الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والزنا الموجب للحد ( وطء ) وهو إدخال [ ص: 5 ] قدر حشفة من ذكر ( مكلف ) خرج الصبي والمعتوه ( ناطق ) خرج وطء الأخرس ، فلا حد عليه مطلقا للشبهة . وأما الأعمى فيحد للزنا بالإقرار لا بالبرهان شرح وهبانية ( طائع في قبل مشتهاة ) حالا أو ماضيا خرج المكره والدبر ونحو الصغيرة ( خال عن ملكه ) أي ملك الواطئ ( وشبهته ) أي في المحل لا في الفعل ، ذكره ابن الكمال ; وزاد الكمال ( في دار الإسلام ) لأنه لا حد بالزنا في دار الحرب ( أو تمكينه من ذلك ) بأن استلقى [ ص: 6 ] فقعدت على ذكره فإنهما يحدان لوجود التمكين ( أو تمكينها ) فإن فعلها ليس وطئا بل تمكين فتم التعريف ، وزاد في المحيط : العلم بالتحريم ، فلو لم يعلم لم يحد للشبهة . ورده في فتح القدير بحرمته في كل ملة .

التالي السابق


مطلب أحكام الزنا ( قوله والزنا ) بالقصر في لغة أهل الحجاز فيكتب بالياء ، وبالمد في لغة أهل نجد فيكتب بالألف . بدأ بالكلام عليه ; لأنه لصيانة النسل فكان راجعا إلى الوجود وهو الأصل ولكثرة وقوع سببه مع قطعيته ، بخلاف السرقة فإنها لا تكثر كثرته ، والشرب وإن كثر فليس حده بتلك القطعية نهر وفتح مطلب الزنا شرعا لا يختص بما يوجب الحد بل أعم ( قوله الموجب للحد ) قيد به ; لأن الزنا في اللغة والشرع بمعنى واحد ، وهو وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهته ، فإن الشرع لم يخص اسم الزنا بما يوجب الحد بل بما هو أعم ، والموجب للحد بعض أنواعه .

ولو وطيء جارية ابنه لا يحد للزنا ولا يحد قاذفه بالزنا ، فدل على أن فعله زنا وإن كان لا يحد به ، وتمامه في الفتح .

وبه علم [ ص: 5 ] أن ما في الكنز وغيره من تعريف الزنا بما مر تعريف للشرعي الأعم ، فلا يعترض عليه بترك القيود التي ذكرها المصنف هنا ; لأنه تعريف للأخص الموجب للحد ، على أن القيود المذكورة خارجة عن الماهية ; لأنها شروط لإجراء الحكم كما في النهر تأمل ( قوله قدر حشفة ) أي حشفة أو قدرها ممن كان مقطوعها ، لكن صرح بالخفي وسكت عن الظاهر لعلمه بالأولى اختصارا ، أو أقحم لفظ قدر لإفادة التعميم لا للاحتراز عن نفس الحشفة فإيلاج بعضها غير موجب للحد ; لأنه ليس وطئا ولذا لم يوجب الغسل ولم يفسد الحج كما في الجوهرة ، وأشار بسكوته عن الإنزال إلى أنه غير شرط ( قوله مكلف ) أي عاقل بالغ ، ولم يقل مسلم ; لأنه غير شرط في حق الجلد ( قوله مطلقا ) سواء ثبت عليه بإقراره بالإشارة أو ببينة كما في البحر وغيره ( قوله لا بالبرهان ) ذكر ابن الشحنة في شرح الوهبانية أنه رآه في نسخته الخانية ، وذكر أن المصنف : يعني ابن وهبان خص ذلك بالأخرس .

أقول : الذي رأيته في نسختين من الخانية هكذا : ولو أقر الأخرس بالزنا أربع مرات في كتاب كتبه أو إشارة لا يحد ، ولو شهد عليه الشهود بالزنا لا تقبل .

الأعمى إذا أقر بالزنا فهو بمنزلة البصير في حكم الإقرار . ا هـ . فقوله ولو شهد عليه الشهود إلخ إنما ذكره في الأخرس لا في الأعمى ، خلافا لما رآه ابن الشحنة في نسخته فإنه غلط لقول الفتح والبحر : بخلاف الأعمى صح إقراره والشهادة عليه ، ومثله في التتارخانية عن المضمرات ، وبه جزم في شرح الوهبانية للشرنبلالي وشرح الكنز للمقدسي ( قوله في قبل ) متعلق بوطء ( قوله أو ماضيا ) أدخل به العجوز الشوهاء ، فإنها وإن لم تكن مشتهاة في الحال لكنها كانت مشتهاة فيما مضى ( قوله خرج المكره ) أي بقيد طائع والدبر بقيد قبل ، وهذا بناء على قول الإمام من أنه لا حد باللواطة ، أما على قولهما من أنه يحد بفعل ذلك في الأجانب فيدخل في الزنا وسيأتي في الباب الآتي ( قوله ونحو الصغيرة ) هو الميتة والبهيمة ح .

وهذا خرج بقيد مشتهاة والمراد الصغيرة ونحوها ، فإقحام لفظ نحو لقصد التعميم كما مر آنفا ، ونظيره على أحد الاحتمالات قولهم : مثلك لا يبخل ( قوله خال عن ملكه ) أي ملك يمينه وملك نكاحه ، وهو صفة لقبل ط أو صفة لوطء ( قوله وشبهته ) أي شبهة ملك اليمين وملك النكاح .

فالأولى كوطء جارية مكاتبة أو عبده المأذون المديون ، أو جارية المغنم بعد الإحراز بدارنا في حق الغازي . والثانية كتزوج امرأة بلا شهود أو أمة بلا إذن مولاها ، أو تزوج العبد بلا إذن مولاه حموي عن المفتاح ط ( قوله أي في المحل ) ويقال لها شبهة ملك وشبهة حكمية كوطء جارية ابنه ط ( قوله لا في الفعل ) وتسمى شبهة اشتباه كوطء معتدة الثلاث .

وحاصله أن شرط كون الوطء زنا خلوه عن شبهة المحل ; لأنها توجب نفي الحدود وإن لم يظن حله ، بخلاف شبهة الفعل فإنها لا تنفيه مطلقا ، بل إن ظن الحل ، أما إن لم يظنه فلا ، ولذا خصص الأولى بالإرادة مع أنه لو أريد خلوه عما يعم شبهة الفعل بقيد ظن الحل فيها صح أيضا أفاده السيد أبو السعود ( قوله في دار الإسلام ) مفعول زاد وهذا القيد يومئ إليه قولهم وأين هو ، وكذا قولهم في الباب الآتي لا حد بالزنا في دار الحرب والبغي . وعليه فكان الأولى أن يقول في دار العدل ليخرج دار البغي أيضا ، وهذا إذا لم يزن داخل المعسكر الذي فيه السلطان أو نائبه المأذون له بإقامة الحد ، وإلا فإنه يحد كما سيأتي هناك ( قوله أو تمكينه ) بالرفع عطف على وطء وأو للتقسيم [ ص: 6 ] والتنويع واسم الإشارة للوطء ط ( قوله فقعدت على ذكره ) أي واستدخلته بنفسها ( قوله أو تمكينها ) لما كانت المرأة تحد حد الزنا وقد سماها الله تعالى زانية في قوله - { الزانية والزاني } - علم أنها تسمى زانية حقيقة ، ولا يلزم من كونها لا تسمى واطئة أنها زانية مجازا فلذا زاد في التعريف تمكينها حتى يدخل فعلها في المعرف وهو الزنا الموجب للحد ، فلو لم يكن تمكينها زنا حقيقة لما احتيج إلى إدخاله في التعريف ، وهو أيضا أمارة كونها زانية حقيقة وإن لم تكن واطئة ، كما أن الرجل يسمى زانيا حقيقة بالتمكين وإن لم يوجد منه الوطء حقيقة ، وبه سقط ما في البحر من أن تسميتها زانية مجاز فافهم ( قوله فتم التعريف ) تعريض بصاحب الكنز وغيره حيث عرفوه بالتعريف الأعم ، وتقدم جوابه تأمل ( قوله وزاد في المحيط إلخ ) حيث قال إن من شرائطه العلم بالتحريم ، حتى لو لم يعلم بالحرمة لم يجب الحد للشبهة ، وأصله ما روى سعيد بن المسيب أن رجلا زنى باليمن فكتب في ذلك عمر رضي الله تعالى عنه : إن كان يعلم أن الله حرم الزنا فاجلدوه ، وإن كان لا يعلم فعلموه ، فإن عاد فاجلدوه ولأن الحكم في الشرعيات لا يثبت إلا بعد العلم ، فإن كان الشيوع والاستفاضة في دار الإسلام أقيم مقام العلم ولكن لا أقل من إيراث شبهة لعدم التبليغ . ا هـ .

وبه علم أن الكون في دار الإسلام لا يقوم مقام العلم في وجوب الحد كما هو قائم مقامه في الأحكام كلها ح عن البحر ( قوله ورده في فتح القدير ) أي في الباب الآتي بأن الزنا حرام في جميع الأديان والملل ، فالحربي إذا دخل دار الإسلام فأسلم فزنى وقال ظننت أنه حلال يحد ولا يلتفت إليه ، وإن كان فعله أول يوم دخوله فكيف يقال إذا ادعى مسلم أصلي أنه لا يعلم حرمة الزنا لا يحد لانتفاء شرط الحد ا هـ وأقره في البحر والنهر والمنح والمقدسي والشرنبلالي .

ونازع فيه ط بما مر عن عمر وبأن الحرمة الثابتة في كل ملة لا تنافي أن بعض الناس يجهلها . كيف والباب تقبل فيه الشبهات ، وأما مسألة الحربي فلعلها على قول من لا يشترط العلم ا هـ . قلت : وكذا نازع فيه المحقق ابن أمير حاج في آخر شرحه على التحرير في بحث الجهل حيث قال بعد نقله ما مر عن المحيط غير أن ظاهر قول المبسوط عقب هذا الأثر : فقد جعل ظن الحل في ذلك الوقت شبهة لعدم اشتهار الأحكام يشير إلى أن هذا الظن في هذا الزمان لا يكون شبهة معتبرة لاشتهار الأحكام فيه ، ولكن هذا إنما يكون مفيدا للعلم بالنسبة إلى الناشئ في دار الإسلام .

والمسلم المهاجر المقيم بها مدة يطلع فيها على ذلك ، فأما المسلم المهاجر الواقع منه ذلك في فور دخوله فلا ، وقد قال المصنف : يعني الكمال في شرح الهداية : ونقل في اشتراط العلم بحرمة الزنا إجماع الفقهاء ، وهو مفيد أن جهله يكون عذرا ، وإذا لم يكن عذرا بعد الإسلام ولا قبله فمتى يتحقق كونه عذرا ؟ وحينئذ فالفرع المذكور : أي فرع الحربي هو المشكل فليتأمل . ا هـ .

قلت : قد يجاب بأن العلم بالحرمة شرط فيمن ادعى الجهل بها وظهر عليه أمارة ذلك ، بأن نشأ وحده في شاهق أو بين قوم جهال مثله لا يعلمون تحريمه أو يعتقدون إباحته إذ لا ينكر وجود ذلك ، فمن زنى وهو كذلك في فور دخوله دارنا لا شك في أنه لا يحد ، إذ التكليف بالأحكام فرع العلم بها وعلى هذا يحل ما في المحيط .

وما ذكر من نقل الإجماع بخلاف من نشأ في دار الإسلام بين المسلمين أو في دار أهل الحرب المعتقدين حرمته ثم دخل دارنا فإنه إذا زنى يحد ولا يقبل اعتذاره بالجهل . وعليه يحمل فرع الحربي ويزول عنه الإشكال ، وهو أيضا محمل كلام الكمال وبه يحصل التوفيق ، وهو أولى من شق العصا والتفريق ، هذا ما ظهر لي ، والله سبحانه وتعالى أعلم




الخدمات العلمية