الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شروط وجوب الحج والعمرة

جزء التالي صفحة
السابق

( وشرط ) أي وشروط ( وجوبه ) أي ما ذكر من حج أو عمرة ( الإسلام والتكليف والحرية والاستطاعة ) إجماعا ، وقال تعالى { من [ ص: 242 ] استطاع إليه سبيلا } فلا يجب على كافر أصلي وجوب مطالبة بهما في الدنيا حتى لو أسلم وهو معسر بعد استطاعته في الكفر فإنه لا أثر لها ، بخلاف المرتد فإن النسك يستقر في ذمته باستطاعته في الردة ، ولا على غير مكلف كبقية العبادات ، ولا على من فيه رق ; لأن منافعه مستحقة فهو غير مستطيع ولا على غير المستطيع لمفهوم الآية ( وهي ) أي الاستطاعة ( نوعان : أحدهما استطاعة مباشرة ) لحج أو عمرة بنفسه ( ولها شروط ) سبعة يؤخذ غالبها من كلامه ، وقد عد أربعة منها فقال ( أحدها وجود الزاد ) الذي يكفيه ولو من أهل الحرم ( وأوعيته ) ولو سفرة إذا احتاج لذلك ( ومؤنة ) أي كلفة ( ذهابه ) لمكة ( وإيابه ) أي رجوعه منها إلى محله وإن لم يكن له فيه أهل وعشيرة ( وقيل إن لم يكن له ببلده ) بهاء الضمير ( أهل ) أي من تلزمه مؤنته كزوجة وقريب ( وعشيرة ) أي أقارب ، ولو من جهة الأم : أي إن لم يكن له واحد منهما ( لم يشترط ) في حقه ( نفقة الإياب ) المذكورة من الزاد وغيره إذ المحال كلها في حقه سواء ، والأصح الأول لما في الغربة من الوحشة ، والوجهان جاريان أيضا في الراحلة للرجوع ، والمؤنة تشمل الزاد وأوعيته فذكرها بعدهما من عطف العام على بعض أفراده ، ومحل الخلاف عند عدم مسكن له ببلده ووجد في الحجاز حرفة تقوم بمؤنته وإلا اشترطت مؤنة الإياب جزما ، ولم يتعرضوا للمعارف والأصدقاء لتيسر استبدالهم قاله الرافعي ( فلو ) لم يجد ما ذكر ولكن ( كان يكسب ) في سفره ( ما يفي بزاده ) أي بمؤنته ( وسفره طويل ) مرحلتان فأكثر ( لم يكلف الحج ) وإن كان يكسب في يوم كفاية أيام لاحتمال انقطاع كسبه لعارض مرض ونحوه ، وعلى تقدير عدم انقطاعه فالجمع بين تعب السفر والكسب فيه مشقة عظيمة ( وإن قصر ) السفر كان بمكة أو على دون مرحلتين ( وهو يكسب في يوم كفاية أيام ) أي أيام الحج ( كلف ) الحج بأن يخرج له حينئذ [ ص: 243 ] لاستغنائه بكسبه ، بخلاف ما إذا كان يكسب كفاية يوم بيوم لانقطاعه عن الكسب أيام الحج . وبحث الأذرعي أخذا من التعليل السابق أنه لا بد أن يتيسر له الكسب في أول يوم من خروجه ، والإسنوي أنه لو كان يقدر في الحضر على أن يكسب في يوم ما يكفيه له وللحج لزمه إن قصر السفر ; لأنهم إذا ألزموه به في السفر ففي الحضر أولى وكذا إن طال لانتفاء المحذور ، ويرد بأن كسبه في الحضر تحصيل لسبب الوجوب وهو غير واجب كما يأتي فلا يكلف الكسب في الحضر مطلقا ، ويفرق بينه وبين من يقدر على الكسب في السفر بأن ذلك يعد مستطيعا في السفر قبل الشروع فيه ولو قبل تحصيل الكسب ، وهذا لا يعد مستطيعا له إلا بعد حصول الكسب ; لأن الفرض أنه لا يقدر على الكسب في السفر فلا يجب عليه تحصيله لما مر ، وأيضا ; فلأنه إذا لم يجب عليه الكسب لإيفاء حق الآدمي فلأن لا يجب لإيفاء حق الله تعالى أولى .

وقد نقل الخوارزمي الإجماع على عدم وجوب اكتساب الزاد والراحلة : وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين الحضر والسفر الطويل والقصير ، وهو كذلك إلا فيما إذا قصر السفر وكان يكسب في يوم كفاية أيام كما مر ، وأيام الحج ستة إذ هي من زوال سابع الحجة إلى زوال ثالث عشره ، وقول المجموع إنها سبعة مع تحديده بذلك فيه اعتبار الطرفين ، واستنبط الإسنوي من التعليل بانقطاعه عن الكسب أيام الحج أنها من خروج الناس غالبا وهو من أول الثامن إلى آخر الثالث عشر وهذا في حق من لم ينفر النفر الأول ، وما ادعاه في الإسعاد من كون تقديرها بثلاثة أيام كما قاله ابن النقيب أقرب ; لأن تحصيل أعمال الحج تمتعا وإفرادا ممكن في ثلاثة أيام ، والمراد بالأعمال الأركان ورمي جمرة العقبة ; لأن له مدخلا في التحلل من الحج ، والقارن يمكنه تحصيل أعمالهما في يوم عرفة ويوم النحر فيه نظر ، والأقرب ما قاله الإسنوي ; لأن الغالب أن المكتسب في هذه الأيام الستة لا يجد من يستعمله ، ولأن إلزام الكسب له يوم الثامن يفوت عليه سننا كثيرة ، وفي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر إن لم ينفر يفوت عليه أيضا الرمي في الوقت الفاضل وتحصيل سننه الكثيرة التي يفوت فيها نحو ثلث النهار فكان اعتبار الستة أولى ، ويظهر في العمرة الاكتفاء بما يسع أفعالها غالبا وهو نحو ثلثي يوم .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : فلا يجب ) أي ما ذكر من الحج والعمرة ( قوله : ولا على من فيه رق ) أورد عليه أنه يدخل فيه المبعض ، وقد يكون بينه وبين سيده مهايأة ونوبة المبعض فيها تسع الحج فلا يتم قوله لأن منافعه مستحقة إلخ ، لأن السيد لا يستحق منافعه في نوبة الحرية كذا بهامش عن شيخنا الحلبي .

أقول : وقد يجاب بأن المهايأة لا تلزم بل لأحد المتهايئين الرجوع ولو بعد استيفاء الآخر ويغرم له حصة ما استوفاه من المنفعة ، وعليه فمجرد المهايأة لا تفوت استحقاق المنفعة بل يجوز رجوع السيد بعد استيفاء حصته ويمنع المبعض من استقلاله بالكسب في حصته ( قوله : ولها شروط سبعة ) ظاهره بل صريحه كسائر كلامهم أنه لا عبرة بقدرة ولي على الوصول إلى مكة وعرفة في لحظة كرامة ، وإنما العبرة بالأمر الظاهر العادي ، فلا يخاطب ذلك الولي بالوجوب إلا إن قدر كالعادة ، ثم رأيت ما يصرح بذلك وهو ما سأذكره أواخر الرهن أنه لا بد في قبضه من الإمكان العادي . نص عليه .

قال القاضي أبو الطيب : وهذا يدل على أنه لا يحكم بما يمكن من كرامات الأولياء . ا هـ حج .

وعبارة سم على منهج : قوله ولا فرض على غير المستطيع لو كان هذا من أرباب الخطوة فاختار شيخنا الطبلاوي وجوب الحج عليه ا هـ .

والأقرب ما قاله حج ( قوله : على بعض أفراده ) قال حج رحمه الله : وحكمة ذكر الخاص وروده في الخبر الذي صححه جمع وضعفه آخرون { أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن السبيل في الآية فقال : الزاد والراحلة } .

[ فرع استطرادي ] وقع السؤال عما يقع كثيرا في مخاطبات الناس بعضهم لبعض من قولهم لمن لم يحج يا حاج فلان تعظيما له هل هو حرام أو لا ؟ والجواب عنه أن الظاهر الحرمة لأنه كذب ، إن معنى يا حاج : يامن أتى بالنسك على الوجه المخصوص .

نعم إن أراد بيا حاج المعنى اللغوي وقصد به معنى صحيحا ، كأن أراد بيا حاج يا قاصد التوجه إلى كذا كالجماعة أو غيرها فلا حرمة ( قوله وهو يكسب في يوم كفاية أيام ) أي كسبا لائقا به لأن في تعاطيه غير

[ ص: 243 ] اللائق به عارا وذلا شديدا أخذا مما قالوه في النفقات من أنه لو كان يكتسب بغير لائق به كان لزوجته الفسخ بذلك ( قوله : في أول يوم من خروجه ) هو المعتمد ( قوله في الحضر مطلقا ) أي قصر السفر أو طال



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث