الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب زكاة النبات

المراد به هنا الاسم بمعنى النابت لا المصدر .

وينقسم إلى شجر ، وهو ما له ساق وإلى نجم وهو ما لا ساق له كالزرع ، والزكاة تجب في النوعين ، ولذلك عبر بالنبات لشموله لهما ، لكن المصنف في نكت التنبيه ذكر أن استعمال النبات في الثمار غير مألوف .

والأصل في الباب قبل الإجماع مع ما يأتي { وآتوا حقه يوم [ ص: 70 ] حصاده } وقوله تعالى { أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض } فأوجب الإنفاق مما أخرجته الأرض وهو الزكاة ; لأنه لا حق فيما أخرجه غيرها ( تختص بالقوت ) ; لأن الاقتيات من الضروريات التي لا حياة بدونها ، فلذا أوجب الشارع منه شيئا لأرباب الضرورات خرج به ما يؤكل تداويا أو تنعما أو تأدما كالزيتون والزعفران والورس وعسل النحل والقرطم وحب الفجل والسمسم والبطيخ والكمثرى والرمان وغيرها كما يأتي بعض ذلك ( وهو من الثمار الرطب والعنب ) بالإجماع ( ومن الحب الحنطة والشعير ) بفتح الشين ويقال بكسرها ( والأرز ) بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي في أشهر اللغات السبع ( والعدس ) بفتح الدال ومثله البسلا ( وسائر المقتات اختيارا ) كالحمص والباقلا والذرة والهرطبان وهو الجلبان والماش وهو نوع منه ، فتجب الزكاة في جميع ذلك لورودها في بعضه في الأخبار الآتية وإلحاقا لباقيها به ، وثبت أيضا انتفاؤها في بعض ما لا يصلح للاقتيات فألحقنا الباقي به ، وأما { قوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري ومعاذ لما بعثهما إلى اليمن } فيما رواه الحاكم وصحح إسناده { لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة : الشعير والحنطة والتمر والزبيب } فالحصر فيه إضافي لما رواه الحاكم ، وصحح إسناده من قوله صلى الله عليه وسلم { فيما سقت السماء والسيل والبعل العشر ، وفيما سقي بالنضح نصف العشر } وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب ، فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقضب بسكون المعجمة الرطب بسكون الطاء وخرج بالاختيار ما يقتات به حال الضرورة من حبوب البوادي كحب الغاسول والحنظل فلا زكاة فيها كما لا زكاة في الوحشيات من الظباء ونحوها وعبر في التنبيه بدل هذا القيد بما يستنبته الآدميون .

قال في المجموع : قال أصحابنا وقولهم بما ينبته الآدميون ليس المراد به أن تقصد زراعته ، وإنما المراد أن يكون جنس ما يزرعونه حتى لو سقط الحب من يد مالكه عند حمل الغلة ، أو وقعت العصافير على السنابل فتناثر الحب ونبت وجبت الزكاة إذا بلغ نصابا بلا خلاف اتفق عليه الأصحاب ، ويستثنى من إطلاق المصنف ما لو حمل السيل حبا تجب فيه الزكاة من دار الحرب فنبت بأرضنا [ ص: 71 ] فإنه لا زكاة فيه كالنخل المباح بالصحراء ، وكذا ثمار البستان ، وغلة القرية الموقوفين على المساجد والربط والقناطر والفقراء والمساكين لا تجب فيها الزكاة على الصحيح إذ ليس له مالك معين ، ولو أخذ الخراج الإمام على أن يكون بدلا عن العشر كان كأخذه القيمة في الزكاة بالاجتهاد فيسقط به الفرض ، وإن نقص عن الواجب تممه ( وفي القديم تجب في الزيتون ) لقول عمر رضي الله عنه : في الزيتون العشر ، وقول الصحابي حجة في القديم فلذلك أوجبه لكن الأثر ضعيف ( و ) في ( الزعفران و ) في ( الورس ) لاشتراكهما في المنفعة ولأثر ضعيف في الزعفران وألحق به الورس وهو بفتح فسكون نبت أصفر يصبغ به الثياب وهو كثير باليمن ( و ) في ( القرطم ) [ ص: 72 ] وهو بكسر القاف والطاء وضمهما حب العصفر ; لأن أبيا كان يأخذ العشر منه ( و ) في ( العسل ) سواء كان نحله مملوكا أم أخذ من الأمكنة المباحة ، كذا قيده شارح وأطلقه غيره ، ولعل الأول لكون القديم لا يوجبه في عسل غيره ، وذلك لخبر أنه صلى الله عليه وسلم أخذ منه العشر ، لكن قال البخاري والترمذي : لا يصح في زكاته شيء

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( باب زكاة النبات )

( قوله : والزكاة تجب في النوعين ) أي في ثمرهما على ما يأتي ( قوله : غير مألوف ) أي والمعروف تخصيصه بالزرع ، ولا يرد هذا على المصنف ; لأنه لم يعبر بالثمار بل بالنبات وهو شامل للشجر والزرع ، وغايته أنه على [ ص: 70 ] تقدير مضاف : أي ثمر كل منهما ، فإن كان المراد أنه لا يطلق النبات على الشجر ، وإنما يطلق على الزرع اتضح الإيراد ( قوله : وهو ) أي القوت ( قوله : وهو من الثمار ) وقدمه لقلة الكلام عليه ( قوله : والأرز بفتح الهمزة إلخ ) ، الثانية كذلك إلا أن الهمزة مضمومة أيضا ، الثالثة ضمهما وتخفيف الزاي على وزن كتب ، الرابعة بضم الهمزة وسكون الراء كوزن قفل ، الخامسة حذف الهمزة وتشديد الزاي ، السادسة رنز أعني بنون بين الراء والزاي ، السابعة فتح الهمزة مع تخفيف الزاي على وزن عضد ا هـ س كذا بهامش دم بخط شيخ الإسلام ( قوله : وهو الجلبان ) بضم الجيم ا هـ شرح روض ( قوله : فالحصر فيه إضافي ) أي بالنسبة لأهل اليمن ا هـ شيخنا الزيادي ( قوله : والبعل العشر ) بالجر عطف على ما من قوله فيما ( قوله : وإنما يكون ذلك في الثمر ) مدرج من الراوي تفسير للمراد من الحديث ( قوله : وخرج بالاختيار ما يقتات به ) الأولى إسقاطها ; لأن الذي يتعدى بالباء على ما يفهم من المختار تفوت ( قوله حال الضرورة ) قال حج : ضبطه جمع بكل ما لا يستنبته الآدميون ، لأن من لازم عدم استنباتهم له عدم اقتياتهم به اختيار : أي ولا عكس إذ الحلبة تستنبت اختيارا ، ولا تقتات كذلك ( قوله : كحب الغاسول ) وهو الأشنان ا هـ حج ، وفيه أنهم فسروه في محل آخر بأن الأشنان حلفاء مكة ، وبأنه نبت طيب الرائحة يغسل به اللهم إلا أن يقال إنه مشترك ( قوله : فنبت بأرضنا ) أي في محل ليس مملوكا لأحد كالموات ، وقوله وغلة القرية إلخ ، أي والحال [ ص: 71 ] أن الغلة حصلت من حب مباح أو يذره الناظر من غلة الوقف ، أما لو استأجر شخص الأرض وبذر فيها حبا يملكه فالزرع ملك صاحب البذر وعليه زكاته ، وليس من المعين الوقف على إمام المسجد على المعتمد فلا تجب عليه زكاة .

قال حج بعد مثل ما ذكر : وأفتى بعضهم بأن الموقوف المصروف لأقرباء الواقف فيما يأتي كالوقف على معين وفيه نظر ، بل الوجه خلافه أيضا ; لأن الواقف لم يقصدهم ، وإنما الصرف إليهم حكم الشرع ، ومن ثم لا زكاة فيما جعل نذرا أو أضحية أو صدقة قبل وجوبها ولو نذرا معلقا بصفة حصلت قبله كإن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بثمر نخلي فشفي قبل بدو صلاحه فإن بدا قبل الشفاء ، فإن قلنا : إن النذر المعلق يمنع التصرف قبل وجود المعلق عليه لم تجب وإلا وجب عليه ا هـ .

وفيه لو وقف على أولاد زيد وجبت فيه الزكاة ; لأنه معين صح ، وعليه فما الفرق بين هذه الصورة وبين قوله السابق لأقرباء الواقف ، ولعله أن صورة أقرباء الواقف أنه وقف على غيرهم وقفا منقطع الآخر فانقطع الموقوف عليهم وانتقل الحق إلى أقرب رحم الواقف ، ويدل على هذا قوله بأن الموقوف المصروف لأقرباء إلخ ، ولم يقل الوقف على أقرباء الواقف وتعليله بقوله ; لأن الواقف لم يقصدهم ، وإنما الصرف إلخ ، وما الواقف على أولاد زيد فإنهم عينهم في وقفه فهم مقصودون بالوقف منه دون غيره فاستحقاقهم بتعيين الواقف لهم ( قوله : فإنه لا زكاة فيه ) ظاهره أن من قصد تملكه ملك جميعه فلينظر وجه ذلك وهلا جعل غنيمة أو فيئا ، بل لا ينبغي إلا أن يكون غنيمة إن وجد استيلاء عليه أو جعلنا القصد استيلاء عليه ، وهو بعيد خصوصا إن نبت في غير أرضه ا هـ سم على حج .

أقول : ينبغي أن يقال : إن كان هذا مما يعرض عنه ملكه من نبت في أرضه بلا قصد ، فإن نبت في موات ملكه من استولى عليه كالحطب ونحوه ، وإن كان مما لا يعرض عنه لكن تركوه خوفا من دخولهم بلادنا فهو فيء ، وإن قصدوه فمنعوه بقتال فهو غنيمة لمن منعهم ( قوله إذ ليس له مالك معين ) أفهم أنه لو كان له مالك معين وجبت الزكاة وبه صرح سم على منهج وعبارته بعد مثل ما ذكر بخلاف المعينين كما سبق في الخلطة ا هـ ( قوله كأخذه القيمة إلخ ) أو ظلما لم يجز عنها ، وإن نواها المالك وعلم الإمام بذلك ا هـ حج ( قوله : فيسقط به الفرض ) أي وتقوم نية الإمام مقام نية المالك كالممتنع ، وليس منه ما يأخذه الملتزمون بالبلاد من غلة أو دراهم ; لأنهم ليسوا نائبين عن الإمام في قبض الزكاة ، ولا يقصدون بالمأخوذ الزكاة بل يجعلونه في مقابلة تعبهم في البلاد ونحوه .

[ تنبيه ] أخذ الزركشي من كلامهم أن أرض مصر ليست خراجية ، ثم نقل عن بعض الحنابلة أنه أنكر إفتاء حنفي بعدم وجوب زكاتها لكونها خراجية ، فإن شرط الخراجية أن من عليه الخراج يملكها ملكا تاما ، وهي ليست كذلك فتجب الزكاة : أي حتى على قواعد الحنفية .

وأجيب بأنه بنى ذلك على ما أجمع عليه الحنفية أنها فتحت [ ص: 72 ] عنوة ، وأن عمر وضع على رءوس أهلها الجزية وأرضها الخراج ، وقد أجمع المسلمون على أن الخراج بعد توظيفه لا يسقط بالإسلام ، ويأتي قبيل الأمان ما يرد جزمهم بفتحها عنوة ، وصرح أئمتنا بأن النواحي التي يؤخذ الخراج من أرضها ولا يعلم أصله يحكم بجواز أخذه ; لأن الظاهر أنه بحق ، ويملك أهلها فلهم التصرف فيها بالبيع وغيره ; لأن الظاهر في اليد الملك ، وحينئذ فالوجه أن إلخ ما سنذكر ( قوله : سواء أكان نحله مملوكا إلخ ) هذا لا ينافي قوله ولعل الأول ، وعبارة حج : والعسل من النحل كذا قيده شارح إلخ وهي أوضح من عبارة الشارح ( قوله : أم أخذ من الأمكنة المباحة ) انظر وجهه على هذا



حاشية المغربي

[ ص: 67 - 69 ] باب زكاة النبات ( قوله [ ص: 70 ] وعبر في التنبيه يدل هذا القيد ) أي قيد الاختيار والصورة أنه مقتات [ ص: 71 ] قوله : لكن الأثر ضعيف ) لا حاجة إليه على الجديد [ ص: 72 ] قوله : كذا قيده الشارح ) أي بالنحل



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث