الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) في التفويض

وهو لغة : رد الأمر للغير وشرعا : إما تفويض بضع وهو إخلاء النكاح عن المهر وإما تفويض مهر كزوجني بما شئت أو شاء فلان ، والمراد هنا هو الأول ، وتسمى مفوضة بالكسر وهو واضح وبالفتح

[ ص: 347 ] وهو أفصح لأن الولي فوض أمرها إلى زوجها : أي جعل له دخلا في إيجابه بفرضه الآتي .

وكان قياسه وإلى الحاكم لكن لما كان كنائبه لم يحتج إلى ذكره إذا

( قالت رشيدة ) بكر أو ثيب أو سفيهة مهملة كما علم من كلامه في الحجر لوليها

( زوجني بلا مهر ) أو على أن لا مهر لي

( فزوج ونفى المهر أو سكت ) عنه أو زوج بدون مهر المثل أو بغير نقد البلد أو بمؤجل

( فهو تفويض صحيح ) كما علم من حده وسيأتي حكمه .

وخرج بقوله بلا مهر ما لو قالت زوجني فقط فلا يكون تفويضا لأن إذنها محمول على مقتضى الشرع والعرف من المصلحة لاستحيائها من ذكر المهر غالبا وبنفي المهر إلى آخره ما لو أنكحها بمهر المثل حالا من نقد البلد فإنه يصح بالمسمى أو بغير نقد البلد أو بدون مهر المثل لغت التسمية ولم يجب شيء وصار كما لو سكت عن المهر ، ومحل اقتضاء التسمية الفاسدة مهر المثل بالعقد في غير التفويض ، ولو قالت زوجني بلا مهر حالا ولا مآلا وإن جرى وطء فهو تفويض صحيح كما جزم به في الأنوار وانتصر له الزركشي لا فاسد وإن قال به أبو إسحاق وصاحبا المهذب والبيان وغيرهم كما في سائر الشروط الفاسدة ، وقال الأذرعي : إنه الذي يقتضيه إيراد جمهور العراقيين كما قاله بعض الأئمة فهو المذهب

( وكذا لو قال سيد أمة زوجتكها بلا مهر ) إذ هو المستحق كالرشيدة وكذا لو سكت ، وظاهر أنه لو أذن لآخر في تزويج أمته وسكت عن المهر فزوجها الوكيل وسكت لا يكون تفويضا لأن الوكيل يلزمه الحظ لموكله فينعقد بمهر المثل نظير ما مر في ولي أذنت له وسكتت ، والمكاتبة كتابة صحيحة مع سيدها كحرة كما بحثه الأذرعي ، ولا ينافيه ما يأتي من أن التفويض تبرع ، وهي لا تستقل به إلا بإذن السيد لأن تعاطيه لذلك متضمن للإذن لها فيه ، ولو زوجها على أن لا مهر ولا نفقة لها أو على أن لا مهر لها وتعطي زوجها ألفا وقد أذنت بذلك فمفوضة لأنه أبلغ في التفويض

( ولا يصح تفويضه غير رشيدة ) كغير مكلفة وسفيهة محجور عليها لأنها غير أهل

[ ص: 348 ] للتبرع .

أما إذنها في النكاح المشتمل على التفويض فصحيح .

( وإذا جرى تفويض صحيح فالأظهر أنه لا يجب شيء بنفس العقد ) وإلا لتشطر بطلاق قبل وطء ، وقد دل القرآن على أنها لا تستحق غير المتعة .

واعترض قوله شيء بأنه أوجب شيئا هو أحد أمرين المهر أو ما يتراضيان به وذلك يتعين بتراضيهما أو بالوطء أو بالموت ، ويرد بما يأتي من إشكال الإمام وأنه لو طلق قبل فرض ووطء لم يجب شرط فعلم أنه لم يجب شيء من المال أصلا بنفس العقد ، وأما لزوم المال بطارئ فرض أو وطء أو موت فوجوب مبتدأ وإن كان العقد هو الأصل فيه .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( فصل ) في التفويض ( قوله : في التفويض ) أي وما يتبع ذلك من تقرر المهر بالموت ومن حبسها نفسها ( قوله : وهو إخلاء النكاح عن المهر ) أي على ما يأتي بيانه ، ومنه أن تقول لوليها زوجني بلا مهر فيزوجها كذلك أو بدون مهر المثل ، أما لو قال الولي زوجتكها بلا مهر ولم يسبق إذن منها بذلك لم يكن تفويضا على الوجه المراد هنا بل يجب فيه مهر المثل بنفس العقد ( قوله والمراد هنا الأول ) وأما الثاني فقد علم مما مر من أنها إن عينت مهرا اتبع وإن لم تعين

[ ص: 347 ] زوجها بمهر المثل ويفهم منه أنها إذا قالت له زوجني بما شئت جاز بمهر المثل وبما دونه ، ولا يجوز إخلاء النكاح منه ، فإن أخلاه منه وجب مهر المثل كما تقدم ( قوله : وهو أفصح ) لعل الأفصحية باعتبار كثرة استعماله في كلام الفقهاء وإلا فمثل ذلك لا يظهر فيه معنى الأفصح فإن اللغتين لم يتواردا على معنى واحد ( قوله : كنائبه ) أي كنائب الزوج ( قوله بكر أو ثيب ) تعميم ( قوله : أو سفيهة ) أشار إلى أن هذه ملحقة بالرشيدة وليست منها ، والذي قدمه في أول البيع أن المراد بالرشيد في كلام الفقهاء غير المحجور عليه فهو مراد وإلا فالرشيدة كما تقدم من بلغت مصلحة لدينها ومالها ( قوله : مهملة ) بأن بلغت رشيدة ثم بذرت ولم يحجر عليها أو فسقت ( قوله : أو بمؤجل ) أي إن لم تكن من قوم اعتادوا التأجيل وإلا فينعقد بما سمي أخذا مما يأتي ( قوله : وسيأتي حكمه ) أي في قول المصنف وإذا جرى تفويض إلخ ( قوله : أو بغير نقد البلد ) هذا عين ما سبق في قوله أولا أو بغير نقد البلد أو بمؤجل ، ولعل ذكره توطئة لقوله وصار كما لو إلخ على أن هذا ساقط من بعض النسخ ( قوله : وإن جرى وطء ) من تتمة الصيغة ( قوله : وإن قال به أبو إسحاق ) أي الإسفراييني ( قوله وسكت ) أي السيد ، وقوله فزوجها الوكيل وسكت ، ومثله ما لو قال زوجتكها بلا مهر ( قوله ولو زوجها على أن لا مهر ) أي زوج الولي الحرة أو السيد الأمة المكاتبة ( قوله : وقد أذنت ) أي الحرة أو المكاتبة في الصورتين ومثلها سيد الأمة لكن لا يتوقف على إذن من الأمة ( قوله : كغير مكلفة )

[ ص: 348 ] مثال لغير الرشيدة ( قوله : أما إذنها ) أي المحجور عليها بسفه للعلم بأن غير المكلفة لا يصح إذنها . [ فرع ] قال سم على منهج : وتفويض المريضة صحيح إن صحت ، فإن ماتت وأجاز الوارث صح وإلا فلا هكذا نقله م ر عن خط والده ا هـ .

أقول : وينبغي تصوير ذلك بما لو أذنت أن تزوج بدون مهر المثل ويكون من تفويض المهر ، وإلا فلا وجه للفرق بين إجازة الوارث وعدمها ، بل لا معنى له لأنه بالموت يجب مهر المثل ولا تبرع فيه ، وسواء في ذلك أجاز الوارث أو رد ( قوله : من إشكال الإمام ) أي من الجواب عن إشكال الإمام وحاصله أن العقد لم يجب به شيء وإنما هو سبب للوجوب .



حاشية المغربي

[ ص: 346 ] فصل ) في التفويض ( قوله : إخلاء النكاح عن المهر ) يعني على الوجه الخاص الآتي في المتن ، ولعل اللام في المهر للعهد الشرعي : [ ص: 347 ] أي مهر المثل ليدخل ما سيأتي فيما لو قالت له زوجني بلا مهر فزوجها بدون مهر المثل أو بغير نقد البلد .

أو أن إخلاءه عن المهر هو صورته الأصلية فتأمل ( قوله : ; لأن الوكيل يلزمه الحظ إلخ ) قد يقال كان قضية ذلك أنه يلزمه ذكر مهر المثل فأكثر في العقد ( قوله : ولو زوجها على أن لا مهر ولا نفقة ) يعني الرشيدة أو من في معناها ممن مر [ ص: 348 ] قوله : أما إذنها في النكاح المشتمل على التفويض فصحيح ) يعني أنها إذا أذنت في النكاح وفوضت يصح الإذن بالنسبة إلى النكاح لا إلى التفويض ( قوله : من إشكال الإمام ) يعني جواب إشكال الإمام فهو على حذف مضاف ، [ ص: 349 ] أو أن لفظ جواب سقط من الكتبة



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث