الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                238 239 ص: وقد قال بذلك جماعة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

                                                حدثنا ابن خزيمة ، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس بن مالك: " أن أصحاب أبي موسى الأشعري توضئوا وصلوا الظهر، فلما حضر العصر قاموا ليتوضئوا، فقال لهم: ما لكم، أحدثتم؟ فقالوا: لا. قال: الوضوء من غير حدث؟! ليوشك أن يقتل الرجل أباه، وأخاه، وعمه، وابن عمه، وهو يتوضأ من غير حدث" .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قال بعدم وجوب الوضوء لكل صلاة من غير حدث جماعة من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - فمن ذلك ما روي عن أبي موسى الأشعري ، واسمه: عبد الله بن قيس ، أخرجه الطحاوي عن محمد بن خزيمة بإسناد صحيح على شرط مسلم .

                                                وحجاج هو ابن المنهال ، وحماد هو ابن سلمة ، وأبو عمران اسمه عبد الملك بن حبيب البصري ، روى له الجماعة، والجوني نسبة إلى جون -بفتح الجميع، وسكون الواو، وفي آخره نون- أحد الأجداد.

                                                قوله: "ما لكم" استفهام على سبيل الإنكار، أي: ما لكم، أو ما أصابكم، فكأنه أنكر عليهم وضوءهم ذلك.

                                                قوله: "أحدثتم" أصله أأحدثتم بهمزة الاستفهام.

                                                قوله: "الوضوء من غير حدث" ارتفاع الوضوء بالابتداء، وخبره "من غير حدث" ومتعلقه محذوف، أي: الوضوء يفعل من غير حدث؟! وتكون الجملة في موضع الاستفهام على سبيل الإنكار، ويجوز أن يكون ارتفاعه بالفعل المحذوف، أي: هل يفعل الوضوء من غير حدث؟!

                                                [ ص: 406 ] ويجوز أن يكون منصوبا على تقدير: هل تفعلون الوضوء، أو تتوضئون الوضوء من غير حدث؟!

                                                فأنكر عليهم ذلك ونسبهم إلى الجهل، ثم بالغ في إنكاره بقوله: "ليوشك ... " إلى آخره.

                                                فقوله: "ليوشك" بكسر الشين، وفتحها لغة عامية، وهو من أفعال المقاربة.

                                                قال الجوهري أوشك فلان يوشك إيشاكا، أي أسرع، ومنه قولهم: يوشك أن يكون كذا، وفي "المطالع": حكى بعضهم: وشك - بضم الشين أي أسرع- وشكا ووشكانا بتثليث الواو فيهما، وأنكر الأصمعي أوشك.

                                                وخبرها فعل مضارع مقرون بـ"أن" غالبا، كعسى، وقد يجيء مجردا من "أن" كما فيما روى ابن ماجه في "سننه": أن رسول الله قال: "يوشك الرجل متكئا على أريكته (يأتيه الأمر من أمري) ... " الحديث.

                                                وقد علم أن أحد استعمالي "عسى" أن يذكر لها مرفوع فقط، فيستغني عن الخبر لاستعمال الاسم على المنسوب والمنسوب إليه، فكذلك "يوشك" ها هنا ذكر لها مرفوع فقط، وهو قوله: "أن يقتل الرجل أباه" كما تقول "عسى أن يخرج زيد" و"أن" مصدرية، والتقدير: قرب قتل الرجل أباه من الجهل، وهو يتوضأ من غير حدث، وهذه الجملة حال، أي حال كونه متوضئا من غير حدث، وهذه مبالغة عظيمة في غاية الإنكار، حتى جعل التوضؤ من غير حدث كقتل الوالد والأخ من الجهل. فإن قلت: هذا الإنكار العظيم يدل على أن الوضوء من غير حدث ذنب عظيم؟ قلت: إنكار أبي موسى - رضي الله عنه - إنما كان لأجل فعلهم بالجهل، واعتقادهم أن بوضوء واحد لا تجوز إلا صلاة واحدة، والدليل على ذلك ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه": عن معمر ، عن قتادة ، عن يونس بن [ ص: 407 ] جبير أبي غلاب ، عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، قال: "كنا مع أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - في جيش على ساحل دجلة ، إذ حضرت الصلاة، فنادى مناديه للظهر، فقام الناس إلى الوضوء، فتوضأ ثم صلى بهم، ثم جلسوا حلقا، فلما حضرت العصر نادى منادي العصر، فهب الناس للوضوء أيضا، فأمر مناديه: ألا لا وضوء إلا على من أحدث، قال: أوشك العلم أن يذهب، ويظهر الجهل، حتى يضرب الرجل أمه بالسيف من الجهل" انتهى.

                                                فهذا صريح على أن إنكاره إنما كان على فعلهم بالجهل، فلذلك أكد كلامه في الإنكار باللام، وتشبيه حال من يتوضأ من غير حدث بالجهل بحال من يقتل أباه أو أخاه بالجهل، ثم إنه خص الأب والأخ والعم وابن العم، ولم يشبه بقتل النفس مطلقا بالجهل، وإن كان القتل بالجهل كله حراما; زيادة للمبالغة أيضا; لأن قتل هؤلاء أعظم في النفس من قتل غيرهم، مع حرمان الإرث. ومن الدليل على ما قلنا أيضا:

                                                ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن وكيع ، عن أبي هلال ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال: "الوضوء من غير حدث اعتداء" .

                                                أي ظلم، إذا كان عن جهل مثل ما ذكرنا، وإلا فالوضوء على الوضوء نور على نور ، وقد ذكرنا ما رواه الطحاوي والترمذي من حديث عبد الله بن عمر "من توضأ على طهر كتب الله له بذلك عشر حسنات" .

                                                ولكن ذكروا أن هذا الثواب إنما يحصل إذا فصل بين الوضوءين بصلاة، أي صلاة كانت; لأنه لم ينقل عنه - عليه السلام - أنه توضأ لصلاة واحدة مرتين، قال أبو عمر في "التمهيد": لم يحفظ عنه - عليه السلام - قط أنه توضأ لصلاة واحدة مرتين، وإن كان توضأ لكل صلاة.




                                                الخدمات العلمية