الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 38 ] ( فصل ) في حكم إتلاف البهائم ( من كان مع دابة أو دواب ) في طريق مثلا ولو مقطورة سائقا أو قائدا أو راكبا سواء أكانت يده عليها بحق أم بغيره ، وإن لم يكن مكلفا أو قنا أذن سيده أم لا كما شمله كلامهم ، ويتعلق متلفها برقبته فقط ، ويفرق بين هذا ولقطة أقرها مالكه بيده فتلفت فإنها تتعلق برقبته وبقية أموال السيد بأنه مقصر ثم بتركها بيده المنزلة منزلة المالك بعد علمه بها ولا كذلك هنا ، ودعوى أن القن لا يد له ممنوعة بأنه ليس المراد باليد هنا المقتضية للملك بل المقتضية للضمان وهو بهذا المعنى له يد كما لا يخفى ( ضمن إتلافها ) بجزء من أجزائها ( نفسا ) على العاقلة ( ومالا ) في ماله ( ليلا ونهارا ) ; لأن فعلها منسوب له وعليه تعهدها وحفظها ، فإن كان معها سائق وقائد وراكب [ ص: 39 ] ضمن الراكب ، فإن لم يكن راكب فعليهما أو ركبها اثنان فعلى المقدم دون الرديف كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى لأن فعلها منسوب إليه ، وإن كانا لو تنازعا فيها كانت لهما ، وخرج بقوله مع دابة ما لو انفلتت منه بعد إحكام نحو ربطها ، وأتلفت شيئا فإنه لا يضمن كما سيذكره ، ويستثنى من إطلاقه ما لو نخسها غير من معها فضمان إتلافها على الناخس ما لم يأذن له فيه وإلا فعليه ، ولو ردها راد تعلق ضمان ما أتلفته بعده الراد ، وما لو غلبته فاستقبلها آخر وردها فإن الراد يضمن ما أتلفته في انصرافها ، وما لو سقط هو أو مركوبه ميتا على شيء فأتلفه فلا ضمان كما لو انتفخ ميت فانكسر به قارورة

بخلاف طفل سقط عليها ; لأن له فعلا ، وإلحاق الزركشي بسقوطه بالموت سقوطه بنحو مرض أو ريح شديدة فيه نظر ، وإن زعم بعضهم أن فيه نظرا لوضوح الفرق ، ولو كان راكبها يقدر على ضبطها فاتفق أنها غلبته لنحو قطع عنان وثيق ، وأتلف شيئا لم يضمن على ما قاله بعضهم ، والمعتمد كما اقتضاه كلامهما واعتمده البلقيني وغيره وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى الضمان ، وما لو أركب أجنبي بغير إذن الولي [ ص: 40 ] صبيا أو مجنونا دابة لا يضبطها مثلهما فإنه يضمن متلفها ، وما لو كان مع دواب راع فتفرقت لنحو هيجان ريح أو ظلمة لا لنحو نوم وأفسدت زرعا فلا يضمنه كما لو ند بعيره أو انفلتت دابته من يده وأفسدت شيئا ، لكن هذا خارج بقوله مع دابة فإيراده غير صحيح ، وما لو ربطها بطريق متسع بإذن الإمام أو نائبه كما لو حفر فيه لمصلحة نفسه ، وخرج بقولنا في الطريق مثلا من دخل دارا بها كلب عقور فعقره أو دابة فرفسته فلا يضمنه صاحبهما إن علم بحالهما وإن أذن له في دخولها ، بخلاف ما إذا جهل فإن أذن له في الدخول ضمنه وإلا فلا ، وبخلاف الخارج منهما عن الدار ولو بجانب بابها ; لأنه ظاهر يمكن الاحتراز عنه ، وخرج به أيضا ربطها بموات أو ملكه فلا يضمن به متلفها بالاتفاق ، ولو أجره دارا إلا بيتا معينا فأدخل دابته فيه ، وتركه مفتوحا فخرجت وأتلفت مالا للمكتري لم يضمنه ، ولا يرد على قوله نفسا ومالا صيد الحرم وشجره وصيد الإحرام فإنه يضمنها ; لأنهما لا يخرجان عنهما ، ولو ربط فرسه في خان فقال لصغير خذ من هذا التبن واعلفها ففعل فرفسته فمات وهو حاضر [ ص: 41 ] ولم يحذره منها ، وكانت رموحا ضمنه على عاقلته ، ومحل ما تقرر في غير الطير ، أما هو فلا ضمان بإتلافه مطلقا ; لأنه لا يدخل تحت اليد ما لم يرسل المعلم على ما صار إتلافه له طبعا ، وأفتى البلقيني في نحل قتل جملا بأنه هدر لتقصير صاحبه دون صاحب النحل ، إذا لا يمكن ضبطه

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

[ ص: 38 ] فصل ) في حكم إتلاف البهائم ( قوله : في حكم إتلاف البهائم ) أي وما يتبعه كمن حمل حطبا على ظهره ودخل به سوقا ، وإن أريد بالدابة ما يشمل الآدمي دخلت هذه لكن على ضرب من المسامحة في قوله مع دابة ; لأنه من حمل هو الدابة لا أنه معها ( قوله : أو دواب في طريق ) .

[ فرع ] لو كان راكبا حمارة مثلا ووراءها جحش فأتلف شيئا ضمنه ، كذا في فتاوى القفال رحمه الله . قال الإصطخري في أدب القضاء : لولا حديث البراء { ما ضمنا راكبا ولا سائقا إلا أن يتعمد } ; لأن حديث { العجماء جبار } ظاهر لولا ما بين في حديث ناقة البراء .

وحديث ناقة البراء رضي الله تعالى عنه { كانت ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدت فيه ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها ، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها ، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل } رواه الشافعي رضي الله تعالى عنه ا هـ سم على منهج .

( قوله : بحق أو بغيره ) شمل المكره بفتح الراء فيضمن ، ولا شيء على المكره بكسر الراء ; لأنه إنما أكرهه على ركوب الدابة لا على إتلاف المال ، وبهذا يفارق بين هذا وبين ما لو أكرهه على إتلاف المال حيث قيل فيه إن كلا طريق في الضمان ، والقرار على المكره بكسر الراء ، لكن نقل عن شيخنا الزيادي بالدرس أن قرار الضمان على المكره بكسر الراء ، وأن المكره طريق في الضمان ، وعليه فلا فرق بين الإكراه على الإتلاف وعلى الركوب ( قوله : ويتعلق متلفها برقبته ) أي وإن أذن له السيد ( قوله : ولا كذلك هنا ) قد يقال قد يوجه هنا إقرار السيد بعد علمه ا هـ سم على حج .

أقول : وقد يقال اللقطة أمانة في يد واجدها ، والعبد ليس من أهل الولاية عليها فترك السيد لها في يده تقصير منه ، ولا كذلك البهيمة فإن تركها في يد العبد لا يعد تقصيرا من السيد بل قد يكون له غرض في تركها في يد العبد فنسبت اليد فيها للعبد ما دامت معه ، وذلك يقتضي ضمانه دون السيد ( قوله : ومالا في ماله ) المراد منه أنه لا يتعلق بالعاقلة بل بذمته يؤديه من ماله فليس المراد بكونه في ماله أنه يتعلق به كتعلق الدين بالمرهون ( قوله : وراكب ) ظاهره ولو أعمى ، ونقله سم على منهج عن طب وفيه فرع : لو ركب اثنان في جنبيها كفي محارتين فالضمان عليهما ، فلو ركب ثالث بينهما في الظهر فقال م ر الضمان عليه وحده وفيه نظر ، ولا يبعد [ ص: 39 ] أن يكون الضمان أثلاثا وفاقا لطب فيما أظن ا هـ .

وظاهره لو كان الزمام بيد أحدهم ( قوله : ضمن الراكب ) يؤخذ من هذا تضمين الراكبة مع المكاري القائد دونه إلا على قول ابن يونس لعل تضمين الراكب إذا كان الزمام بيده فلا تضمن إلا إذا كان الزمام بيدها ا هـ سم على حج .

وعبارته على منهج قوله ضمن الراكب فقط بذلك يعلم أن الضمان على المرأة التي تركب الآن مع المكاري دون المكاري م ر ا هـ .

وهذا هو المعتمد .

وقياس ما نقله عن ابن يونس أن الضمان في مسألة الأعمى على قائد الدابة إذا كان زمامها بيده ( قوله : فعليهما ) أي السائق والقائد ( قوله لأن فعلها منسوب إليه ) يؤخذ من هذه العلة أن المقدم لو لم يكن له دخل في تسييرها كمريض وصغير اختص الضمان بالرديف ( قوله : ما لو انفلتت ) وينبغي عدم تصديقه في ذلك إلا ببينة ( قوله : فضمان إتلافها على الناخس ) أي ولو صغيرا مميزا كان أو غير مميز ; لأن ما كان من خطاب الوضع لا يختلف فيه الحال بين المميز وغيره .

[ فرع ] قال في العباب : وإن كانت رموحا طبعا ، واتصل إتلافها بالنخس فهل يضمن الآذن أو الناخس وجهان ا هـ .

والأقرب أنه الآذن كما لو أتلفت بغير الرمح سيما إن ظهر إحالة الرمح على النخس المأذون فيه ( قوله : ما لم يأذن ) أي الراكب ( قوله : تعلق ضمان ما أتلفته بعده ) أي الراد ، وقوله بالراد ما لم يأذن له أخذا مما قدمه في الناخس ( قوله : فاستقبلها آخر وردها ) ظاهره ولو بإشارة تؤدي إلى ردها ( قوله : فأتلفه ) أي الساقط ( قوله : سقط عليها ) أي القارورة فإنه يضمن ( قوله : الفرق ) وهو أن الميت خرج عن كونه أهلا للضمان ، بخلاف الحي ، وإن كان صغيرا وكان سقوطه بغير اختياره ( قوله ولو كان راكبها ) ولو كان الراكب ممن يضبطها ولكن غلبته بفزع من شيء مثلا أو أتلفت شيئا فالظاهر عدم الضمان ا هـ سم على منهج .

ويشكل عليه ما ذكرناه عنه توجيها لكلام الشارح ، فإن اليد موجودة مع الفزع ، كما هي موجودة مع قطع اللجام ونحوه ، إلا أن يقال : اليد وإن كانت موجودة في الفزع إلا أن فعلها لم ينسب فيه واضع اليد إلى تقصير ما فأشبه ما لو هاجت الرياح بعد إحكام ملاح السفينة آلاتها ، وقد قيل فيها بعدم الضمان لانتفاء تقصير الملاح ، بخلاف قطع اللجام ، فإن الراكب منسوب [ ص: 40 ] فيه لتقصير في الجملة ; لأن قطع الدابة له دليل على عدم إحكامه ( قوله : لا يضبطها ) ولك أن تقول : ينبغي الضمان ، وإن كان يضبطها مثلهما إذ لا ولاية ولا نظر له في مصلحتهما ومجرد كونهما يضبطان لا يقتضي سقوط الضمان عنه فليتأمل ا هـ سم على منهج ( قوله : فإنه ) أي الأجنبي ( قوله : أو ظلمة ) قد يفرق بين هذا وما تقدم من ضمان الساقط بنحو ريح بأن الوقوع عن الدابة منسوب له فضمن ، ولا كذلك هنا فإنها بتفرقها لهيجان الريح والظلمة خرجت عن يده بغير اختيار منه ( قوله : لا لنحو نوم ) أي فإنه يضمن ( قوله أو انفلتت دابته إلخ ) ومن ذلك ما لو كان راكبها ثم ألقته بجماح أو نحوه وفرت وأتلفت شيئا في انصرافها فلا يضمنه صاحبها ( قوله : فإيراده غير صحيح ) قد يقال : ليس في كلام المصنف اعتبار المعية حال الإتلاف ا هـ سم على حج : أي لكنه المتبادر منه وهو كاف في دفع الاعتراض ( قوله : وما لو ربطها ) أي فلا يضمن ، وظاهره لا نهارا ولا ليلا ا هـ سم على حج ( قوله : أو دابة فرفسته فلا يضمنه ) ظاهر ، وإن كان غير مميز ، لكن قد يتوقف فيما لو دخل غير المميز بإذن صاحب الدار فإنه عرضه لإتلاف الكلب ونحوه ، وقد يؤخذ ضمانه مما يأتي فيما لو قال لصغير خذ من هذا التبن إلخ ( قوله : يمكن الاحتراز عنه ) أي ولو لم يكن له طريق إلا عليه ، وكان أعمى ( قوله : فأدخل دابته ) أي المؤجر ( قوله وأتلفت مالا للمكتري لم يضمنه ) لعله لنسبة صاحب المتاع إلى التقصير ( قوله : لا يخرجان عنهما ) أي عن النفس والمال ( قوله : فقال الصغير ) هي للترتيب ( قوله : ولم يحذره ) مفهومه عدم الضمان إذا كان غائبا ولم يحذره وهي رموح فليتأمل ا هـ [ ص: 41 ] سم على حج .

أقول : وقد يتوقف فيه بأنه تسبب في إتلافه ( قوله : ضمنه على عاقلته ) أي الآمر ( قوله : فلا ضمان بإتلافه مطلقا ) أي ليلا أو نهارا ( قوله : على ما صار إتلافه له طبعا ) أي فيضمن ، ولعل الفرق بين هذا وبين ما مر من أنه لو علم قردا ، وأمره بالسرقة فسرق لم يقطع أن القطع يسقط بالشبهة بخلاف الضمان ( قوله : في نحل قتل جملا ) أي مثلا ، وقوله بأنه أي الجمل ، وقوله هدر لتقصيره : أي حيث لم يضعه في بيت مسقف أو لم يضع عليه ما يمنع وصول النحل إليه ، ولا فرق في ذلك بين كون الجمل في ملكه أو غيره



حاشية المغربي

[ ص: 37 - 38 ] ( فصل في حكم إتلاف البهائم ) ( قوله : بجزء من أجزائها ) أشار به إلى أنه لا منافاة بين ما هنا وما يأتي من عدم الضمان بنحو بولها على [ ص: 39 ] ما يأتي فيه ( قوله فعلى المقدم دون الرديف إلى قوله لأن فعلها إلخ ) قال ابن قاسم : قد يقتضي هذا أنه لو نسب سيرها للمؤخر فقط كما لو كان المقدم نحو مريض لا حركة له محضون للمؤخر اختص الضمان بالمؤخر ( قوله : تعلق ضمان ما أتلفته بعده بالراد ) انظر إلى متى يستمر ضمانه ، ولعله ما دام سيرها منسوبا لذلك الراد فليراجع [ ص: 40 ] قوله : لا يضبطها مثلهما ) قضيته أنهما لو كانا يضبطانها لا يضمن الأجنبي ، وأن الولي إذا أركبها ما لا يضبطانه أنه لا يضمن ، وهو خلاف قضية كلام الأذرعي .

وعبارته : لو أركب رجل صبيا دابة فأتلفت شيئا ، فإن أركبه أجنبي ضمنه لتعديه أو وليه لمصلحة الصبي ضمن الصبي ، وإن لم يكن له مصلحة فيه ضمن الولي والوصي قاله في البيان وغيره وفيه نظر ، إلا أن يكون طفلا غير مميز ، وفي الأم وغيرها إشارة إليه انتهت عبارة الأذرعي ، وكلامهم في مسألة الاصطدام يوافقها ( قوله وما لو ربطها بطريق متسع ) أي فلا ضمان كما صرح به ابن قاسم ( قوله : أو ملكه ) انظره مع قوله قبله من داخل دار بها كلب عقور أو دابة ، ولعل الدابة فيما مر شأنها الضراوة فليراجع ( قوله : فأدخل دابته ) أي المؤجر بقرينة ما بعده ( قوله : وهو حاضر ) انظر هل هو قيد وما وجه التقييد به [ ص: 41 ] قوله ولم يحذره ) لعل المراد التحذير حال الرمح بأن رآها ترمحه فلم يحذره فليراجع .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث