الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 490 ] 13 - ومن سورة الرعد

وقال ابن عباس: كباسط كفيه مثل المشرك الذي عبد مع الله إلها غيره كمثل العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد، وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر. وقال غيره: (سخر) ذلل. متجاورات متدانيات. المثلات واحدها مثلة وهي الأشباه والأمثال، وقال: إلا مثل أيام الذين خلوا . بمقدار بقدر معقبات ملائكة حفظة تعقب الأولى منها الأخرى، ومنه قيل العقيب. يقال عقبت في إثره، المحال: العقوبة. كباسط كفيه إلى الماء ليقبض على الماء. رابيا من ربا يربو. أو متاع: زبد المتاع ما تمتعت به. جفاء أجفأت القدر إذا غلت فعلاها الزبد، ثم تسكن فيذهب الزبد بلا منفعة، فكذلك يميز الحق من الباطل. المهاد الفراش. (يدرءون) يدفعون درأته دفعته. سلام عليكم أي يقولون سلام عليكم. وإليه متاب توبتي. أفلم ييأس لم يتبين. قارعة داهية فأمليت أطلت من الملي والملاوة ومنه مليا، ويقال للواسع الطويل من الأرض ملى من الأرض أشق أشد من المشقة معقب مغير. وقال مجاهد: متجاورات طيبها، وخبيثها السباخ، صنوان النخلتان أو أكثر في أصل واحد وغير صنوان وحدها بماء واحد بماء واحد كصالح بني آدم وخبيثهم، أبوهم واحد، السحاب الثقال الذي فيه الماء كباسط كفيه يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدا، سالت أودية بقدرها: تملأ بطن واد، زبدا رابيا زبد السيل خبث الحديد والحلية.

التالي السابق


هي مدنية غير آية ولو أن قرآنا [الرعد: 31] وقيل: مكية، وقال

[ ص: 491 ] مقاتل : مكية ومدنية خلط، ونقل القرطبي عنه: أنها مدنية، وقال السخاوي : نزلت بالمدينة كما قاله عطاء ، وبعد سورة (ق) وقبل سورة الرحمن، وقد اختلف في خمس آيات منها.

فائدة:

وللترمذي -وقال: غريب- من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن اليهود سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرعد، ما هو؟ قال: "ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوقه حيث شاء الله" قالوا: ما هذا الصوت؟ قال: "زجره السحاب إذا زجره" قالوا: صدقت.

أخرى: للحاكم -وقال: صحيح الإسناد- من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا: "لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولم أسمعهم صوت الرعد".

(ص) (وقال ابن عباس : كباسط كفيه إلى الماء مثل المشرك الذي عبد مع الله إلها غيره، كمثل العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد، وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر)

هذا رواه أبو محمد بن أبي حاتم ، عن أبيه، عن أبي صالح ، عن معاوية ، عن علي، عنه.

[ ص: 492 ] ثم قال: -أعني البخاري - (وقال غيره: (سخر) : ذلل).

قال ابن التين: عند الشيخ أبي الحسن: ولا يقدره. وعند غيره: ولا يقدر، وهما صحيحان، يقال: قدرت الشيء أقدر وأقدره. وقوله بعد ذلك: ( كباسط كفيه يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا) وهو قول مجاهد ، وقيل: إن الذي يدعو إلى الأصنام بمنزلة القابض على الماء لا يحصل له شيء.

(ص) ( متجاورات : متدانيات) وذكر بعد عن مجاهد : (طيبها وخبيثها السباخ). وهذا رواه ابن المنذر من حديث ابن أبي نجيح ، عنه، وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات، كقوله: سرابيل تقيكم الحر [النحل: 81] أي: والبرد، حذف للعلم به، والمتجاورات: المدن، وما كان عامرا، أو غيرها الصحاري، وما كان غير عامر .

(ص) (الأغلال واحدها غل، ولا تكون الأغلال إلا في الأعناق).

قلت: يقال منه: غل الرجل فهو مغلول.

(ص) ( المثلات : واحدها مثلة وهي الأشباه والأمثال. وقال إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ) قلت: يقال للعقوبة: مثل مثلة، قال ابن الأنباري : وهي العقوبة التي تبقي في المعاقب شينا بتغيير بعض خلقه.

[ ص: 493 ] (ص) ( بمقدار : بقدر) قلت: قال ابن عباس : مقدار كل شيء يقدره تقديرا، ما يكون قبل أن يكون، وكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.

(ص) ( معقبات : ملائكة حفظة يعقب الأول منها الآخر، ومنه: العقيب. يقال: عقبت في إثره) قلت: ومعنى حفظة: يحفظون عليه كلامه وفعله، يحفظونه من أمر الله أي: بإذن الله، والأحسن كما قال ابن التين: أنه أراد ملائكة الليل والنهار، كأنهم يتعاقبون فيها، كما بينه في الحديث السالف: "يتعاقبون فيكم".

وقوله: (ويقال: عقبت في إثره)، وجدته بخط الدمياطي بتشديد القاف. وقال ابن التين: هو بفتح القاف وتخفيفها. قال: وضبطه بعضهم بتشديدها، وفي بعض النسخ بكسرها ولا وجه له، إلا أن يكون لغة.

(ص): (المحال: العقوبة)، قلت: وقيل: قوي الكيد، وفيه أقوال أخر: الحول، الحيلة، المكر، الجدال، ضمته أصلية أو زائدة قولان، وقرأ الأعرج والضحاك بضم الميم من المحالة الحيلة. قال أبو العباس : وأصله من قولهم: محل بفلان: يسعى به إلى السلطان وغرضه الهلاك، ومن جعلها زائدة، قال: أصله من الحول، وقيل: بالفتح زائد، وبالكسر أصلية.

(ص) ( كباسط كفيه : ليقبض على الماء) أي: كماد.

(ص) ( رابيا : من ربا يربو) أي: في السماء.

[ ص: 494 ] (ص) ( أو متاع زبد المتاع: ما تمتعت به) قلت: وقال مجاهد : المتاع: الحديد والنحاس والرصاص، وقال غيره: الذي يوقد عليه.

(ص) في النار ابتغاء حلية : الذهب والفضة.

(ص) ( جفاء : أجفأت القدر: إذا غلت فعلاها الزبد، ثم تسكن فيذهب الزبد بلا منفعة، فكذلك يميز الحق من الباطل) قلت: الجفا: ما بدأه السيل، جفا الوادي جفاء إذا رمى، وأجفأ لغة قليلة، وكذا أجفأت القدر إذا كفأتها وأملتها فصببت ما فيها، ولا تقل أجفأتها، والمعنى: أن الباطل وإن علا في وقت فمآله إلى اضمحلال.

(ص) ( المهاد : الفراش) كما قال.

(ص) ((يدرءون): يدفعون، درأته: دفعته) قلت: قال ابن عباس : يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل، كما روي أنه - عليه السلام - قال لمعاذ بن جبل : "إذا عملت سيئة فاعمل حسنة بجنبها تمحها" قال ابن كيسان : هو أنهم كلما أذنبوا تابوا ليدفعوا بالتوبة معرة الذنب.

(ص) ( سلام عليكم : أي: يقولون سلام عليكم) أي: سلمكم الله من أهوال يوم القيامة وشرها، بصبركم في الدنيا على طاعته.

(ص) ( وإليه متاب : إليه توبتي) أي: رجوعي.

(ص) ( أفلم ييأس الذين آمنوا : ألم يتبين) قلت: وقال ابن عباس : أفلم يعلم.

[ ص: 495 ] قال الكلبي : ييأس: يعلم في لغة الحجاز والنخع، وهو قول مجاهد والحسن وقتادة .

(ص) ( قارعة : داهية) أي: تقرعهم مصيبة شديدة بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة، وقال أبو سعيد الخدري ومجاهد : في السرايا التي كان - عليه السلام - يبعثها إليهم.

(ص) (أمليت: أطلت لهم من الملي والملاوة ومنه مليا، ويقال للواسع الطويل من الأرض: ملى) قلت: الملا مقصور غير مهموز -بفتح الميم- يكتب بالألف: الصحراء الواسعة لا نبت فيها ولا جبل، والملاوة -بضم الميم وفتحها -أي: قد أطيل في عمره.

(ص) ( أشق : أشد من المشقة) أي: […].

(ص) ( معقب : مغير) قلت: قال ابن عباس : لا ناقض لحكمه. وقال الفراء : لا راد له، وهما بمعناه، والمعقب: الذي يتبع الشيء فيستدركه، ولا يستدرك أحد على حكم الله.

(ص) ( صنوان : النخلتان أو أكثر في أصل واحد وغير صنوان منفردة وحدها) قلت: هو جمع صنو، وقرئ بضم الصاد.

[ ص: 496 ] (ص) ( يسقى بماء واحد كصالح بني آدم وخبيثهم وأبوهم واحد) قلت: فالطبع لا أثر له والمؤثر.

(ص) (السحاب الثقال: الذي فيه الماء) هو كما قال.

(ص) ( فسالت أودية بقدرها : تملأ كل واد) من أودية جمع واد، وهو: كل منفرج بين جبلين يجتمع إليه ماء المطر فيسيل. والقدر: مبلغ الشيء، والمعنى: بقدرها من الماء، فإن صغر قل الماء، وإن اتسع كثر. قال ابن الأنباري : شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر، إذ نفع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب.

(ص) ( زبدا رابيا الزبد: زبد السيل خبث الحديد والحلية). سلف أيضا، أي: عاليا فوق الماء. قال ابن عباس : وهو الشك والكفر.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث