الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا وهب شيئا لوكيل أو شفيع قوم جاز

2184 8 - حدثنا سعيد بن عفير ، قال : حدثني الليث قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال : وزعم عروة أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة قال : أخبراه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين ، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 137 ] أحب الحديث إلي أصدقه ، فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال ، وقد كنت استأنيت بكم ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف ، فلما تبين لهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا : فإنا نختار سبينا ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسلمين ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤنا تائبين ، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا ، فليفعل ، فقال الناس : قد طيبنا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن ، فارجعوا حتى يرفعوا إلينا عرفاؤكم ، فرجع الناس ، فكلمهم عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبروه أنهم قد طيبوا ، وأذنوا .

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله - صلى الله عليه وسلم - فيه : " وإني أردت أن أرد إليهم سبيهم ، الحديث . وقد ذكرنا عن قريب أن وفد هوازن كانوا وكلاء وشفعاء في رد سبيهم ، فهذا يطابق الترجمة .

( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : سعيد بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء ، وهو سعيد بن كثير بن عفير أبو عثمان . الثاني : الليث بن سعد . الثالث : عقيل بضم العين ابن خالد . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : عروة بن الزبير بن العوام . السادس : مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي . قال الواقدي إنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يحفظ عنه شيئا ، وتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ابن ثمان سنين . السابع : المسور بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو ، وفي آخره راء ابن مخرمة بفتح الميم والراء وسكون الخاء المعجمة بينهما ابن نوفل الزهري ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - .

( ذكر لطائف إسناده ) :

فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضعين .

وفيه : الإخبار بصيغة التثنية في موضع .

وفيه : العنعنة في موضع .

وفيه : القول في أربعة مواضع ، الرابع هو قوله : " زعم " ; لأن زعم هاهنا بمعنى قال ، قال الكرماني : والزعم يستعمل في القول المحقق .

وفيه : أن شيخه مذكور بنسبته إلى جده ، وأنه والليث مصريان ، وأن عقيلا أيلي ، والبقية مدنيون ، وأن مروان من أفراده .

( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الخمس ، وفي المغازي عن سعيد بن عفير ، وفي العتق والهبة عن سعيد بن أبي مريم ، وفي الهبة والمغازي أيضا عن يحيى بن بكير ، وفي المغازي أيضا عن إسحاق عن يعقوب بن إبراهيم ، وفي الأحكام عن إسماعيل بن أبي أويس ، وأخرجه أبو داود في الجهاد عن أحمد بن سعيد ، وأخرجه النسائي في السير عن هارون بن موسى بقصة العرفاء مختصرة .

( ذكر معناه ) :

قوله : " وفد هوازن " الوفد هم القوم يجتمعون ويريدون البلاد ، واحدهم وافد ، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة ، واسترفاد وانتجاع ، وغير ذلك ، تقول : وفد يفد ، فهو وافد ، وأوفدته ، فوفد ، وأوفد على الشيء ، فهو موفد إذا أشرف وهوازن مر تفسيره عن قريب . قوله : " مسلمين " حال . قوله : " أحب الحديث " كلام إضافي مبتدأ وخبره هو . قوله : " أصدقه " . قوله : " استأنيت بهم " ، أي : انتظرت بهم وتربصت ، يقال : أنيت وتأنيت ، واستأنيت ، ويقال للمتمكث في الأمر مستأن ، ويروى : فقد كنت استأنيت بكم . قوله : " فلما تبين لهم " ، أي : فحين ظهر لهم . وقوله : " أن رسول الله " في محل الرفع ، فاعل تبين . قوله : " حين قفل من الطائف " ، أي : حين رجع وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة في رمضان لعشر بقين منه سنة ثمان ، ثم خرج إلى هوازن في خامس شوال لغزوهم وجرى ما جرى وهزم الله تعالى أعداءه ، ثم سار إلى الطائف حين فرغ من حنين وهي غزوة هوازن يوم حنين ، ونزل قريبا من الطائف ، فضرب به عسكره . وقال ابن إسحاق : حاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف ثلاثين ليلة ، ثم انصرف عنهم لتأخر الفتح إلى العام القابل ، ولما انصرف عن الطائف [ ص: 138 ] نزل على الجعرانة ، فيمن معه من الناس ، ولما نزل على الجعرانة انتظر وفد هوازن بضع عشرة ليلة ، وهو معنى قوله في الحديث " انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف " ، ثم جرى ما ذكر في الحديث . قوله : " أن يطيب " من الثلاثي من طاب يطيب ومن باب أطاب يطيب ، ومن باب التفعيل من طيب يطيب ، قال الكرماني : يعني : يرد السبي مجانا برضا نفسه وطيب قلبه ، وفي التوضيح : أراد أن يطيب أنفسهم لأهل هوازن بما أخذ منهم من العيال لرفع الشحناء والعداوة ، ولا تبقى إحنة الغلبة لهم في انتزاع السبي منهم في قلوبهم ، فيولد ذلك اختلاف الكلمة . ( قلت ) : المعنى على كونه من الثلاثي أن يطيب نفسه بذلك ، أي : يدفع السبي إليهم ، فليفعل ، وهو جواب من المتضمنة معنى الشرط ، فلذلك حصلت فيه الفاء ، والفعل هنا لازم وعلى كونه من باب الإفعال أو التفعيل يكون الفعل متعديا ، والمفعول محذوفا ، تقديره : أن يطيب نفسه بذلك بضم الياء وكسر الطاء وسكون الياء ، وأن يطيب بضم الياء وفتح الطاء ، وتشديد الياء . قوله : " على حظه " ، أي : على نصيبه من السبي . قوله : " ما يفيء الله " من أفاء يفيء من باب أفعل يفعل من الفيء ، وهو ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد ، وأصل الفيء الرجوع ، يقال : فاء يفيء ، فيئة وفيوأ ، كأنه كان في الأصل لهم ، فرجع إليهم ، ومنه قيل للظل الذي بعد الزوال فيء ; لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق . قوله : " قد طيبنا ذلك لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم " ، أي : لأجله ، ويروى يا رسول الله قوله : " حتى يرفع إلينا عرفاؤكم " العرفاء جمع عريف ، وهو الذي يعرف أمر القوم ، وأحوالهم ، وهو النقيب ، وهو دون الرئيس ، وفي التلويح : العريف القيم بأمر القبيلة والمحلة يلي أمرهم ويعرف الأمير حالهم ، وهو مبالغة في اسم من يعرف الجند ونحوهم ، فعيل بمعنى فاعل ، والعرافة عمله ، وهو النقيب . وقيل : النقيب ، فوق العريف ، وإنما قال صلى الله عليه وسلم حتى يرجع إلينا عرفاؤكم للتقصي عن أصل الشيء في استطابة النفوس ، ويروى : حتى يرفعوا إلينا على لغة أكلوني البراغيث . قوله : " أخبروه " ، أي : وأخبر عرفاؤهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم قد طيبوا ذلك ، وأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد السبي إليهم .

( ذكر ما يستفاد منه ) :

فيه أن الغنيمة إنما يملكها الغانمون بالقسمة ، وهو قول الشافعي ، واستفيد ذلك من انتظاره صلى الله تعالى عليه وسلم .

وفيه : دليل أيضا على استرقاق العرب وتملكهم كالعجم ، إلا أن الأفضل عتقهم للترحم ومراعاتها كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه في خلافته حين ملك المرتدين ، وهو على وجه الندب لا على الوجوب .

وفيه : أن العوض إلى أجل مجهول جائز ، قاله ابن التين ، قال : إذ لا يدري متى يفيء الله عليهم ، قال : وقال بعضهم : يمكن أن يقاس عليه من أكره على بيع ماله في حق عليه ، قال ابن بطال : فيه بيع المكره في الحق جائز ; لأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - حكم دبر السبي قال : من أحب أن يكون على حظه ، ولم يجعل لهم الخيار في إمساك السبي أصلا ، وإنما خيرهم في أن يعوضهم من غنائم أخر ، ولم يخيرهم في أعيان السبي ; لأنه قال لهم بعد أن رد أهلهم وإنما خيرهم في إحدى الطائفتين لئلا تجحف بالمسلمين في مغانمهم .

وفيه : أنه يجوز للإمام إذا جاءه أهل الحرب مسلمين بعد أن غنم أموالهم ، وأهليهم أن يرد عليهم إذا رأى في ذلك مصلحة .

وفيه : اتخاذ العرفاء .

وفيه : قبول خبر الواحد .

وفيه : من رأى قبول إقرار الوكيل على موكله ; لأن العرفاء كانوا كالوكلاء ، فيما أقيموا له من أمرهم ، فلما سمع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مقالة العرفاء أنفذ ذلك ، ولم يسألهم عما قالوه ، وكان في ذلك تحريم فروج السبايا على من كانت حلت له ، وإليه ذهب أبو يوسف . وقال أبو حنيفة : إقرار الوكيل جائز عند الحاكم ولا يجوز عند غيره . وقال مالك : لا يقبل إقراره ولا إنكاره إلا أن يجعل ذلك إليه موكله . وقال الشافعي : لا يقبل إقراره عليه ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث