الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      العلاقة الثانية عشرة المجاز بالنقصان : كقوله تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله } [ ص: 82 ] أي : أهل الله . قال الإمام في " التلخيص " : وهو مثال سديد ، وقوله { واسأل القرية } فإن المراد أهلها ، ومنهم من لم يجعله مجازا ، وقال : لا نقول أقيمت القرية مقام أهلها ، بل حذف من الخطاب ذكر الأهل لدلالة بقية الخطاب عليه ، والإضمار والحذف ليسا من المجاز ، فإن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له ، حكاه الإمام في " التلخيص " ، وابن القشيري في أصوله " ، وقالا : ميل القاضي إلى أنه يسمى مجازا ، قال : وهو الظاهر ، والخلاف فيه سهل ، وكذا قال إلكيا : الخلاف لفظي ، ولا خلاف في المعنى .

                                                      وحاصل الخلاف : أن المضمر هل هو سبب التجوز أو محل التجوز ؟ وطريقة البيانيين تقتضي الثاني . قال المطرزي : وإنما يكون كل من الزيادة والنقصان إذا تغير بسببه حكم ، وإن لم يتغير فلا ، فلو قلت : زيد منطلق وعمرو ، وحذفت الخبر لم يوصف بالمجاز ; لأنه لم يؤد إلى تغيير حكم من أحكام ما بقي من الكلام . انتهى . والتمثيل بالآية مبني على أن المراد بالقرية الأبنية ، وهي لا تسأل : وقيل إنها مشتركة بينها وبين الناس المجتمعين فيها ، وقيل : بل القرية حقيقة في الناس بدليل قوله : { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة } { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة } { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } [ ص: 83 ] ولأنها مشتقة من القر ، وهو الجمع ، ومنه قرأت الماء في الحوض أي جمعته ، ومنه القرى ، وهي الضيافة لاجتماع الناس لها . وقيل إنها من باب إطلاق المحل وإرادة الحال ، لا من الحذف .

                                                      وقيل : لا مجاز أصلا ، ولا حذف بل السؤال حقيقي لها ، ويكون معجزة ; لأنه في زمن النبوة . والصحيح من هذا كله : هو الأول ، وهو المنصوص للشافعي في كتاب " الرسالة " ونقله عن أهل العلم باللسان وجعل هذه الآية من الدال لفظه على باطنه دون ظاهره ، فقال : قال الله تعالى وهو يحكي قول إخوة يوسف لأبيهم { وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون } فهذه الآية في معنى الآيات قبلها لا يختلف أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطبون أباهم بمسألة أهل القرية وأهل العير ; لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم . ا هـ كلامه .

                                                      وقد أشكل على جماعة جعل الزيادة والنقصان من أنواع المجاز الإفرادي ; لأن المجاز الإفرادي لفظ مستعمل في غير ما وضع له ، وجميع الألفاظ المذكورة في الآيتين مستعمل فيما وضع له ، فالقرية في القرية ، والسؤال في السؤال ، وكذا الآية الأخرى ، فلم يبق إلا المحذوف ، وهو الأصل ، والمحذوف مسكوت عنه لم يستعمل ألبتة ، والزائد كذلك لم يستعمل في شيء ، وما لا يستعمل في شيء لا يكون حقيقة ، ولا مجازا ، فالأقرب أنه من مجاز التركيب لا الإفراد واختاره الأصفهاني وجماعة ; لأن العرب وضعت [ ص: 84 ] السؤال لتركيب لفظة مع لفظة فيما يصلح للإجابة ، فحيث ركبته مع ما لا يصلح ، فقد عدلت عن التركيب الأصلي إلى تركيب آخر ، ولا معنى للمجاز المركب إلا هذا ، وكذلك حروف الزيادة وضعتها لتركبها مع معنى ، فإذا ركبتها لا مع معنى ، فهو مجاز في التركيب .

                                                      وأجيب بوجهين : أحدهما : أن المجاز في المذكور باعتبار أنه يغير حكم إعرابه ; لأن القرية مع ذكر الأهل مجرورة ، وعند حذفها منصوبة ، وكذلك " مثل " مجرورة بزيادة الكاف ، وكان حكمه في الأصل النصب ، فإنما وقع المجاز في الجر والنصب من الزيادة والنقصان ، وقد صرح بذلك أهل البيان ، وشرطوا في مجاز الحذف أن يتغير حكم إعراب الكلمة ، فإن لم يتغير لم يكن مجازا ، وإن كان ثم حذف ، ومثاله : قوله تعالى : { فقبضت قبضة من أثر الرسول } فإن المقدر من أثر فرس الرسول ، فالمذكور هنا لم يتغير حكم إعرابه فلا يكون مجازا . الثاني : أن تعريف المجاز الإفرادي صادق عليه وإن لم يلحظ لك ; لأن قوله : { واسأل القرية } موضوع لسؤالها مستعمل في سؤال أهلها ، فكان مجازا ، وليس هو مجازا في التركيب ، فإن مجاز التركيب مثل قولك : أنبت الربيع البقل لفظ مستعمل في موضوعه ، فمقتضاه إسناد الإثبات إلى الربيع ، ولكنا علمنا بالعقل أنه ليس كذلك ، وإنما هو من الله ، فعلمنا أنه مجاز عقلي ، وليس المراد بالمجاز بالزيادة والنقصان أن اللفظة الزائدة وحدها أو الناقصة وحدها مجاز ، ولا نعني بمجاز التركيب إلا إسناد الفعل إلى الفاعل ، وهو الذي يكون فيه من جهة الموضوع اللغوي صحيحا ، وإنما جاء المجاز من جهة العقل حتى لو فرض هذا الكلام من كافر يعتقد حقيقته لم يكن مجازا .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية