله عنه وقوله وتزويجه إلى ويسن ( قوله وتعليله ) عطف على النهي وقوله لكن لا أصل له أي لذلك الخبر عبارة المغني واستدل الرافعي لذلك تبعا للوسيط بقوله صلى الله عليه وسلم { لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا } أي نحيفا وذلك لضعف الشهوة غير أنه يجيء كريما على طبع قومه قال ابن الصلاح ولم أجد لهذا الحديث أصلا معتمدا قال السبكي فينبغي أن لا يثبت هذا الحكم لعدم الدليل وقد زوج صلى الله عليه وسلم عليا بفاطمة رضي الله تعالى عنهما ، وهي قرابة قريبة انتهى ا هـ .

( قوله : يصلح أصلا إلخ ) نظر فيه الشهاب سم بأنه لا بد للحكم من أصل كتاب ، أو سنة ، أو إجماع أو قياس ا هـ رشيدي عبارة ع ش قوله يصلح أصلا أي ، وإن لم يثبت وقوله لذلك أي الكراهة ا هـ وعبارة الكردي قوله : لذلك أي دليلا للحكم ا هـ .

( قوله : ونكاحها ) أي القرابة البعيدة ( قوله : وعلي إلخ ) الأولى نصبه عطفا على نحافة الولد ( قوله والعمومة ) الواو بمعنى ، أو ( قوله وتزوجه إلخ ) وقوله تزويجه إلخ كل منهما جواب عما يرد على المتن ( قوله : واقعة حال إلخ ) خبر وتزويجه ( قوله فاحتمال كونه ) أي ذلك التزويج ( قوله يسقطها ) خبر فاحتمال إلخ أي يسقط هذا الاحتمال تلك الواقعة أي الاستدلال بها ( قوله : مما ذكر ) أي من قوله دينة إلخ ( قوله : ودودا ) أي متحببة للزوج ا هـ ع ش ( قوله : ويعرف ) أي كونها ودودا ولودا ( قوله : ووافرة العقل ) عبارة المغني عاقلة قال الإسنوي ويتجه أن يراد بالعقل هنا العقل العرفي ، وهو زيادة على مناط التكليف انتهى والمتجه كما قال شيخنا أن يراد أعم من ذلك ا هـ ولا يخفى أن تعبير الشارح كالنهاية ظاهر فيما قاله الإسنوي ( قوله : إلا لمصلحة ) راجع للمسألتين قبله ا هـ رشيدي ( قوله : قول بعضهم إلخ ) أفتى بهذا القول شيخنا الشهاب الرملي ا هـ سم أي ويوافقه صريح النهاية وظاهر المغني ( قوله : نعم إلخ ) لا يخفى أن هذا الاستدراك إنما يناسب لقول البعض لا ما اختاره الشارح .

( قوله : نعم تكره ) إلى قوله قيل الشقرة في المغني وإلى التنبيه في النهاية إلا قوله وكأنه إلى ولا ذات مطلق ( قوله : ذات جمال ) فاعل سلمت ا هـ سم ( قوله : وأن لا تكون شقراء إلخ ) ، وأن لا يزيد على امرأة واحدة من غير حاجة ظاهرة ويقاس بالزوجة السرية كما قاله ابن العماد ويسن أن يتزوج في شوال ، وأن يدخل فيه ، وأن يعقد في المسجد ، وأن يكون مع جمع وأول النهار نهاية ومغني قال ع ش قوله : من غير حاجة إلخ ومنها توهم حصول ولد منها واحتياجه للخدمة وقوله ويسن أن يتزوج في شوال أي حيث كان يمكنه فيه وفي غيره على السواء فإن وجد سبب للنكاح في غيره فعله وصح الترغيب في الصفر أيضا روى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنته فاطمة عليا في شهر صفر على رأس اثني عشر شهرا من - [ ص: 190 ] الهجرة ا هـ .

( قوله : ناصع ) أي خالص ( قوله : تأويله ) أي ما في القاموس ( قوله يعلوه ) كذا في أصله والأنسب حذف الهاء ا هـ سيد عمر ( قوله : غلبت البياض وقهرته ) الأنسب جعل الفعلين مضارعا ( قوله : في الدنيا ) ما وجه التقييد به فليتأمل ا هـ سيد عمر وقد يقال وجهه كون الكلام في نساء الدنيا ( قوله : أو بها ) عطف على بأمها وقوله فرعه إلخ الأولى كما في النهاية ، أو فرعه إلخ عطفا على الضمير المستتر في زنى وتمتع ( قوله : أو شك ) عطف على خلاف سم ورشيدي ( قوله الزرقاء البذية ) على حذف أي التفسيرية ( قوله : أو العجوز المدبرة ) أي التي تغيرت أحوالها ا هـ ع ش ( قوله : مطلقا ) أي جميلة أم لا ا هـ ع ش ( قوله : ثم الولادة ) ذكره النهاية عقب البكارة ( قوله ثم الجمال ) الأولى تقديم الجمال على البكارة لما فيه من مزيد الإعفاف الذي هو المقصود الأصلي من النكاح ا هـ سيد عمر

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث