الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

6342 14 - حدثنا علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن القاسم التميمي ، عن زهدم الجرمي قال : كنا عند أبي موسى ، وكان بيننا وبين هذا الحي من جرم إخاء ومعروف ، وقال : فقدم طعام ، قال : وقدم في طعامه لحم دجاج ، قال : وفي القوم رجل من بني تيم الله أحمر كأنه مولى ، قال : فلم يدن ، فقال له أبو موسى : ادن فإني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منه ، قال : إني رأيته يأكل شيئا قذرته فحلفت أن لا أطعمه أبدا ، فقال : ادن أخبرك عن ذلك ، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين أستحمله وهو يقسم نعما من نعم الصدقة ، قال أيوب : أحسبه قال : وهو غضبان ، قال : والله لا أحملكم وما عندي [ ص: 226 ] ما أحملكم ، قال : فانطلقنا ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل ، فقيل : أين هؤلاء الأشعريون ؟ أين هؤلاء الأشعريون ؟ فأتينا فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى ، قال : فاندفعنا ، فقلت لأصحابي : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا ، ثم أرسل إلينا فحملنا ، نسي رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه ، والله لئن تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه لا نفلح أبدا ، ارجعوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنذكره يمينه ، فرجعنا فقلنا : يا رسول الله ، أتيناك نستحملك فحلفت أن لا تحملنا ثم حملتنا ، فظننا أو فعرفنا أنك نسيت يمينك ، قال : انطلقوا فإنما حملكم الله إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها .

التالي السابق


هذا الحديث لا يدل إلا على أن الكفارة بعد الحنث ، فحينئذ لا تكون المطابقة بينه وبين الترجمة إلا في قوله : " وبعده " ، أي وبعد الحنث ، وكذلك الحديث الآخر الذي يأتي في هذا الباب لا يدل إلا على أن الكفارة بعد الحنث ، ولم يذكر شيئا في هذا الباب يدل على أن الكفارة قبل الحنث أيضا ، فكأنه اكتفى بما ذكره قبل هذا الباب عن أبي النعمان عن حماد .

وهذا الحديث قد مر في مواضع كثيرة في فرض الخمس عن عبد الله بن عبد الوهاب ، وفي المغازي عن أبي نعيم ، وفي الذبائح عن أبي معمر وعن يحيى عن وكيع ، وفي النذور عن أبي معمر وعن قتيبة ، وسيأتي في التوحيد عن عبد الله بن عبد الوهاب ، ومضى أكثر الكلام في شرحه في باب لا تحلفوا بآبائكم .

وعلي بن حجر بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء السعدي ، مات سنة أربع وأربعين ومائتين ، وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية اسم أمه ، وأيوب هو السختياني ، والقاسم بن عاصم التميمي ، وزهدم بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء ، وأبو موسى هو عبد الله بن قيس الأشعري .

قوله : " وكان بيننا وبين هذا الحي " إلى قوله : " أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كلام زهدم مع تخلل بعض القول عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه ، لا يخفى على الناظر المتأمل ذلك .

وفي رواية الكشميهني : وكان بيننا وبينهم هذا الحي ، قال الكرماني : الظاهر أن يقال بينه يعني أبا موسى كما تقدم في باب لا تحلفوا بآبائكم ، حيث قال : كان بين هذا الحي من جرم وبين الأشعريين ، ثم قال : لعله جعل نفسه من أتباع أبي موسى كواحد من الأشاعرة ، وأراد بقوله بيننا أبا موسى وأتباعه الحقيقية والادعائية .

قوله : " إخاء " بكسر الهمزة وبالخاء المعجمة وبالمد أي صداقة ، قوله : " ومعروف " أي إحسان وبر ، قوله : " فقدم طعام " هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : فقدم طعامه أي وضع بين يديه .

قوله : " رجل من بني تيم الله " هو اسم قبيلة يقال لهم أيضا تيم اللات ، وهم من قضاعة .

قوله : " أحمر " صفة رجل أي لم يكن من العرب الخلص ، قوله : " كأنه مولى " قد تقدم في فرض الخمس كأنه من الموالي ، قوله : " فلم يدن " أي فلم يقرب إلى الطعام .

قوله : " ادن " بضم الهمزة وسكون الدال أمر من دنا يدنو .

قوله : " قذرته " بكسر الذال المعجمة وفتحها أي كرهته لأنه كان من الجلالة ، قوله : " أخبرك " مجزوم لأنه جواب الأمر ، قوله : " عن ذلك " أي عن الطريق في حل اليمين .

قوله : " أستحمله " أي أطلب منه ما نركبه ، قوله : " نعما " بفتح النون والعين المهملة ، قوله : " قال أيوب " هو السختياني أحد الرواة ، قوله : " والله لا أحملكم " قال القرطبي : فيه جواز اليمين عند المنع ورد السائل الملحف .

قوله : " بنهب " بفتح النون وسكون الهاء بعدها باء موحدة ، وأراد به الغنيمة .

قوله : " بخمس ذود " قد مر تفسيره عن قريب ، وقد مر في المغازي : بستة أبعرة ، ولا منافاة إذ ذكر القليل لا ينفي الكثير .

قوله : " غر الذرى " أي بيض الأسنمة ، و" الغر " بضم الغين المعجمة وتشديد الراء جمع أغر أي أبيض ، و" الذرى " بضم الذال المعجمة وفتح الراء المخففة جمع ذروة ، وذروة الشيء أعلاه وأراد بها السنام .

قوله : " فاندفعنا " أي سرنا مسرعين ، والدفع السير بسرعة .

قوله : " والله لئن تغفلنا " أي لئن طلبنا غفلته في يمينه [ ص: 227 ] من غير أن نذكره لا نفلح أبدا ، وفي رواية عبد الوهاب وعبد السلام ، فلما قبضناها قلنا : تغفلنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، لا نفلح أبدا .

وفي رواية حماد : فلما انطلقنا قلنا : ما صنعنا ؟ لا يبارك لنا ولم يذكر النسيان ، وفي رواية غيلان : لا يبارك الله لنا . وخلت رواية يزيد عن هذه الزيادة كما خلت عما بعدها إلى آخر الحديث .

قوله : " فلنذكره " من الإذكار أو من التذكير أي فلنذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه ، قوله : " أو فعرفنا " شك من الراوي .

قوله : " لا أحلف على يمين " أي محلوف يمين ، فأطلق عليه لفظ يمين للملابسة ، وقال ابن الأثير : أطلق اليمين ، فقال : أحلف أي أعقد شيئا بالعزم والنية .

وقوله : " على يمين " تأكيد لعقده وإعلام بأنه ليس لغوا ، قوله : " غيرها " يرجع الضمير لليمين المقصود منها المحلوف عليه مثل الخصلة المفعولة أو المتروكة ; إذ لا معنى لإطلاق إلا أحلف على الحلف ، قوله : " وتحللتها " أي كفرتها .

وفيه حجة للحنفية ، قال الكرماني : الحنث معصية ، ثم قال : لا خلاف في أنه إذا أتى بما هو خير من المحلوف عليه لا يكون معصية .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث