الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان المحرمات

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 248 ] ( والنكاح المؤقت باطل ) مثل أن يتزوج امرأة بشهادة شاهدين إلى عشرة أيام . [ ص: 249 ] وقال زفر رحمه الله : هو صحيح لازم لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة . ولنا أنه أتى بمعنى المتعة والعبرة في العقود للمعاني ، [ ص: 250 ] ولا فرق بين ما إذا طالت مدة التأقيت أو قصرت لأن التأقيت هو المعين لجهة المتعة وقد وجد

التالي السابق


( قوله وقال زفر هو جائز ) يعني النكاح الموقت هو أن يتزوج امرأة بشهادة شاهدين عشرة أيام لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة بل تبطل هي ويصح النكاح ، فصار كما إذا تزوجها على أن يطلقها بعد شهر صح وبطل الشرط . أما لو تزوج وفي نيته أن يطلقها بعد مدة نواها صح ، ولا بأس بتزوج النهاريات وهو أن يتزوجها على أن يكون عندها نهارا دون الليل ( قوله ولنا أنه أتى بمعنى المتعة والعبرة في العقود للمعاني ) ولذا لو قال جعلتك وكيلا بعد موتي انعقد وصية ، أو جعلتك وصيا في حياتي انعقد وكالة ، ولو أعطى المال مضاربة وشرط الربح للمضارب كان قرضا أو لرب المال كان بضاعة : ولا يخفى أن على ما حققناه يكون الموقت من نفس نكاح المتعة فلا يحتاج إلى غير إبداء الناسخ في دفع قول زفر . هذا ومقتضى النظر أن يترجح قوله لأن غاية الأمر أن يكون الموقت متعة وهو منسوخ ، لكن نقول : المنسوخ معنى المتعة على الوجه الذي كانت الشرعية عليه وهو ما ينتهي العقد فيه بانتهاء المدة ويتلاشى ، وأنا لا أقول به كذلك ، وإنما أقول ينعقد مؤبدا ويلغو شرط التوقيت ، فحقيقة إلغاء شرط التوقيت هو أثر النسخ .

وأقرب نظير إلى هذا نكاح الشغار وهو أن يتزوج الرجلان كل مولية الآخر على أن يكون بضع كل مهرا لمولية الآخر صح النهي عنه ، وقلنا : إذا عقد كذلك صح موجبا لمهر المثل لكل منهما ولم يلزمنا النهي لأنا لم نقل به كذلك موجبا للبضعين مهرين بل على إلغاء الشرط المذكور فلم [ ص: 250 ] يلزمنا النهي ، فقول زفر مثل هذا سواء . وأما قياسه على ما لو تزوجها على أن يطلقها بعد شهر فأصل منضم إلى أصول شتى مما اشترط فيه من النكاح شرط مخالف لمقتضى العقد . وكونه غير صحيح من حيث إنه إنما عقد مؤبدا ولذا إذا انقضت المدة لا ينتهي النكاح بل هو مستمر إلى أن يطلقها يندفع بما ذكرنا مما يوجب أن أثر التوقيت في إبطاله موقتا لا في إبطاله مطلقا . فإن قلت : فلو عقد بلفظ المتعة وأراد النكاح الصحيح المؤبد هل ينعقد أو لا ؟ وإذا لم ينعقد هل يكون من أفراد المتعة ؟ فالجواب لا ينعقد به النكاح وإن قصد به النكاح وحضره الشهود ، وليس من نكاح المتعة لأنه لم يذكر فيه توقيت بل التأبيد ، وإنما كان كذلك لأنه لا يصلح مجازا عن معنى النكاح لما في المبسوط من أنه لا يفيد ملك المتعة كالإحلال . قال : فإن من أحل لغيره طعاما أو أذن له أن يتمتع به لا يملكه وإنما يتلفه على ملك المبيح ، فكذلك إذا استعمل هذا اللفظ في موضع النكاح لا يثبت به الملك ا هـ .

يعني انتفى طريق المجاز الذي بيناه في أول كتاب النكاح ، والله سبحانه أعلم ( قوله ولا فرق بين ما إذا طالت المدة أو قصرت ) نفي لرواية الحسن عن أبي حنيفة أنهما إذا سميا مدة لا يعيشان إليها صح لتأبيده معنى . قلنا : ليس هذا تأبيدا معنى بل توقيت بمدة طويلة والمبطل هو التوقيت ، وقوله لأنه المعين لجهة المتعة يؤيد ما قدمناه من أن النكاح الموقت من أفراد المتعة . هذا وإذا انساق الكلام إلى أن الشرط الفاسد وهو اشتراط ما ليس مقتضى العقد لا يبطل النكاح بل يبطل هو ناسب أن يقرن به الكلام في اشتراط الخيار في النكاح ، فإذا تزوج على أنه بالخيار أو هي صح النكاح وبطل الخيار عندنا بناء على أن شرط الخيار كالهزل لأن الهازل قاصد للسبب غير راض بحكمه أبدا وشارط الخيار غير راض بحكمه في وقت مخصوص . فإذا لم يمنع الهزل ثبوت حكمه للحديث { ثلاث جدهن جد وهزلهن جد : النكاح ، والطلاق ، والرجعة } وقد أسلفنا تخريجه فشرط الخيار أولى أن لا يمنعه ، وإذا لم يمنع ثبوت حكمه وهو الملك من حين صدور العقد كان اشتراط الخيار شرطا فاسدا فيبطل .

وأما خيار الرؤية فحقيقته لا تتوقف على اشتراطه في موضع يثبت كالبيع ، بل إذا اشترى ما لم يره ثبت له الخيار بلا اشتراط والنكاح ينعقد بلا رؤية إجماعا فلا يتصور ثبوته فيه ، ولو فرض اشتراط خيار الفسخ إذا رآها كان شرطا فاسدا فيبطل ، وأما خيار العيب فلا يثبت لأحدهما في الآخر إذا وجد معيبا ببرص أو جذام أو رتق أو قرن أو عفل أو جنون أو مرض فالج أو غيره أيا كان عند أبي حنيفة وأبي يوسف سوى عيب الجب والعنة فيه على ما يأتي في بابه خلافا للشافعي في العيوب الخمسة القرن والرتق والجنون والجذام والبرص . ولمحمد في الثلاثة الأخيرة إذا كانت بحيث لا تطيق المقام معه حيث يثبت لها خيار الفسخ . لنا ما روي { عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للتي تزوجها فوجد بكشحها بياضا الحقي بأهلك } وهذا من كنايات الطلاق ، بل لا يبعد عده من صرائحه في عرف العرب بالاستقراء فعرف أنه لا فسخ عن عيب [ ص: 251 ] وحجتنا أيضا قول ابن مسعود : لا ترد الحرة عن عيب .

وعن علي قال : إذا وجد بامرأته شيئا من هذه العيوب فالنكاح لازم له إن شاء طلق وإن شاء أمسك . والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم ، فعن عمر أنه أثبت الخيار ، وحمله على خيار الطلاق بعيد فإن ذلك ثابت لا يحتاج إلى نقل إثبات عمر إياه ، وقول محمد أرجح فيما يظهر ، فإن ما ذكرنا من طريق التخلص بالطلاق وما أفادته هذه الدلائل إنما هو في تخلص الرجل ، فأما المرأة فلا تقدر عليه وهي محتاجة إلى التخلص ومأمورة بالفرار قال صلى الله عليه وسلم { فر من المجذوم فرارك من الأسد } والكلام في المسألة طويل الذيل في المبسوط وغيره يحتمل أنظارا لسنا بصددها إذ ليست من مسائل الكتاب بل المقصود تتميم الفائدة بالفروع المناسبة ، وكذا لو شرط أحد الزوجين على الآخر السلامة من تلك العيوب أو من العمى والشلل والزمانة أو شرط صفة الجمال فوجد بخلاف ذلك لا خيار له في الفسخ . ومن هذا وكثيرا ما يقع لو تزوجها بشرط أنها بكر فإذا هي ثيب فلا خيار له ، بل إن شاء طلق ، وتثبت أحكام الطلاق قبل الدخول أو بعده .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث