الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل صيد البر محرم على المحرم

جزء التالي صفحة
السابق

( والهدي لا يذبح إلا بمكة ) لقوله تعالى { هديا بالغ الكعبة } ( ويجوز الإطعام في غيرها ( جزاء صيد المحرم بمكة ) ) خلافا للشافعي رحمه الله . هو يعتبره بالهدي والجامع التوسعة على سكان الحرم ، ونحن نقول : الهدي قربة غير معقولة فيختص بمكان أو زمان . أما الصدقة قربة معقولة في كل زمان ومكان ( والصوم يجوز في غير مكة ) ; لأنه قربة في كل مكان ( فإن ذبح الهدي بالكوفة أجزأه عن الطعام ) معناه إذا تصدق باللحم وفيه وفاء بقيمة الطعام ; لأن الإراقة لا تنوب عنه . وإذا وقع الاختيار على الهدي يهدي ما يجزيه في الأضحية [ ص: 79 ] لأن مطلق اسم الهدي منصرف إليه . وقال محمد والشافعي : يجزي صغار النعم فيها ; لأن الصحابة رضي الله عنهم أوجبوا عناقا وجفرة .

وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يجوز الصغار على وجه الإطعام : يعني إذا تصدق . وإذا وقع الاختيار على الطعام يقوم المتلف بالطعام عندنا ; لأنه هو المضمون فتعتبر قيمته ( وإذا اشترى بالقيمة طعاما تصدق على كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير ، ولا يجوز أن يطعم المسكين أقل من نصف صاع ) ; لأن [ ص: 80 ] الطعام المذكور ينصرف إلى ما هو المعهود في الشرع ( وإن اختار الصيام يقوم المقتول طعاما ثم يصوم عن كل نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير يوما ) ; لأن تقدير الصيام بالمقتول غير ممكن إذ لا قيمة للصيام فقدرناه بالطعام ، والتقدير على هذا الوجه معهود في الشرع كما في باب الفدية ( فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاع فهو مخير إن شاء تصدق به ، وإن شاء صام عنه يوما كاملا ) ; لأن الصوم أقل من يوم غير مشروع ، وكذلك إن كان الواجب دون طعام مسكين يطعم قدر الواجب أو يصوم يوما كاملا لما قلنا .

التالي السابق


( قوله : ونحن نقول إلخ ) وذلك أنه لما عين الهدي أحد الواجبات علم أنه ليس المراد مجرد التصدق باللحم وإلا لحصل التصدق بالقيمة أو بلحم يشتريه ، بل المراد التقرب بالإراقة مع التصدق بلحم القربان ، وهو تبع متمم لمقصوده فلا ينعدم الإجزاء بفواته عن ضرورة ، فلذا لو سرق بعد الإراقة أجزأه ، بخلاف ما لو سرق قبلها أو ذبح بالكوفة فسرق لا يجزيه ; لأن القربة هناك لا تحصل إلا بالتصدق لاختصاص قربة الإراقة بمكان مخصوص أعني الحرم ، ولا يتصدق بشيء من الجزاء على من لا تقبل شهادته له ويجوز على أهل الذمة والمسلم أحب ، ولو أكل من الجزاء غرم قيمة ما أكل .

( قوله : وإذا وقع الاختيار على الهدي يهدي ما يجزي في الأضحية ) حتى لو لم تبلغ قيمة المقتول إلا عناقا أو حملا كفر بالإطعام أو الصوم لا بالهدي ، ولا يتصور التكفير بالهدي إلا أن تبلغ قيمته جذعا عظيما من الضأن أو ثنيا من غيره ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد رحمه الله يكفر بالهدي وإن لم يبلغ ذلك ، ومنهم من جعل قول [ ص: 79 ] أبي يوسف كقول محمد ; لأن الصحابة أوجبوا عناقا وجفرة على ما ذكرناه من قريب . وأبو حنيفة يقول : المنصوص عليه الهدي ومطلقه في الشرع ينصرف إلى ما يبلغ ذلك السن ; لأنه المعهود من إطلاقه في هدي المتعة والقران والأضحية فيحمل عليه . وإنما يراد به غير ما ذكرنا مجازا فيتقيد جواز اعتباره بالقرينة كما لو قال ثوبي هدي لزمه الثوب لتقيد الهدي بذكره ، ولذا لو قال : إن فعلت كذا فعلي هدي لزمه شاة . ثم إذا اختار الهدي وبلغ ما يضحي به قال المصنف لا يذبح إلا بمكة ، يريد الحرم مطلقا ، ولو ذبحه في الحل لا يجزيه من الهدي بل من الإطعام فيشترط أن يعطي كل فقير قدر قيمة نصف صاع حنطة أو صاع من غيرها ، فإن كانت قيمة اللحم مثل قيمة المقتول أجزأه وإلا فيكمل ، ويجوز أن يتصدق بالشاة الواقعة هديا على مسكين واحد كما في هدي المتعة .

( قوله : وعند أبي حنيفة وأبي يوسف : يجوز الصغار على وجه الإطعام إلخ ) يتضمن جوابهما : يعني أن المنفي وقوع الصغار هديا تتعلق القربة فيه بنفسه بمجرد الإراقة لا جوازها مطلقا بل نجيزها باعتبار القيمة إطعاما فيجوز كون حكم الصحابة كان على هذا الاعتبار في الصغار ، فمجرد فعلهم ذلك حينئذ لا ينافي ما ذهب إليه فلا ينتهض عليه ، وأما صيرورة ولد الهدي هديا فللتبعية كولد الأضحية . ( قوله : عندنا ) قيد بالظرف لنفي قول محمد إنه يقوم النظير على ما ذكر ; لأنه الواجب عينا إذا كان للمقتول نظير . وقوله : ( لأنه ) راجع إلى المتلف : يعني المتلف ( هو المضمون ) فلا معنى لتقوم غيره لجبره ، ولو سلم أن النظير هو الواجب عينا عند اختيار الهدي لم يلزم منه وجوب تقويمه عند اختيار خصلة أخرى فكيف وهو ممنوع ( قوله : ولا يجوز أن يطعم المسكين أقل من نصف صاع ) ولا يمنع أن يعطيه أكثر ، ولو كان كل الطعام ، غير أنه إن فعل أجزأ عن إطعام مسكين نصف صاع وعليه أن يكمل بحسابه ويقع الباقي تطوعا ، بخلاف الشاة [ ص: 80 ] في الهدي بناء على أن أصل القربة قد حصلت بالإراقة وإطعامه تبع متمم له .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث