الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شرط وجوب زكاة التجارة

جزء التالي صفحة
السابق

( وواجبها ) أي التجارة ( ربع عشر القيمة ) أما أنه ربع العشر فكما في النقدين ; لأنها تقوم بهما ، وأما أنه من القيمة فلأنها متعلقة كما دل عليه خبر حماس فلا يجوز إخراجه من العرض ( فإن ) ( ملك ) العرض ( بنقد ) ( قوم به إن ملك بنصاب ) وإن لم يكن ذلك النقد غالبا ولو أبطله السلطان كما اقتضاه إطلاقه ، إذ هو أصل ما بيده فكان أولى به من غيره ( وكذا ) إن ملك بنقد ( دونه ) أي النصاب فإنه يقوم به ( في الأصح ) لأنه أصله .

والثاني يقوم بغالب نقد البلد كما لو اشتري بعرض ، ومحل الخلاف ما إذا لم يملك بقية النصاب من ذلك النقد ، فإن ملكه قوم به قطعا ; لأنه اشترى ببعض ما انعقد عليه الحول ، وابتداء الحول من وقت ملك الدراهم كما قاله الرافعي ( أو ) ملك العرض ( بعرض ) للقنية أو بخلع أو نكاح أو صلح عن نحو دم ( فبغالب نقد البلد ) أي بلد حولان الحول كما قاله الماوردي وهو الأصح جريا على قاعدة التقويم إذا تعذر التقويم بالأصل ، فلو حال الحول عليه بمحل لا نقد فيه اعتبر أقرب البلاد إليه ، ولو ملك بدين في ذمة البائع أو بنحو سبائك قوم بجنسه من النقد كما في الكفاية ( فإن ) ( غلب نقدان ) على التساوي ( وبلغ ) مال التجارة ( بأحدهما ) دون الآخر ( نصابا ) ( قوم به ) لتحقق تمام النصاب بأحد النقدين ، وبهذا فارق ما مر من أنه لو تم النصاب في ميزان دون آخر فلا زكاة ( فإن بلغ ) نصابا ( بهما ) أي بكل منهما ( قوم بالأنفع ) منهما ( للفقراء ) أي للمستحقين لها رعاية لهم كما في اجتماع الحقاق وبنات اللبون ، ونقل تصحيح ذلك الرافعي عن مقتضى إيراد الإمام والبغوي ( وقيل يتخير المالك ) فيقوم بأيهما شاء كما في شاتي الجبران ودراهمه ، وهذا ما صححه في أصل الروضة ، ونقل الرافعي تصحيحه عن العراقيين والروياني .

قال في المهمات : وعليه الأكثر فلتكن الفتوى عليه ، وجرى عليه الأذرعي وهو المعتمد ، ويفرق بين هذه وبين اجتماع الحقاق وبنات [ ص: 107 ] اللبون بأن تعلق الزكاة بالعين أشد من تعلقها بالقيمة فلم يجب التقويم بالأنفع كما لا يجب على المالك الشراء بالأنفع ليقوم به عند آخر الحول ( وإن ملك بنقد وعرض ) كأن اشترى بمائتي درهم وعرض قنية ( قوم مقابل النقد به والباقي بالغالب ) من نقد البلد ; لأن كلا منهما لو انفرد كان حكمه كذلك فكذا إذا اجتمعا ، وهكذا إذا اشترى بجنس واحد مختلف الصفة كالصحاح والكسرة إذا تفاوتا ( وتجب فطرة عبيد التجارة مع زكاتها ) أي التجارة ; لأنهما يجبان بسببين مختلفين فلا يتداخلان كالقيمة والكفارة في العبد المقتول والقيمة والجزاء في الصيد المملوك إذا قتله المحرم ( ولو كان العرض سائمة ) أو غيرها مما تجب الزكاة في عينه كثمر ( فإن ) ( كمل ) بتثليث الميم ( نصاب إحدى الزكاتين فقط ) أي من عين وتجارة دون نصاب الأخرى كأربعين شاة لا تبلغ قيمتها نصابا آخر الحول أو تسع وثلاثين فأقل قيمتها نصاب ( وجبت ) زكاة ما كمل نصابه لوجود سببها من غير معارض ( أو ) كمل ( نصابهما ) كأربعين شاة قيمتها نصاب .

( فزكاة العين ) تجب ( في الجديد ) وتقدم على زكاة التجارة ; لأنها وجبت بالنص والإجماع ولهذا يكفر جاحدها ، وزكاة التجارة مختلف فيها ، ووجبت بالاجتهاد ولهذا لا يكفر جاحدها ، ولأن زكاة العين تتعلق بالرقبة وتلك بالقيمة فقدم ما يتعلق بالرقبة كالمرهون إذا جنى ، وقد علم أنه لا تجتمع الزكاتان ، ولو كان مع ما فيه زكاة عين ما لا زكاة في عينه كأن اشترى شجرا للتجارة فبدا صلاح ثمره قبل حوله وجب مع تقديم زكاة العين عن الثمر زكاة التجارة عند تمام حوله ، ولو اشترى نقدا بنقد انقطع حوله وإن كان للتجارة وقصد به الفرار من الزكاة ( فعلى هذا ) أي الجديد ( لو ) ( سبق حول ) زكاة ( التجارة ) حول زكاة العين ( بأن اشترى بمالها بعد ستة أشهر نصاب سائمة ) ولم يقصد به القنية أو اشترى به معلوفة ، ثم أسامها بعد ستة أشهر ( فالأصح وجوب زكاة [ ص: 108 ] التجارة لتمام حولها ) ولئلا يبطل بعض حولها ولوجوب الموجب بلا معارض له ( ثم يفتتح ) من تمامه ( حولا لزكاة العين أبدا ) أي فتجب في بقية الحول وما مضى من السوم في بقية الحول الأول غير معتبر ، والثاني يبطل حول التجارة وتجب زكاة العين لتمام حولها من الشراء ولكل حول بعده .

( وإذا قلنا عامل القراض لا يملك الربح ) المشروط له ( بالظهور ) وهو الأصح بل بالقسمة كما سيأتي في بابه ( فعلى المالك ) عند تمام الحول ( زكاة الجميع ) ربحا ورأس مال ; لأن الجميع ملكه ( فإن أخرجها ) من مال آخر فذاك ظاهر ( أو من ) عين ( مال القراض حسبت من الربح في الأصح ) ولا يجعل إخراجها كاسترداد المالك جزءا من المال تنزيلا لها منزلة المؤن التي تلزم المال من أجرة الدلال والكيال وفطرة عبيد التجارة وجناياتهم .

والثاني تحسب من رأس المال ; لأن الوجوب على من له المال ( وإن قلنا يملكه ) أي العامل المشروط له ( بالظهور لزم المالك زكاة رأس المال وحصته من الربح ) ; لأنه مالك لهما ( والمذهب ) على قول الملك بالظهور ( أنه يلزم العامل زكاة حصته ) من الربح ; لأنه متمكن من التوصل إليه متى شاء بالقسمة فأشبه الدين الحال على مليء ، وعلى هذا فابتداء حول حصته من وقت الظهور ، ولا يجب عليه إخراجها قبل القسمة وله أن يستبد بإخراجها من مال القراض .

والثاني لا يلزمه لأنه غير متمكن من كمال التصرف فيها ، ولو باع عرض التجارة قبل إخراج زكاتها وإن كان بعد وجوبها أو باعه بعرض قنية صح إذ متعلق زكاته القيمة وهي لا تفوت بالبيع ، ولو أعتق عبيد التجارة أو وهبه فكبيع الماشية بعد وجوب الزكاة فيها ; لأنهما يبطلان متعلق زكاة التجارة كما أن البيع يبطل متعلق العين ، وكذا لو جعله صداقا أو صلحا عن دم أو نحوهما ; لأن مقابله ليس مالا ، فإن باعه محاباة فقدرها كالموهوب فيبطل فيما قيمته قدر الزكاة من ذلك في ذلك القدر ويصح في الباقي تفريقا للصفقة .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

[ ص: 106 ] قوله : كما دل عليه خبر حماس ) بكسر أوله وتخفيف ثانيه وآخره سين مهملة ا هـ إصابة ( قوله : فإن ملك بنقد قوم به ) قال ابن الأستاذ : وينبغي للتاجر أن يبادر إلى تقويم ماله بعدلين ويمتنع واحد كجزاء الصيد ، ولا يجوز تصرفه قبل ذلك إذ قد يحصل نقص فلا يدري ما يخرجه حج .

قيل ويتجه من تردد له أنه لا يجوز أن يكون هو أحد العدلين ، وإن قلنا بجوازه في جزاء الصيد ، ويفرق بأن الفقهاء أشاروا ثم إلى ما يضبط المثلية فيبعد اتهامه فيها ولا كذلك هنا إذ القيم لا ضابط لها ا هـ .

ثم المعتبر في تقويم العدلين النظر إلى ما يرغب : أي في الأخذ به ا هـ سم على بهجة ، لكن عبارة حج هنا : ويظهر الاكتفاء بتقويم المالك الثقة العارف وللساعي تصديقه نظير ما مر في عد الماشية .

أقول وقد يفرق بأن متعلق العد متعين يبعد الخطأ فيه ، بخلاف التقويم فإنه يرجع لاجتهاد المقوم وهو مظنة للخطأ فالتهمة فيه أقوى ، ومن ثم لم يكتف بخرصه للثمر بل لو لم يوجد خارص من جهة الإمام حكم عدلين يخرصانه له كما مر ، وقوله ثم المعتبر في تقويم العدلين النظر إلى ما يرغب : أي في الأخذ به في مثل ذلك العرض حالا ، فإذا فرض أنها ألف ، وكان التاجر إذا باعه على ما جرت به عادته مفرقا في أوقات كثيرة بلغ ألفين مثلا اعتبر ما يرغب به فيه في الحال لا ما يبيع به التاجر على الوجه السابق ، لأن الزيادة المفروضة إنما حصلت من تصرفه بالتفريق لا من حيث كون الألفين قيمته ( قوله : أي بلد حولان الحول ) والعبرة بالبلد الذي فيه المال وقت حولان الحول لا الذي فيه المالك ذلك الوقت ، وعبارة سم على بهجة : قوله من نقد البلد : أي بلد الإخراج كما قاله الماوردي وجزم به في العباب : أي وبلد الإخراج من بلد المال كما هو معلوم من عدم جواز نقل الزكاة .

( قوله : فلو حال الحول عليه ) أي المال ( قوله بدين في ذمة البائع ) كأنه كان له آخر دين فاشترى به منه عرضا بنية التجارة ( قوله : قوم بالأنفع للفقراء ) ضعيف ( قوله : وقيل يتخير المالك ) معتمد [ ص: 107 ] قوله : قوم ما قابل النقد به والباقي بالغالب ) وذلك ظاهر إن اشترى كلا في عقد أو اشتراهما في عقد واحد وفصل الثمن ، وإلا قوم ما قابل النقد به والباقي بالغالب أو ما قابل أحد النقدين به والباقي بالآخر بنسبة التقسيط .

قال سم على بهجة : فلو جهلت النسبة فلا يبعد أن يحكم باستوائهما ، ولو علم أن أحدهما أكثر ، وجهل عينه فلا يبعد أن يتعين في براءة ذمته أن يقرض الأكثر من كل منهما ، وهل له التأخير إلى التذكر إن ربى ؟ أقول : لا يبعد أن له ذلك بل قياس ما تقدم عن الدميري أنه يكفي غلبة الظن ( قوله : فبدأ صلاح ثمره قبل حوله ) وكذا لو بدا صلاحه بعد تمام حوله وهو ظاهر إن تم نصاب كل منهما ، فإن تم نصاب العين دون الشجرة فهل تسقط زكاة الشجر لعدم تمام نصابه أو يضم الشجر إلى الثمر ويقوم الجميع ويخرج زكاته ويسقط زكاة العين ؟ فيه نظر ، والأقرب أخذا من إطلاقهم وجوب زكاة العين إذا تم نصابها الأول لعدم تمام انتصاب

( قوله : عند تمام حوله ) أي إن بلغ نصابا وليس فيه وجوب زكاتين ; لأن ما وجب في الثمر متعلق بعينه ويخرج منه وما وجب في الشجر يتعلق بقيمته خاليا عن الثمر .

وفي سم على حج : وخرج بقول شرح المنهج كغيره فبدا قبل حوله إلخ ما لو تم حول التجارة قبل بدو الصلاح فيخرج كما هو ظاهر زكاة الجميع للتجارة ، وحينئذ فإذا بدا الصلاح بعد الإخراج ولو بيوم وجبت حينئذ كما هو ظاهر زكاة العين في الثمر فليتأمل ا هـ . وعليه فقد يقال : وجوب الزكاة في الثمر على هذا الوجه يلزمه اجتماع زكاتين في مال واحد ; لأنه زكى الثمرة عند تمام الحول لدخولها في التقويم وزكى عينها بعد بدو الصلاح [ ص: 108 ]

فتكرر به زكاتها ، اللهم إلا أن يقال : لما اختلف الوقت والجهة نزل منزلة مالين ( قوله أي فتجب في بقية الحول ) الأولى في تمام الحول إلخ ، وعبارة حج : أي في سائر الأحوال وما مضى إلخ وهي ظاهرة .

( قوله : فذاك ظاهر ) أي ولا رجوع له على العامل ( قوله : وإن قلنا يملكه بالظهور ) ضعيف ( قوله قبل إخراج زكاتها ) أي وبعد حولان الحول كما هو ظاهر من قوله إخراج زكاتها ( قوله : وهي لا تفوت بالبيع ) أي فيطالب البائع بها ( قوله ولو أعتق عبد التجارة ) أي بعد حولان الحول أيضا ( قوله : فيبطل فيما قيمته إلخ ) راجع إلى قوله ولو أعتق عبد التجارة ، وينبغي أن يقال : القياس أنه ينفذ الإعتاق في كل العبد ; لأنه وإن بطل الإعتاق في قدر حق الفقراء لكنه يسري مما أعتقه هو إلى باقيه حيث كان موسرا به ( قوله : ويصح في الباقي ) أي ويتعلق حق المستحقين بما بطل فيه التصرف ، ومع ذلك لا ينقطع تعلق المالك به ; لأنه مخاطب بالإخراج ، فإن دفع بعد ذلك الواجب للمستحقين من غير مال التجارة تصرف في باقيه ، وإلا فللإمام التعلق بما بقي لأنه حق الفقراء .



حاشية المغربي

[ ص: 106 - 107 ] قوله : كان اشترى بمائتي درهم وعرض قنية ) أي معلوم القيمة كما هو ظاهر حتى يتأتى التوزيع المذكور ، وانظر ما الحال لو كان العرض مجهول القيمة [ ص: 108 ]

( قوله : ولئلا يبطل بعض حولها ) إثبات الواو هنا يفيد أن اللام في قول المصنف لتمام حولها للعلة ، وهو فاسد كما لا يخفى بل هي بمعنى عند ، فالصواب حذف الواو كما في التحفة ولعلها من النساخ ( قوله أي فتجب في بقية الحول ) يتأمل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث