الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في وليمة العرس

جزء التالي صفحة
السابق

( وأن لا يحضره ) بضم أوله ( لخوف ) منه ( أو طمع في جاهه ) أو ليعاونه على باطل بل للتقرب والتودد المطلوب أو لنحو علمه أو صلاحه وورعه أولا بقصد شيء كما هو ظاهر . وينبغي كما قاله في الإحياء أن يقصد بإجابته الاقتداء بالسنة حتى يناب وزيارة أخيه وإكرامه حتى يكون من المتحابين المتزاورين في الله سبحانه وتعالى أو صيانة نفسه عن أن يظن به كبرا واحتقار مسلم ( وأن لا يكون ثم ) أي بالمحل الذي يحضر فيه ( من يتأذى ) المدعو ( به ) لعداوة ظاهرة بينهما كما قاله الزركشي ، ولا أثر لعداوة بينه وبين الداعي ( أو لا يليق به مجالسته ) كالأرذال للضرر ، وأما قول الماوردي والروياني : لو كان هناك عدو له أو دعاه عدوه لم يؤثر في إسقاط الوجوب فمحمول كما قاله الأذرعي على ما إذا كان لا يتأذى به ولا تكون كثرة الزحمة عذرا إن وجد سعة : أي لمدخله ومجلسه وأمن على نحو عرضه كما علم مما مر عن البيان وإلا عذر ( و ) أن ( لا ) يكون بمحل [ ص: 374 ] حضوره ( منكر )

أي محرم ولو صغيرة كآنية نقد كما في شرح مسلم : أي يباشر الأكل منها بلا حيلة تجوزه بخلاف مجرد حضورها بناء على ما يأتي في صور غير ممتهنة أنه لا يحرم دخول محلها ، وكنظر رجل لامرأة أو عكسه وبه يعلم أن إشراف النساء على الرجال عذر ، وكآلة مطربة محرمة كذي وتر وزمر ولو شبابة وطبل كوبة ، وكمن يضحك بفحش وكذب كما في الإحياء ، أما محرم ونحوه مما مر بغير محل حضوره كبيت آخر من الدار فلا يمنع الوجوب كما صرح به بعضهم ، ويوافقه قول الحاوي إذا لم يشاهد الملاهي لم يضر سماعها كالتي بجواره ، ونقله الأذرعي عن قضية كلام كثيرين منهم الشيخان ، ثم نقل عن قضية كلام آخرين عدم الفرق بين محل الحضور وسائر بيوت الدار واعتمده فقال المختار أنه لا تجب الإجابة بل لا تجوز لما في الحضور من سوء الظن بالمدعو وبه يفارق الجار ، وفرق السبكي أيضا بأن في مفارقة داره ضررا عليه ولا فعل منه ، بخلاف هذا فإنه تعمد الحضور لمحل المعصية بلا ضرورة ، ومما قالاه هو الوجه ، وبتسليم أن قضية كلام الأولين الحل فهو محمول على ما إذا كان ثم عذر يمنع من كونه مقرا على المعصية بلا ضرورة ( فإن كان ) المنكر ( يزول بحضوره ) لنحو علم أو جاه ( فليحضر ) وجوبا إجابة للدعوة وإزالة للمنكر ، ولا يمنع الوجوب وجود من يزيله غيره لأنه ليس للإزالة فقط كما تقرر ، ولو لم يعلم به إلا بعد حضوره نهاهم ، فإن عجز خرج ، فإن عجز لنحو خوف قعد كارها ، ولا يجلس معهم إن أمكن ، ويفرق بين وجوب الإجابة وإزالة المنكر بشرطه الآتي في السير وعدم وجوب إزالة الرصدي في الحج وإن قدر عليها بأن من شأن الحجيج أن لا تجتمع كلمتهم ومانعيهم أن تشتد شوكتهم مع أن الأصل في الوجوب ثم التراخي وهنا الفور فاحتيط للوجوب هنا أكثر ( ومن المنكر فراش حرير ) في دعوة اتخذت لرجال ، وظاهر كلامهم هنا أن العبرة في الذي ينكر باعتقاد المدعو ، ولا ينافيه ما يأتي في السير أن العبرة في الذي ينكر باعتقاد الفاعل تحريمه لأن ما هنا فبوجوب الحضور ووجوبه مع وجود محرم في اعتقاده فيه مشقة

[ ص: 375 ] عليه فسقط وجوب الحضور . وأما الإنكار ففيه إضرار بالفاعل ، ولا يجوز إضراره إلا إن اعتقد تحريمه ، بخلاف ما إذا اعتقده المنكر فقط لأن أحدا لا يعامل بمقتضى اعتقاد غيره فتأمل ، وإذا سقط الوجوب وأراد الحضور اعتبر حينئذ اعتقاد الفاعل ، فإن ارتكب أحد محرما في اعتقاده لزم هذا المتبرع بالحضور الإنكار ، فإن عجز لزمه الخروج إن أمكنه عملا بكلامهم في السير حينئذ ، فقد قالوا : المنقول أنه لا يحرم الحضور إلا إن اعتقد الفاعل التحريم وهو صريح فيما تقرر ، وسواء في ذلك النبيذ وغيره خلافا لمن فرق ، ولا ينافيه قول الشافعي رضي الله عنه في شاربه الحنفي : أحده وأقبل شهادته . لأن المعول عليه في تعليله أن الحاكم يجب عليه رعاية اعتقاده دون اعتقاد المرفوع إليه ، وقول الشارح هنا ولو كان المنكر مختلفا فيه كشرب النبيذ والجلوس على الحرير حرم الحضور على معتقد تحريمه محمول على ما إذا كان المتعاطي له يعتقد تحريمه أيضا ، وكفرش الحرير ستر الجدار به بل أولى لحرمة هذا حتى على النساء ، وفرش جلود نمور بقي وبرها كما قاله الحليمي وغيره ، وألحق به في العباب جلد فهد في حرمة استعماله ، وكذا مغصوب ومسروق وكلب لا يحل اقتناؤه ولو كان الداخل أعمى .

والقول بأن الأولى التعبير بفرش الحرير لأنه المحرم دون الفراش لأنه قد يكون مطويا مردود إذ فرش الحرير لا يحرم مطلقا ، بل لمن علم منه أنه يجلس عليه جلوسا محرما على أن كلامه في منكر حاضر بمحل الدعوة والفرش لا يوصف بذلك فتعين التعبير بالفراش واحتمال طيه يرده قرينة السياق أنه جلس عليه ( وصورة حيوان ) مشتملة على ما لم يمكن بقاؤه بدونه دون غيره وإن لم يكن لها نظير كفرس بأجنحة ، هذا إن كانت بمحل حضوره لا نحو باب وممر كما قالاه قدر على إزالتها أم لا . ولزوم الإجابة مع القدرة معلوم فلا يرد هنا ، ألا ترى أن من بطريقه محرم تلزمه الإجابة ، ثم إن قدر على إزالته لزمته وإلا فلا . والحاصل أن المحرم إن كان بمحل الحضور لم تجب الإجابة وحرم الحضور أو بنحو ممره وجبت إذ لا يكره الدخول إلى محل هي بممره . أما مجرد الدخول لمحل فيه ذلك فلا يحرم كما اقتضاه كلام الروضة وهو المعتمد ، وبذلك علم أن مسألة الحضور غير مسألة الدخول خلافا لما فهمه الإسنوي ، وسواء في الصورة المحرمة أكانت ( على سقف أو جدار أو وسادة ) منصوبة لما نذكره في المخدة لترادفهما ( أو ستر ) علق لزينة أو منفعة ( أو ثوب ملبوس ) ولو بالقوة فيدخل الموضوع بالأرض كما قاله الأذرعي

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله أن يقصد ) أي المدعو بإجابته إلخ ( قوله ولا أثر لعداوة بينه ) أي المدعو لأن الحضور قد يكون سببا لزوال العداوة ( قوله فمحمول ) هو ظاهر فيما إذا كانت العداوة بينه [ ص: 374 ] وبين غير الداعي . أما إذا كان العدو هو الداعي فقضية ما تقدم في قوله ولا أثر لعداوة بينه وبين الداعي أنه لا يعتبر للوجوب حينئذ ويمكن تقييد ما مر بما ذكر هنا ( قوله : إن إشراف النساء على الرجال عذر ) أي ولو أمكنه التحرز عن رؤيتهن له كتغطية رأسه ووجهه بحيث لا يرى شيء من بدنه لما فيه من المشقة ( قوله : فإنه تعمد الحضور إلخ ) قضيته أنه لو حضر على ظن أن لا معصية بالمكان ثم تبين خلافه كأن حضر مع المجتمعين في محل الدعوة ثم سمع الآلات في غير المحل الذي هو فيه أو حضر أصحاب الآلات بعد حضوره لمحل الدعوة عدم وجوب الخروج عليه ، والظاهر خلافه أخذا بقوله من سوء الظن بالمدعو إلخ ( قوله وما قالاه ) أي الأذرعي والسبكي من أنه لا فرق بين كون آلات اللهو في محل الحضور أو غيره ( قوله : ثم عذر ) انظر ما العذر ؟ ويمكن تصويره بما لو خاف على نفسه ضررا يلحقه إن لم يحضر ( قوله : من يزيله غيره ) غيره نعت لمن أو حال [ ص: 375 ] قوله : وفرش جلود نمور ) أي لما فيه من الخيلاء والكبر ( قوله : وصورة حيوان ) الذي أفتى به الشهاب الرملي أن ملائكة الرحمة لا تمتنع من دخول بيت فيه صورة ولو على نقد ، وخالفه حج في الزواجر ، والأقرب ما في الزواجر ، ووجهه أن حمل النقد والتعامل به وإن كان عليه صورة إنما هو للعذر في الاحتياج إليه وعدم إرادة تعظيمه والعذر في الاحتياج والضرورة لا تزيد على ملازمة الحيض للحائض ، ومع ذلك ورد النص بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه حائض



حاشية المغربي

( قوله : على ما إذا كان لا يتأذى به ) ظاهره أنه حمل للمسألتين والحمل في الثانية ينافي إطلاق قوله المار ولا أثر لعداوة بينه وبين الداعي فليحرر ( قوله : كما علم مما مر عن البيان ) أي في قوله المار وأن لا يعذر بمرخص جماعة كما في البيان ، وانظر ما وجه علم ما ذكره مما مر عن البيان ، وظاهر كلامه أن الخوف على العرض ليس عذرا برأسه ولا يخفى ما فيه ، على أنه أولى من مجالسة من لا تليق به مجالسته ، بل يظهر أن العلة في كون المجالسة المذكورة [ ص: 374 ] من الأعذار انخرام العرض ; لأن الضرر في ذلك ليس راجعا إلا للعرض ( قوله : بناء على ما يأتي إلخ ) قال الشهاب سم : انظر ما وجه البناء مع أن الآتي أنه يحرم حضور المحل الذي فيه المحرم ، بخلاف مجرد دخوله . نعم الفرق لائح بين حضور الآنية وحضور الصور ، وهو أن المقصود من الصور نصها في المحل وهو حاصل فحرم مجرد الحضور بمحل هي فيه وأما الآنية فإن المقصود منها الاستعمال وهو غير حاصل بمجرد حضورها . ا هـ . ( قوله : وبه يفارق الجار ) قال الشهاب سم : هذا الكلام قد يفيد وجوب الإجابة لدار بجوارها منكر . نعم فرق السبكي قد يفيد المنع . ا هـ . ( قوله : وما قالاه ) أي الأذرعي والسبكي ( قوله : ومانعيهم ) أي من شأن مانعيهم [ ص: 375 ] قوله : وألحق به صاحب العباب جلد فهد ) صريح هذا الصنيع أنه لا يحرم من جلود السباع إلا جلد النمر : أي لورود النهي عنه كما قاله الحليمي ، وأن الفهد ملحق به على ما قاله صاحب العباب ، ولعل وجهه أنهما هما اللذان توجد فيهما العلة ، وهي أن استعمال ذلك شأن المتكبرين لظهور وبرهما وتمييزه ، لكن عبارة ابن حجر : وفرش جلود السباع وعليها الوبر ; لأنه شأن المتكبرين انتهت فليحرر ( قوله : إذ فرش الحرير لا يحرم مطلقا ) أي خلافا لقول المعترض ; لأنه المحرم ( قوله دون غيره ) الضمير يرجع إلى ما وفي العبارة مشاحة لا تخفى ( قوله : والحاصل أن المحرم ) أي المجمع على تحريمه بقرينة ما مر آنفا ( قوله : وحرم الحضور ) أي إذا لم يقدر على إزالته كما علم مما مر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث