الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل مثل مما جمع فيه القياسيون بين المتفرقات

وقلتم : لو اقتدى المسافر بالمقيم بعد خروج الوقت لا يصح اقتداؤه ، ولو اقتدى المقيم بالمسافر بعد خروج الوقت صح اقتداؤه [ ص: 224 ] وهذا تفريق بين متماثلين ، ولو ذهب ذاهب إلى عكسه لكان من جنس قولكم سواء ، ولأمكنه تعليله بنحو ما عللتم به .

ووجهتم الفرق بأن من شرط صحة اقتداء المسافر بالمقيم أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه ، وبخروج الوقت استقر الفرض عليه استقرارا لا يتغير بتغير حاله فبقي فرضه ركعتين ، فلو جوزنا له اقتداءه بالمقيم بعد خروج الوقت جوزنا اقتداء من فرضه ركعتان بمن فرضه أربع . وهذا لا يصح ، كمصلي الفجر إذا اقتدى بمصلي الظهر ، وليس كذلك المقيم إذا اقتدى بالمسافر بعد خروج الوقت ، إذ ليس من شرط صحة اقتداء المقيم بالمسافر أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه ، بدليل أنه لو اقتدى به في الوقت لم ينتقل فرضه إلى فرض إمامه ، بخلاف المسافر ، فإنه لو اقتدى بالمقيم في الوقت انتقل فرضه إلى فرض إمامه .

ثم ناقضتم وقلتم : إذا كان الإمام مسافرا وخلفه مسافرون ومقيمون فاستخلف الإمام مقيما فإن فرض الإمام لا ينتقل إلى فرض إمامه وهو فرض المقيمين ، مع أن الفرق في الأصل مدخول . وذلك أن الصلاتين سواء في الاسم والحكم والوضع والوجوب ، وإن اختلفتا في كون الإمام مصليا ، فإذا صلى الإمام أربعا وجب على المأموم أن يصلي بصلاته كما لو كان في الوقت ، وخروج الوقت لا أثر له في ذلك ، فإن الذي فرضه الله عليه في الوقت هو بعينه فرضه بعد الوقت ، ولا سيما إذا كان نائما أو ناسيا ، فإن وقت اليقظة والذكر هو الوقت الذي شرع الله له الصلاة فيه ، وعذر السفر قائم ، وارتباط صلاته بصلاة الإمام حاصل ، فما الذي فرق بين الصورتين مع اتحاد السبب الجامع وقيام الحكمة المجوزة للقصر والمرجحة لمصلحة الاقتداء عند الانفراد ؟ وفرقتم بين ما جمعت الشريعة بينهما - وهو الحيض ، والنفاس ، فجعلتم أقل الحيض محدودا إما بثلاثة أيام أو بيوم وليلة أو بيوم ، ولم تجدوا أقل النفاس ، وكلاهما دم خارج من الفرج يمنع أشياء ويوجب أشياء ، وليسا اسمين شرعيين لم يعرفا إلا بالشريعة ، بل هما اسمان لغويان ، رد الشارع أمته فيهما إلى ما يتعارفه النساء حيضا ونفاسا ، قليلا كان أو كثيرا . وقد ذكرتم هذا بعينه في النفاس ، فما الذي فرق بينه وبين الحيض ؟ ولم يأت عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض بحد أبدا ، ولا في القياس ما يقتضيه .

والعجب أنكم قلتم : المرجع فيه إلى الوجود حيث لم يحده الشارع ، ثم ناقضتم فقلتم : حد أقله يوم وليلة .

وأما أصحاب الثلاث فإنما اعتمدوا على حديث توهموه صحيحا وهو غير صحيح [ ص: 225 ] باتفاق أهل الحديث ، فهم أعذر من وجه ، قال المفرقون : بل فرقنا بينهما بالقياس الصحيح ، فإن للقياس علما ظاهرا يدل على خروجه من الرحم وهو تقدم الولد عليه ، فاستوى قليله وكثيره ، لوجود علمه الدال عليه ، وليس مع الحيض علم يدل على خروجه من الرحم ، فإذا امتد زمنه صار امتداده علما ودليلا على أنه حيض معتاد ، وإذا لم يمتد لم يكن معنا ما يدل عليه أنه حيض فصار كدم الرعاف .

ثم ناقضوا في هذا الفرق نفسه أبين مناقضة ، فقال أصحاب الثلاث : لو امتد يومين ونصف يوم دائما لم يكن حيضا حتى يمتد ثلاثة أيام .

وقال أصحاب اليوم : لو امتد من غدوة إلى العصر دائما لم يكن حيضا حتى يمتد إلى غروب الشمس ، فخرجوا بالقياس عن محض القياس .

وقلتم : إذا صلى جالسا ثم تشهد في حال القيام سهوا فلا سجود عليه ، وإن قرأ في حال التشهد فعليه السجود ، وهذا فرق بين متساويين من كل وجه ، وقلتم : إذا افتتح الصلاة في المسجد فظن أنه قد سبقه الحدث فانصرف ليتوضأ ثم علم أنه لم يسبقه الحدث وهو في المسجد جاز له المضي على صلاته ، وكذلك لو ظن أنه قد أتم صلاته ثم علم أنه لم يتم ، ثم قلتم : لو ظن أن على ثوبه نجاسة أو أنه لم يكن متوضئا فانصرف ليتوضأ أو يغسل ثوبه ثم علم أنه كان متوضئا أو طاهر الثوب لم يجز له البناء على صلاته ، ففرقتم بين ما لا فرق بينهما وتركتم محض القياس ، وفرقتم بأنه لما ظن سبق الحدث فقد انصرف من صلاته انصراف استئناف لا انصراف رفض ، فإنه لو تحقق ما ظنه جاز له المضي ، فلم يصر قاصدا للخروج من الصلاة ، فلم يمتنع البناء ، وكذلك لو ظن أنه قد أتم صلاته فلم ينصرف انصراف رفض ، وإذا لم يقصد الرفض لم تصر الصلاة مرفوضة كما لو سلم ساهيا ، وليس كذلك إذا ظن أنه لم يتوضأ أو أن على ثوبه نجاسة ; لأنه انصرف منها انصراف رفض ونوى الرفض مقارنا لانصرافه ، فبطلت كما لو سلم عامدا ، وهذا الفرق غير مجد شيئا ، بل هو فرق بين ما جمعت الشريعة بينهما ، فإنه في الموضعين انصرف انصرافا مأذونا فيه أو مأمورا به ، وهو معذور في الموضعين ، بل هذا الفرق حقيق باقتضائه ضد ما ذكرتم ، فإنه إذا ظن أنه لم يتوضأ فانصرافه مأمور به وهو عاص لله بتركه ، بخلاف ما إذا ظن أنه أتم صلاته فإن انصرافه مباح مأذون له فيه ، فكيف تصح الصلاة مع هذا الانصراف وتبطل بالانصراف المأمور به ؟ ثم إنه أيضا في انصرافه [ حين ] ظن أنه قد أتم صلاته ينصرف انصراف ترك حقيقة ; لأنه يظن أنه قد فرغ منها ، فتركها ترك من قد أكملها ، ومن ظن أنه محدث فإنما تركها ترك قاصد لتكملتها ، فهي أولى بالصحة [ ص: 226 ]

وقلتم : لو قال : " لله علي أن أصلي ركعتين " وقال آخر : " وأنا لله علي أصلي ركعتين " لم يجز لأحدهما أن يأتم بصاحبه ; لأنهما فرضان بسببين ، وهو نذر كل واحد منهما ، ولا يؤدى فرض خلف فرض آخر ، ثم ناقضتم فقلتم : لو قال الآخر : " وأنا لله علي أن أصلي الركعتين اللتين أوجبت على نفسك " جاز لأحدهما أن يأتم بالآخر ; لأنه أوجب على نفسه عين ما أوجبه الآخر على نفسه ، فصارتا كالظهر الواحدة ، وهذا ليس يجدي شيئا ، فإن سبب الوجوب مختلف كما في الصورة الأولى سواء ، وهو نذر كل واحد منهما على نفسه ، وليس الواجب على أحدهما هو عين الواجب على الآخر ، بل هو مثله ، ولهذا لا يتأدى أحد الواجبين بأداء الآخر ، ولا فرق بين المسألتين في ذلك ألبتة ، فإن كل واحد منهما يجب عليه ركعتان نظير ما وجب على الآخر بنذره ، فالسبب مماثل ، والواجب مماثل ، والتعدد في الجانبين سواء ، فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين ، وخروج عن محض القياس .

وفرقتم بين ما جمع النص والميزان بينهما ، فقلتم : إذا ظفر بركاز فعليه فيه الخمس ، ثم يجوز له صرفه إلى أولاده وإلى نفسه إذا احتاج إليه ، وإذا وجب عليه عشر الخارج من الأرض لم يكن له صرفه إلى ولده ولا إلى نفسه ، وكلاهما واجب عليه إخراجه لحق الله وشكر النعمة بما أنعم عليه من المال ، ولكن لما كان الركاز مالا مجموعا لم يكن نماؤه وكماله بفعله فالمؤنة فيه أيسر كان الواجب فيه أكثر ، ولما كان الزرع فيه من المؤنة والكلفة والعمل أكثر مما في الركاز كان الواجب فيه نصفه وهو العشر ، فإن اشتدت المؤنة بالسقي بالكلفة حط الواجب إلى نصفه وهو نصف العشر ، فإن اشتدت المؤنة في المال غيره بالتجارة والبيع والشراء كل وقت وحفظه وكراء مخزنه ونقله خفف إلى شطره وهو ربع العشر ، فهذا من كمال حكمة الشارع في اعتبار كثرة الواجب وقلته ، فكيف يجوز له أن يعطي الواجب الأكثر الذي هو أقل مؤنة وتعبا وكلفة لأولاده ويمسكه لنفسه وقد أضعفه عليه الشارع أكثر من كل واجب في الزكاة ومخرج الجميع وإيجابه واحد نصا واعتبارا ؟ فالتفريق بينهما تفريق بين ما جمعت الشريعة بينهما حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم : { في الركاز الخمس ، وفي الرقة ربع العشر } .

وقلتم : لو أودع من لا يعرفه مالا فغاب عنه سنين ثم عرفه فلا زكاة عليه ; لأنه لا يقدر على ارتجاعه منه ، فهو كما لو دفنه بمغارة فنسيه ، ثم ناقضتم فقلتم : لو أودعه من يعرفه فنسيه سنين ثم عرفه فعليه زكاة تلك السنين الماضية كلها ، والمال خارج عن قبضته وتصرفه ، وهو غير قادر على ارتجاعه في الصورتين ، ولا فرق بينهما ، وقد صرحتم في مسألة المغارة أنه لو دفنه خفي موضع منها ثم نسيه فلا زكاة عليه إذا عرفه بعد ذلك ، ولا فرق في هذا بين المغارة [ ص: 227 ] وبين المودع بوجه ، ثم ناقضتم من وجه آخر وقلتم : لو دفنه في داره وخفي عليه موضعه سنين ثم عرفه وجبت عليه الزكاة لما مضى .

وقلتم : لو وجب عليه أربع شياه فأخرج ثنتين سمينتين تساوي الأربع جاز ، فطرد قياسكم هذا أنه لو وجب عليه عشرة أقفزة بر فأخرج خمسة من بر مرتفع يساوي قيمة العشرة التي هي عليه جاز ، وطرده لو وجب عليه خمسة أبعرة فأخرج بعيرا يساوي قيمة الخمسة أنه يجوز ، ولو وجب عليه صاع في الفطرة فأخرج ربع صاع يساوي الصاع الذي لو أخرجه لتأدى به الواجب أنه يجوز ، فإن طردتم هذا القياس فلا يخفى ما فيه من تغيير المقادير الشرعية والعدول عنها ، ولزمكم طرده في أن من وجب عليه عتق رقبة فأعتق عشر رقبة تساوي قيمة رقبة غيرها جاز ، ومن نذر الصدقة بمائة شاة فتصدق بعشرين تساوي قيمة المائة جاز ، ثم ناقضتم فقلتم : لو وجب عليه أضحيتان فذبح واحدا سمينا يساوي وسطين لم يجز ، ثم فرقتم بأن قلتم : المقصود في الأضحية الذبح وإراقة الدم ، وإراقة دم واحد لا تقوم مقام إراقة دمين ، والمقصود في الزكاة سد خلة الفقير وهو يحصل بالأجود الأقل كما يحصل بالأكثر إذا كان دونه ، وهذا فرق إن صح لكم في الأضحية لم يصح لكم فيما ذكرناه من الصور ، فكيف ولا يصح في الأضحية ؟ فإن المقصود في الزكاة أمور عديدة منها سد خلة الفقير ، ومنها إقامة عبودية الله بفعل نفس ما أمر به . ومنها شكر نعمته عليه في المال . ومنها إحراز المال وحفظه بإخراج هذا المقدار منه . ومنها المواساة بهذا المقدار لما علم الله فيه من مصلحة رب المال ومصلحة الآخذ . ومنها التعبد بالوقوف عند حدود الله وأن لا ينقص منها ولا يغير ، وهذه المقاصد إن لم تكن أعظم من مقصود إراقة الدم في الأضحية فليست بدونه ، فكيف يجوز إلغاؤها واعتبار مجرد إراقة الدم ؟ ثم إن هذا الفرق ينعكس عليكم من وجه آخر ، وهو أن مقصود الشارع من إراقة دم الهدي والأضحية التقرب إلى الله - سبحانه - بأجل ما يقدر عليه من ذلك النوع وأعلاه وأغلاه ثمنا وأنفسه عند أهله ، فإنه لن يناله - سبحانه - لحومها ولا دماؤها ، وإنما يناله تقوى العبد منه ، ومحبته له ، وإيثاره بالتقرب إليه بأحب شيء إلى العبد وآثره عنده وأنفسه لديه ، كما يتقرب المحب إلى محبوبه بأنفس ما يقدر عليه وأفضله عنده .

ولهذا فطر الله العباد على أن من تقرب إلى محبوبه بأفضل هدية يقدر عليها وأجلها وأعلاها كان أحظى لديه ، وأحب إليه ممن تقرب إليه بألف واحد رديء من ذلك النوع .

وقد نبه - سبحانه - على هذا بقوله : { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد } وقال تعالى : { ولكن البر من آمن [ ص: 228 ] بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه } وقال : { ويطعمون الطعام على حبه } وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الرقاب فقال : { أغلاها ثمنا ، وأنفسها عند أهلها } ونذر عمر أن ينحر نجيبة فأعطي بها نجيبتين ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذهما بها وينحرهما ، فقال : { لا ، بل انحرها إياها } فاعتبر في الأضحية عين المنذور دون ما يقوم مقامه وإن كان أكثر منه ، فلأن يعتبر في الزكاة نفس الواجب دون ما يقوم مقامه ولو كان أكثر منه أولى وأحرى .

وطرد قياسكم أنه لو وجب عليه أربع شياه جياد فأخرج عشرة من أردأ الشياه وأهزلها وقيمتهن قيمة الأربع ، أو وجب عليه أربع حقاق جياد فأخرج عشرين ابن لبون من أردأ الإبل وأهزلها أنه يجوز ، فإن منعتم ذلك نقضتم القياس ، وإن طردتموه تيممتم الخبيث منه تنفقون ، وسلطتم رب المال على إخراج رديئه ومعايبه عن جيده ، والمرجع في التقويم إلى اجتهاده ، وفي هذا من مخالفة الكتاب والميزان ما فيه .

وفرقتم بين ما جمع الشارع بينه وجمعتم بين ما فرق بينه ، وأما الأول فقلتم : يصح صوم رمضان بنية من النهار قبل الزوال ، ولا يصح صوم الظهار وكفارة الوطء في رمضان وكفارة القتل إلا بنية من الليل ، وفرقتم بينهما بأن صوم رمضان لما كان معينا بالشرع أجزأ بنية من النهار ، بخلاف صوم الكفارة ، وبنيتم على ذلك أنه لو قال : " لله علي صوم يوم " فصامه بنية قبل الزوال لم يجزئه ، ولو قال : " لله علي أن أصوم غدا " فصامه قبل الزوال جاز ، وهذا تفريق بين ما جمع الشارع بينه من صوم الفرض وأخبر أنه لا صيام لمن لم يبيته من الليل ، وهذا في صوم الفرض ، وأما النفل فصح عنه أنه كان ينشئه بنية من النهار ، فسويتم بينهما في إجزائهما بنية من النهار وقد فرق الشارع بينهما . وفرقتم بين بعض الصوم المفروض وبعض في اعتبار النية في الليل وقد سوى الشارع بينهما . والفرق بالتعيين وعدمه عديم التأثير فإنه وإن تعين لم يصر عبادة إلا بالنية ، ولهذا لو أمسك عن الأكل والشرب من غير نية لم يكن صائما ، فإذا لم تقارن النية جميع أجزاء اليوم فقد خرج بعضه عن أن يكون عبادة ، فلم يؤد ما أمر به ، وتعيينه لا يزيد وجوبه إلا تأكيدا واقتضاء ، فلو قيل : إن المعين أولى بوجوب النية من الليل من غير المعين لكان أصح في القياس ، والقياس الصحيح هو الذي جاءت به السنة من الفرق بين الفرض والنفل ، فلا يصح الفرض إلا بنية من الليل ، والنفل يصح بنية من النهار ; لأنه يتسامح فيه ما لا يتسامح في الفرض ، كما يجوز أن يصلي النفل قاعدا وراكبا على دابته إلى القبلة وغيرها .

وفي ذلك تكثير النفل وتيسير [ ص: 229 ] الدخول فيه ، والرجل لما كان مخيرا بين الدخول فيه وعدمه ويخير بين الخروج منه وإتمامه خير بين التبييت والنية من النهار ، فهذا محض القياس وموجب السنة ، ولله الحمد .

وفرقتم بين ما جمع الله بينهما من جماع الصائم والمعتكف فقلتم : لو جامع في الصوم ناسيا لم يفسد صومه ، ولو جامع المعتكف ناسيا فسد اعتكافه وفرقتم بينهما بأن الجماع من محظورات الاعتكاف ، ولهذا لا يباح ليلا ولا نهارا ، وليس من محظورات الصوم ; لأنه يباح ليلا . وهذا فرق فاسد جدا ; لأن الليل ليس محلا للصوم فلم يحرم فيه الجماع ، وهو محل للاعتكاف فحرم فيه الجماع ، فنهار الصائم كليل المعتكف في ذلك ، ولا فرق بينهما ، والجماع محظور في الوقتين ، ووزان ليل الصائم اليوم الذي يخرج فيه المعتكف من اعتكافه ، فهذا هو القياس المحض ، والجمع بين ما جمع الله بينه والتفريق بين ما فرق الله بينه ، وبالله التوفيق .

وقلتم : لو دخل عرفة في طلب بعير له أو حاجة ولم ينو الوقوف أجزأه عن الوقوف ، ولو دار حول البيت في طلب شيء سقط منه ولم ينو الطواف لم يجزئه ، وهذا خروج عن محض القياس . وفرقتم تفريقا فاسدا فقلتم : المقصود الحضور بعرفة في هذا الوقت وقد حصل ، بخلاف الطواف ، فإن المقصود العبادة ولا تحصل إلا بالنية ، فيقال : والمقصود بعرفة العبادة أيضا ، فكلاهما ركن مأمور به ، ولم ينو المكلف امتثال الأمر لا في هذا ولا في هذا ، فما الذي صحح هذا وأبطل هذا ؟ ، ولما تنبه بعض القياسيين لفساد هذا الفرق عدل إلى فرق آخر فقال : الوقوف ركن يقع في نفس الإحرام ، فنية الحج مشتملة عليه ، فلا يفتقر إلى تجديد نية ، كأجزاء الصلاة من الركوع والسجود ينسحب عليها نية الصلاة . وأما الطواف فيقع خارج العبادة فلا تشتمل عليه نية الإحرام فافتقر إلى النية ، ونحن نقول لأصحاب هذا الفرق : ردونا إلى الأول فإنه أقل فسادا وتناقضا من هذا ، فإن الطواف والوقوف كلاهما جزء من أجزاء العبادة ، فكيف تضمنت جزءا من أجزاء العبادة لهذا الركن دون هذا ؟ وأيضا فإن طواف المعتمر يقع في الإحرام ، وأيضا فطواف الزيارة يقع في بقية الإحرام ، فإنه إنما حل من إحرامه قبله تحللا أول ناقصا ، والتحلل الكامل موقوف على الطواف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث