الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1765 435 - حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة مولى زياد قال: سمعت أبا سعيد وقد غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة غزوة، قال: أربع سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال: يحدثهن عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأعجبنني وآنقنني: أن لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم يومين؛ الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين؛ بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الأقصى.

التالي السابق


مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: " لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو محرم" وجه ذلك أنه إذا منعت من السفر هذه المدة بهذا الشرط، فالسفر أعم من أن يكون للحج أو غيره، وقد مضى هذا الحديث في كتاب الصلاة في باب مسجد بيت المقدس، فأخرجه عن أبي الوليد، عن شعبة، عن عبد الملك.. إلى آخره، وفيه بعض نقصان، فالناظر يعتبره، وقد مضى الكلام فيه مستوفى هناك.

قوله: " يحدثهن" ووقع عند الكشميهني بلفظ: " أو قال أخذتهن" بالخاء والذال المعجمتين، من الأخذ، ومعناه: حملتهن عنه. قوله: " وآنقنني" بفتح النونين وسكون القاف بلفظ جمع مؤنث ماض من باب الإفعال؛ أي: أعجبنني الكلمات الأربع، وقال النووي: كرر المعنى باختلاف اللفظ، والعرب تفعل ذلك كثيرا؛ للبيان والتوكيد؛ كقوله تعالى: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة قوله: " أو ذو محرم" ، كذا هو في رواية الأكثرين، وعن أبي ذر في بعض النسخ: " أو ذو محرم محرم" الأول: بفتح الميم وتخفيف الراء المفتوحة، والثاني: بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة؛ أي: محرم عليها.

وهذا الحديث مشتمل على أربعة أحكام: الأول سفر المرأة، وقد مضى الكلام فيه، الثاني: منع صوم الفطر والأضحى، وسيأتي بحث ذلك في كتاب الصيام، الثالث: منع الصلاة بعد الصبح والعصر، وقد تقدم بحثه في أواخر كتاب الصلاة، الرابع: منع شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب مسجد بيت المقدس.

قوله: " أن لا تسافر" بالرفع لا غير؛ لأن كلمة "أن" مفسرة لا ناصبة. قوله: " ليس معها زوجها" ، وفي حديث أبي معبد: " لا تسافر [ ص: 224 ] المرأة إلا مع ذي محرم"، فمفهومه أنها لا تسافر مع الزوج، ولا يعتبر هذا المفهوم؛ لأنه مفهوم المخالفة، وهو ساقط إذا كان للكلام مفهوم الموافقة، وهاهنا السفر مع الزوج بطريق الأولى. قوله: " ولا صوم يومين" ؛ "صوم" اسم "لا"، و"يومين" خبره؛ أي لا صوم في هذين اليومين، ويجوز أن يكون "صوم" مضافا إلى يومين، والتقدير: لا صوم يومين ثابت أو مشروع.

ذكر اختلاف مدة السفر الممنوعة، ففي رواية أبي سعيد في حديث الباب: " مسيرة يومين"، وروي عنه: " لا تسافر ثلاثا"، وروي عنه أيضا: " لا تسافر فوق ثلاث"، وروي عن أبي هريرة: " لا تسافر ثلاثا"، وروي عنه: " لا تسافر يوما وليلة"، وروي عنه: " لا تسافر يوما"، وروي: " لا تسافر بريدا"، وروي عن ابن عمر: " لا تسافر ثلاثا"، وروي عنه: " لا تسافر فوق ثلاث"، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: " لا تسافر ثلاثا"، رواه الطحاوي والعدني في مسنده، وقال القاضي عياض: هذا كله ليس بتنافر، ولا يختلف، وقد يكون هذا في مواطن مختلفة، ونوازل متفرقة، فحدث كل من سمعها بما بلغه منها وشاهده، وإن حدث بها واحد فحدث مرات بها على اختلاف ما سمعها، وقد يمكن أن يلفق بينها بأن اليوم المذكور مفرد، أو الليلة المذكورة مفردة، بمعنى اليوم والليلة المجموعين؛ لأن اليوم من الليل والليل من اليوم، ويكون ذكره يومين مدة مغيبها في هذا السفر في السير والرجوع، فأشار مرة بمسافة السفر، ومرة بمدة المغيب، وهكذا ذكر الثلاث، فقد يكون اليوم الوسط بين السير والرجوع الذي يقضي حاجتها بحيث سافرت له، فتتفق على هذا الأحاديث، وقد يكون هذا كله تمثيلا لأقل الأعداد للواحد؛ إذ الواحد أول العدد وأقله، والاثنان أول التكثير وأقله، والثلاث أول الجمع، فكأنه أشار إلى أن مثل هذا في قلة الزمن لا يحل لها السفر فيه مع غير ذي محرم، فكيف بما زاد؟ ولهذا قال في الحديث الآخر: " ثلاثة أيام فصاعدا".

وبحسب اختلاف هذه الروايات اختلف الفقهاء في تقصير المسافة، وأقل السفر. انتهى.

وقال الطحاوي: حديث الثلاث واجب استعماله على كل حال، وما خالفه فقد يجب استعماله إن كان هو المتأخر، ولا يجب إن كان هو المتقدم، فالذي وجب علينا استعماله والأخذ به في كلا الوجهين أولى مما يجب استعماله في حال، وتركه في حال.

(فإن قلت): في هذا الباب رواية ابن عباس غير مضطربة، ورواية غيره ممن ذكرناهم الآن مضطربة، فكان الأخذ برواية من روى عنه سالما من الاضطراب أولى من رواية من اضطربت الرواية عنه، فحينئذ الأخذ برواية ابن عباس أولى؛ لما ذهب إليه النخعي والشعبي، وقد ذكرنا أن مذهب هذين، ومذهب طاوس، والظاهرية عدم جواز سفر المرأة مطلقا، سواء كان السفر قريبا أو بعيدا، إلا ومعها ذو محرم لها.

(قلت): رواية غير ابن عباس زادت على رواية ابن عباس، فالأخذ بالزائد أولى، ولكن الزائد في نفسه مختلف، فرجح خبر الثلاث لما ذكره الطحاوي الذي مضى الآن.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث