الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول النبي إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا

1810 18 - (حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم - أو قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين).

التالي السابق


مطابقته للترجمة ظاهرة، وآدم هو ابن أبي إياس، ومحمد بن زياد بكسر الزاي وخفة الياء آخر الحروف، مر في غسل الأعقاب، والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضا عن عبد الله بن معاذ عن أبيه، وأخرجه النسائي فيه عن مؤمل بن هشام، وعن محمد بن عبد الله بن يزيد عن أبيه، الكل عن شعبة به، وقد اعترض الإسماعيلي بقوله: روى الشيخ هذا الحديث عن آدم عن شعبة وقال فيه: " فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"، وقد رويناه عن غندر، وابن مهدي، وابن علية، وعيسى بن يونس، وشبابة، وعاصم بن علي، والنضر بن شميل، ويزيد بن هارون، وأبي داود، كلهم عن شعبة، لم يذكر أحد منهم: " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما"، هذا يجوز أن يكون آدم رواه على التفسير من عنده للخبر، وإلا فليس لانفراد أبي عبد الله عنه بهذا من بين من رواه عنه، ومن بين سائر من ذكرنا ممن روى عن شعبة وجه، وإن كان المعنى صحيحا، ورواه المقبري عن ورقاء عن شعبة على ما ذكرناه أيضا. انتهى. (قلت): حاصله أنه وقع للبخاري إدراج التفسير في نفس الخبر.

(ذكر معناه) قوله: " أو قال: أبو القاسم" شك من الراوي. قوله: " لرؤيته" اللام فيه للتوقيت، كما في قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس أي: وقت دلوكها، والمراد من قوله: " صوموا لرؤيته" رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل الناس. قال النووي: بل يكفي من جميع الناس رؤية عدلين، وكذا عدل على الأصح، هذا في الصوم، وأما في الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور جوزه بعدل واحد. (قلت): قال أصحابنا: وإذا كان بالسماء علة؛ قبل الإمام شهادة الواحد العدل في رؤية هلال رمضان رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدا؛ لأنه أمر ديني، وقول العدل في الديانات مقبول. وفي التحفة، والطحاوي: يكتفى بالعدالة الظاهرة. وفي الذخيرة: وإن كان فاسقا. (قلت): هذا بعيد جدا، وفي الذخيرة: عن أبي جعفر الفقيه قبول قول الواحد في صوم رمضان، سواء كان بالسماء علة أم لا، وعن الحسن أنه قال: يحتاج إلى شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، سواء كان بالسماء علة أم لا. وفي البدائع: يقبل قول الواحد في رمضان إذا كان بالسماء علة بلا خلاف بين أصحابنا. وفي الروضة: ذكر في الهاروني أنه تقبل شهادة الواحد بالصوم والسماء مصحية عن أبي حنيفة خلافا لهما. وفي المحيط: وينبغي أن يفسر جهة الرؤية، فإن احتمل رؤيته يقبل، وإلا فلا، والمذهب عند الشافعية ثبوته بعدل واحد، ولا فرق بين الغيم وعدمه عندهم، ولا يقبل قول العبد والمرأة في الأصح، ويقبل قول المستور في الأصح، وقال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وداود: يشترط المثنى، وقال الثوري: رجلان أو رجل وامرأتان. وقال أحمد: يصوم بواحد عند عدم الغيم، ويقبل خبر حرين أو حر وحرتين للفطر إذا كانت بالسماء علة، وإلا فجمع عظيم يقع العلم بخبرهم، وقيل: أهل المحلة، وقيل: خمسون رجلا كالقسامة، وعن خلف بن أيوب: خمسمائة ببلخ، وهلال الأضحى كالفطر، وقيل: مائة، ذكرها في خزانة الأكمل، وإذا حال دون المطلع غيم أو قترة ليلة الثلاثين من شعبان، لأحمد فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: يجب صومه على أنه من رمضان، والثاني: لا يجوز فرضا ولا نفلا مطلقا، بل قضاء وكفارة [ ص: 282 ] ونذرا ونفلا يوافق عادة، وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز عن فرض رمضان، ويجوز عما سوى ذلك، والثالث: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر.

قوله: " فإن غبي" ؛ أي: الهلال، من الغباوة، وهو عدم الفطنة، يقال: غبي علي، بالكسر؛ إذا لم تعرفه، وهي استعارة لخفاء الهلال، وهو من باب علم يعلم، وقال ابن الأثير: وروي غبي بضم الغين وتشديد الباء المكسورة لما لم يسم فاعله، قال: غبي، بالفتح والتخفيف، وغبي، بالضم والتشديد، من الغباء، شبه الغبرة في السماء، وفي رواية المستملي: " فإن غم" بضم الغين المعجمة وتشديد الميم، قيل: معناه: حال بينكم وبينه غيم، يقال: غممت الشيء؛ إذا غطيته. وقال ابن الأثير: وفي "غم" ضمير الهلال، ويجوز أن يكون "غم" مسندا إلى الظرف؛ أي: فإن كنتم مغموما عليكم فأكملوا، وترك ذكر الهلال للاستغناء عنه، وفي رواية الكشميهني: " أغمي" على صيغة المجهول، من الإغماء بالغين المعجمة، يقال: أغمي عليه الخبر؛ إذا استعجم. وفي رواية السرخسي: " غمي" بضم الغين المعجمة وتشديد الميم، من التغمية، وهو الستر والتغطية. ونقل ابن العربي أنه روي: "عمي" بفتح العين المهملة، من العمى، قال: وهو بمعناه؛ لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات، أو ذهاب البصيرة عن المعقولات. قوله: " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" ، وفي حديث عبد الله بن عمر الذي مضى قبل هذا الحديث: " فأكملوا العدة ثلاثين"، ولم يذكر فيه شعبان ولا غيره، ولم يخص شهرا دون شهر بالإكمال إذا غم، فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك؛ إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبينه، فلا يكون رواية من روى: " فأكملوا عدة شعبان" مخالفا لمن قال: "فأكملوا العدة" بل مبينة لها، ويؤيد ذلك ما رواه أصحاب السنن، وأحمد، وابن خزيمة، وأبو يعلى من حديث ابن عباس: " فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا". ورواه الطيالسي من هذا الوجه بلفظ: " ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان".



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث