الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في وليمة العرس

جزء التالي صفحة
السابق

( ولا تسقط إجابة بصوم ) لخبر مسلم { إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن كان مفطرا فليطعم ، وإن كان صائما فليصل } أي فليدع بدليل رواية { فليدع بالبركة } وإذا دعي وهو صائم فلا يكره أن يقول إني صائم ، حكاه القاضي أبو الطيب عن الأصحاب : أي إن أمن الرياء كما هو ظاهر واستثنى منه البلقيني ما لو دعاه في نهار رمضان والمدعوون كلهم مكلفون صائمون فلا تجب الإجابة إذ لا فائدة فيها إلا مجرد نظر الطعام والجلوس من أول النهار إلى آخره مشق ، فإن أراد هذا فليدعهم عند الغروب ، قال : وهذا واضح . وعلم مما تقرر عدم وجوب الأكل ولو في وليمة العرس والأمر به محمول على الندب ويحصل بلقمة ( فإن شق على الداعي صوم نفل ) ولو مؤكدا ( فالفطر أفضل ) لإمكان تدارك الصوم بندب قضائه ولخبر فيه لكن قال البيهقي إسناده مظلم ، ويندب كما في الإحياء أن ينوي بفطره إدخال السرور عليه . أما إذا لم يشق عليه فالإمساك أفضل . وأما الفرض ولو موسعا فيحرم الخروج منه مطلقا ( ويأكل الضيف ) جوازا كما مر ، والمراد به هنا كل من حضر طعام غيره وحقيقته الغريب ومن ثم تأكدت ضيافته وإكرامه من غير تكلف خروجا من خلاف من أوجبها ( مما قدم له بلا لفظ ) دعاه أو لم يدعه اكتفاء بالقرينة ، نعم إن انتظر غيره لم يجز قبل حضوره إلا بلفظ ، وأفهم قوله مما حرمة أكل جميع ما قدم له ، وبه صرح ابن الصباغ ونظر فيه إذا قل واقتضى العرف أكل جميعه ، والأوجه النظر في ذلك للقرينة القوية ، فإن دلت على أكل الجميع حل وإلا امتنع ، وصرح الشيخان رحمة الله عليهما بكراهة الأكل فوق الشبع وآخرون بحرمته ، ويجمع بينهما بحمل الأول على مال نفسه الذي لا يضره . والثاني على خلافه ويضمنه لصاحبه ما لم يعلم رضاه به كما هو ظاهر ، فإطلاق جمع عدم ضمانه يتعين حمله على علم رضا المالك لأنه حينئذ كمال نفسه ، قال ابن عبد السلام رحمة الله عليه : ولو كان يأكل قدر عشرة والمضيف جاهل به لم يجز أن يأكل فوق ما يقتضيه العرف في مقدار الأكل لانتفاء الإذن اللفظي والعرفي فيما

[ ص: 377 ] وراءه ، وكذا لا يجوز له أكل لقم كبار مسرعا في مضغها وابتلاعها إذا قل الطعام لأنه يأكل أكثره ويحرم غيره ، ولا لرذيل أكل من نفيس بين يدي كبير خص به إذ لا دلالة على الإذن له بل العرف زاجر له ا هـ . وبه يعلم أنه يجب عليه مراعاة القرائن القوية والعرف المطرد ولو بنحو لقمة ، فلا تجوز الزيادة والنصفة مع الرفقة فلا يأخذ إلا ما يخصه أو يرضون به بلا حياء ، وكذا يقال في قران نحو تمرتين بل قيل أو سمسمتين ( ولا يتصرف فيه ) أي ما قدم له ( إلا بأكل ) لنفسه لأنه المأذون له فيه دون ما عداه كإطعام سائل أو هرة وكتصرفه فيه بنقل له إلى محله أو بنحو بيع أو هبة . نعم له تقليم من معه ما لم يفاوت بينهم فيحرم على ذي النفيس تلقيم ذي الخسيس دون عكسه ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك كما هو ظاهر ، والمفاوتة بينهم مكروهة : أي إن خشي منها حصول ضغينة كما هو ظاهر ، وأفهم كلامه عدم ملكه قبل الازدراد فله الرجوع فيه ما لم يبتلعه ، لكن المرجح في الشرح الصغير أنه يملكه بوضعه في فمه ، وصرح بترجيحه القاضي والإسنوي وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى وإن نسب في ذلك للسهو ، والمراد بملكه ذلك ملكه لعينه ملكا مقيدا فيمتنع عليه نحو بيعه ، نعم ضيافة الذمي المشروطة عليه تملك بتقديمها للضيف اتفاقا فله الارتحال به ( وله ) أي الضيف مثلا ( أخذ ما ) يشمل الطعام والنقد وغيرهما وتخصيصه بالطعام رده المصنف رحمه الله في شرح مسلم فتفطن له ولا تغتر بمن وهم فيه ( يعلم ) أو يظن بقرينة : قوية بحيث لا يتخلف الرضا عنها عادة كما هو ظاهر ( رضاه به ) لأن المدار على طيب نفس المالك ، فإذا قضت القرينة القوية به حل ، وتختلف قرائن الرضا في ذلك باختلاف الأحوال ومقادير الأموال ، وعلم مما تقرر حرمة التطفل وهو الدخول لمحل غيره لتناول طعامه بغير إذنه ولا علم رضاه أو ظنه بقرينة معتبرة ، بل يفسق به إن تكرر على ما يأتي في الشهادات للخبر المشهور أنه يدخل سارقا ويخرج مغيرا وإنما لم يفسق بأول مرة للشبهة ، ومنه أن يدعي ولو عالما مدرسا أو صوفيا فيستصحب جماعته من غير إذن الداعي ولا ظن رضاه بذلك ، وإطلاق بعضهم أن دعوته تتضمن دعوة جماعته غير ظاهر ، والصواب ما ذكر من التفصيل ( ويحل ) لكن الأولى تركه ( نثر سكر )

[ ص: 378 ] وهو رميه مفرقا ( وغيره ) كلوز ودراهم ودنانير ( في الأملاك ) أي عقد النكاح وكذا سائر الولائم كالختان كما بحثه بعض المتأخرين ( ولا يكره في الأصح ) لخبر { أنه صلى الله عليه وسلم حضر إملاكا فيه أطباق اللوز والسكر فأمسكوا ، فقال : ألا تنهبون ، فقالوا : نهيتنا عن النهبى ، فقال : إنما نهيتكم عن نهبة العساكر ، أما الفرسان فلا ، خذوا على اسم الله ، فجاذبنا وجاذبناه } قال البيهقي : إسناده منقطع ، وابن الجوزي موضوع ، لكن بين الحافظ الهيتمي في مجمعه أن الطبراني رواه في الكبير بسند رجاله ثقات إلا اثنين فإنه لم يجد من ترجمهما وحينئذ فلا وضع ولا انقطاع ، والثاني يكره للدناءة في التقاطه ، وقد يأخذه من غيره أحب إلى صاحب النثار ( ويحل التقاطه ) للعلم برضا مالكه ( وتركه أولى ) وقيل أخذه مكروه لأنه دناءة ، نعم إن علم أن الناثر لا يؤثر به ولم يقدح أخذه في مروءته لم يكن تركه أولى ، ويكره أخذه من الهواء بإزار أو غيره ، فإن أخذ منه أو التقطه وبسط ثوبه لأجله فوقع فيه ملكه كالأخذ ولو صبيا وإن سقط منه بعد أخذه فلو أخذه غيره لم يملكه ، وحيث كان أولى به وأخذه غيره ففي ملكه وجهان جاريان فيما لو عشش طائر في ملكه فأخذ فرخه غيره وفيما إذا دخل السمك مع الماء في حوضه وفيما إذا وقع الثلج في ملكه فأخذه غيره وفيما إذا أحيا ما تحجره غيره ، لكن الأصح في الصور كلها الملك كالإحياء ما عدا صورة النثار لقوة الاستيلاء فيها ، أما العبد فيملكه سيده ، فإن وقع في حجره من غير أن يبسطه له فسقط منه قبل قصد أخذه لم يملكه .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : إسناده مظلم ) أي وهو علامة عدم القبول وهذا في التجريح دون قولهم فيه كذاب ( قوله : إلا بلفظ ) أي لم تدل القرينة على أنه قاله حياء أو نحوه ( قوله : فوق الشبع ) أي التعارف لا المطلوب شرعا وهو أكل نحو ثلث البطن ( قوله : بحمل الأول ) هو قوله بكراهة الأكل ، وقوله والثاني : أي قوله بحرمته ، [ ص: 377 ] وقوله ويضمنه : أي ضمان الغصوب ( قوله مع الرفقة ) أي بضم الراء وكسرها ا هـ مختار ( قوله : في قران ) أي جمع وقوله على خلاف ذلك : أي فيهما ( قوله : وصرح بترجيحه ) وقياس ملكه بوضعه في فيه أنه لو مات قبل ابتلاعه ، ملكه وارثه : أي ملكا مطلقا حتى يجوز له التصرف فيه بنحو بيعه ، ولو خرج من فيه قهرا أو اختيارا فهل يزول ملكه عنه ؟ فيه نظر ، ولا يبعد عدم الزوال لأن الأصل بقاء ملكه بعد الحكم به لكن لا يتصرف فيه بغير الأكل ا هـ سم ( قوله وهو الدخول لمحل غيره ) وكحرمة الدخول لأكل طعام الغير دخوله ملك غيره بلا إذن مطلقا وإنما اقتصر على ما ذكر لأنه مسمى التطفل ثم المراد بمحله ما يختص به بملك أو غيره ، وينبغي أن مثل ذلك ما لو وضعه في محل مباح كمسجد فيحرم على غير من دعاه ذلك ( قوله : إنه يدخل سارقا ) وعليه فلو دخل وأخذ ما يساوي ربع دينار قطع إن دخل بقصد السرقة وإلا فلا ، كذا نقل عن شيخنا العلامة الشوبري وفيه وقفة ، بل ينبغي أن يقطع مطلقا لأنه لم يؤذن له في الدخول ، بخلاف نحو داخل الحمام فإنه مأذون له في الدخول للغسل ، فإن صرفه بقصد السرقة قطع لعدم الإذن له في الدخول على ذلك الوجه ( قوله : ويخرج مغيرا ) أي منتهبا ، وقوله ومنه : أي التطفل [ ص: 378 ] قوله : في الإملاك ) بكسر الهمزة ( قوله : وابن الجوزي موضوع ) فيه أن ابن الجوزي لم يقل فيه موضوع ، إنما قال لا يصح ولا يلزم منه الوضع . قال الزركشي : بين قولنا موضوع وقولنا لا يصح بون كبير ، فإن الأول إثبات للكذب والاختلاق والثاني إخبار عن عدم الثبوت ولا يلزم منه إثبات العدم وهذا يجيء في كل حديث قال فيه ابن الجوزي لا يصح أو نحوه . قال ابن عراق : وكأن نكتة تعبيره بذلك حيث عبر به أنه لم يلح له في الحديث قرينة تدل على أنه موضوع ، غاية الأمر أنه احتمل عنده أن يكون موضوعا لأنه من طريق متروك وكذاب فأدخل في الموضوعات لهذا الاحتمال ، وهذا إنما يتم عند تفرد الكذاب أو المتهم ، على أن الحافظ حج في النخبة خص هذا باسم المتروك ولم ينظمه في سلك الموضوع ا هـ ( قوله : ففي ملكه ) أي الغير ( قوله : فإن وقع في حجره ) أي الشخص .



حاشية المغربي

[ ص: 377 ] قوله : ما لم يفاوت ) أي المالك ( قوله مغيرا ) قال الشيخ أي منتهبا ( قوله : ومنه ) أي من التطفل ، وظاهر العبارة أن المتصف بالتطفل هو المدعو المذكور فلينظر هل هو المراد أو أن المراد أن المتصف بذلك من دخل معه من جماعته [ ص: 378 ] قوله : الخبر أنه صلى الله عليه وسلم حضر إملاكا إلخ ) انظر ما وجه الدليل منه مع أنه لا نثر فيه ( قوله : نعم إن علم أن الناثر لا يؤثر به ) أي لا يخص به بعضهم دون بعض ( قوله : وحيث كان أولى به إلخ ) لم يقدم قبله ما يتنزل هذا عليه وهو ما إذا سقط في حجره من غير أن يبسط له ، لكنه إنما يصير أولى به ما دام في حجره ، فإن سقط من حجره زال اختصاصه به كما يعلم مما يأتي في الشرح ، وحيث قلنا هو أولى به فسقط فأخذه غيره لم يملكه كما يعلم مما يأتي ( قوله لكن الأصح في الصور كلها الملك ) أي للآخذ الثاني .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث