الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل [ الوضوء من لحوم الإبل على وفق القياس ]

وأما قولهم " إن الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس ; لأنها لحم ، واللحم لا يتوضأ منه " فجوابه أن الشارع فرق بين اللحمين ، كما فرق بين المكانين ، وكما فرق بين الراعيين رعاة الإبل ورعاة الغنم فأمر بالصلاة في مرابض الغنم دون أعطان الإبل ، وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل دون الغنم ، كما فرق بين الربا والبيع والمذكى والميتة ، فالقياس الذي يتضمن التسوية بين ما فرق الله بينه من أبطل القياس وأفسده ، ونحن لا ننكر أن في الشريعة ما يخالف القياس بالباطل ، هذا مع أن الفرق بينهما ثابت في نفس الأمر ، كما فرق بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم فقال " الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل ، والسكينة في أصحاب الغنم " . وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطان ، وجاء أنها جن خلقت من جن ، ففيها قوة شيطانية ، والغاذي شبيه بالمغتذي ، ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ; لأنها دواب عادية ، فالاغتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذي من العدوان ما يضره في دينه ، فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها تلك القوة الشيطانية والشيطان خلق من نار والنار تطفأ بالماء ، هكذا جاء الحديث ، ونظيره الحديث الآخر { إن الغضب من الشيطان ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ } فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يطفئ تلك القوة الشيطانية فتزول تلك المفسدة ، ولهذا أمرنا بالوضوء مما مست النار إما إيجابا منسوخا ، وإما استحبابا غير منسوخ .

وهذا الثاني أظهر لوجوه : منها أن النسخ [ ص: 299 ] لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين ، ومنها أن رواة أحاديث الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة ، ومنها أن المعنى الذي أمرنا بالوضوء لأجله منها هو اكتسابها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي خلق منها والنار تطفأ بالماء ، وهذا المعنى موجود فيها ، وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب ، ومنها أن أكثر ما مع من ادعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه صلى الله عليه وسلم {أكل مما مست النار ولم يتوضأ } وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء ، لا على عدم استحبابه ، فلا تنافي بين أمره وفعله ، وبالجملة فالنسخ إنما يصار إليه عند التنافي ، وتحقق التاريخ ، وكلاهما منتف وقد يكون الوضوء من مس الذكر ومس النساء من هذا الباب ، لما في ذلك من تحريك الشهوة ، فالأمر بالوضوء منهما على وفق القياس ، ولما كانت القوة الشيطانية في لحوم الإبل لازمة كان الأمر بالوضوء منها لا معارض له من فعل ولا قول ، ولما كان في ممسوس النار عارضة صح فيها الأمر والترك ، ويدل على هذا أنه فرق بينها وبين لحوم الغنم في الوضوء ، وفرق بينها وبين الغنم في مواضع الصلاة ، فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل وأذن في الصلاة في مرابض الغنم ، وهذا يدل على أنه ليس ذلك لأجل الطهارة والنجاسة ، كما أنه لما أمر بالوضوء من لحوم الإبل دون لحوم الغنم علم أنه ليس ذلك لكونها مما مسته النار ، ولما كانت أعطان الإبل مأوى الشيطان لم تكن مواضع للصلاة كالحشوش ، بخلاف مباركها في السفر ، فإن الصلاة فيها جائزة ; لأن الشيطان هناك عارض ، وطرد هذا المنع من الصلاة في الحمام ; لأنه بيت الشيطان .

وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان ، والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل ، فإذا عقل المعنى لم يكن بد من تعديته ، ما لم يمنع منه مانع ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث