الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ أقسام الحقيقة ] وتنقسم الحقيقة إلى لغوية وعرفية وشرعية ; لأن الوضع المعتبر فيه إما وضع اللغة ، وهي اللغوية كالأسد للحيوان المفترس أولا ، وهو إما وضع الشارع ، وهي الشرعية كالصلاة ، للأركان وقد كانت في اللغة للدعاء أولا ، وهي العرفية المنقولة عن موضعها الأصلي إلى غيره بعرف الاستعمال ، ولتتنبه لأمرين : أحدهما : أن اللغوية أصل الكل ، فالعرف نقلها عن اللغة إلى العرف ، والشرع نقلها عن اللغة والعرف . الثاني : أن الوضع في اللغوية غير الوضع في الشرعية والعرفية ، فإنه في اللغة تعليق اللفظ بإزاء معنى لم يعرف به غير ذلك الوضع .

وأما في الشرعية والعرفية فبمعنى غلبة الاستعمال دون المعنى السابق ، فإنه لم ينقل عن الشارع أنه وضع لفظ الصلاة والصوم بإزاء معانيها الشرعية ، بل غلب استعمال الشارع لهذه الألفاظ بإزاء تلك المعاني حيث صارت الحقيقة اللغوية مهجورة ، وكذلك العرف ، فإن أهله لم يضعوا لفظ القارورة مثلا للظرف من الزجاج على جهة الاصطلاح ، كما أن الشرع لم يضع لفظ الزكاة لقطع طائفة من المال للفقراء . بل صارت هذه الألفاظ شرعية وعرفية بكثرة الاستعمال دون أن يسبقه تعريف بتواضع الاسم ، ومن هاهنا منع بعضهم إدخال الأنواع الثلاثة في الحد لاختلاف معنى الوضع فيها فإن الاصطلاح غير غلبة الاستعمال ، فإن خصصنا الوضع بالاصطلاح خرجت الحقيقة الشرعية والعرفية ، وإن لم نخصه لزم أن يكون مشتركا ، والحدود تصان عنه ، فينبغي إفرادها بحد كأن يقال : المستعمل فيما غلب استعماله في الاصطلاح الذي يقع به التخاطب ، لكن هذه مضايقة لا طائل تحتها بل لقائل أن يقول : إن للشرع وضعا كاللغة فإن الوضع تعليق لفظ بإزاء معنى ، وهو يشملهما لكن يختلفان في سبب العلم بذلك ، ففي اللغة إعلام الغير بأنه وضع لذلك ، وفي الشرع بكثرة الاستعمال ، ليرفع الوضع السابق إن كان .

وإذا علمت هذا فلنتكلم على هذه الأقسام فنقول : أما اللغوية فهي التي عليها جل الشريعة عند قوم ، وهم المثبتون للنقل الشرعي والعرفي ، أو كلها عند آخرين ، وهم النافون له ، فيقولون : إن جميع ما ورد في الشرع بحروف اللغة ونظمها ، والمقصود به من نطق الشرع هو المقصود عندهم ، ثم لا خلاف في إمكانها ووقوعها في المعنى الواحد . وأما المفيد للشيء وخلافه على طريق الاشتراك فمنعه قوم ، وقد سبقت في مباحث الاشتراك . وقال بعضهم : يمكن النزاع في الحقائق اللغوية بأن يقال : إنها انتسخت ، وصارت الألفاظ بأسرها شرعية أو عرفية لكثرة النقل والتغيير في انتقالات الشرع والعرف ، وعلى هذا يجب تتبع الحقائق الشرعية إن وجدناها في ألفاظ الخطاب ، فإن لم نجدها فالحقائق العرفية . وأما ما ينقل من واضعي اللغات فلا يجوز العمل به ; لأنها تغيرت وانتسخت فلا يخاطبنا الشرع بها ، والجواب : هذا ممنوع بإجماع الأمة على الوقوف لنقل اللغة في مدلولات الألفاظ الشرعية كما في الأمر بالوضوء عند الأكل ، وبالصلاة لمن دعي إلى وليمة ، وهو صائم وغير ذلك .

وأما العرفية فتنقسم إلى خاصة وعامة ، فإن كان الناقل طائفة مخصوصة سميت خاصة ، وإن كان عامة الناس سميت عامة . وقد أوضح معنى العرفية القاضي أبو بكر ، فقال في " التقريب " : معنى وصف الاسم بأنه عرفي أن المفهوم من إطلاقه بغلبة الاستعمال في بعض ما وضع له أو غيره مجازا لا حقيقة ، والدليل على أن هذا المعنى عرفي : أنه لا يجوز أن يكون معناه أنه ابتدئ وضعه لما جرى عليه ; لأن ذلك يقتضي أن يكون جميع الأسماء عرفية ، ولا يجوز أن يكون معناه أنها أسماء مجردة مبتدأة ; لأن ذلك سبيل سائر الأسماء اللغوية ، ولا يصح أن يكون معناه أنها أسماء ابتدأها ووضعها غير أهل اللغة من العلماء بضروب العلامات ، ولا يمكن أن يكون أنه نقل عن معناه إلى غيره ; لأن ذلك هو المجاز ، وتسميته مجازا أحق وأولى . انتهى . قال القاضي عبد الوهاب : والاعتبارات في العرف إنما هو بعرف من هو له دون من ليس من أهل ذلك العرف ; لأنا قد قلنا : إن العرف بغلبة الاستعمال يقوم مقام ابتداء المواضعة فإذا اختص ابتداء المواضعة بأهلها فكذلك العرف . ا هـ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث