الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      فائدة في تحرير النقل عن الظاهرية في نفي المجاز . قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد الداودي في كتابه الموسوم ب " أصول الفتوى " ، وهذا الكتاب عمدة الظاهرية فيما صح عن داود وابنه ، فقال ما نصه : اختلف الناس في المجازات والاستعارات ، فقال أكثرهم : في القرآن ما هو محمول على الظاهر والحقيقة ، ومنها ما هو محمول على المجاز والتوسع ، وما كان منه من المجاز والتوسع فهو مردود إليهما دون رده إلى الظاهر والحقيقة ، وقال بعضهم : ليس في القرآن مجاز ألبتة والاستعارة بوجه ، وجميعه على ما هو به ، وروي عن داود بن علي قريب من هذه الرواية ، والله أعلم بصحتها ، وذهب الأكثر من موافقيه إلى القول بذلك ، وبه قال ابنه أبو بكر محمد بن داود في آخرين ، وكان يقول : المستعير في الحقيقة هو الآخذ ما ليس له ، فإذا سمى الرجل لفظة في القرآن مستعارة ، فقد صرح بأنها قد وضعت في غير موضعها . قال : وهذا خطأ من قائله ; لأن الكلمة الأصلية التي جعلت الأخرى مستعارة منها لن تخلو أن تكون إنما صارت أصلية لخاصية فيها موجودة في عينها ، أو لأن اللغة جاءت بها ، فإن كان الأول فما تلك العلة التي أوجبت ذلك الاسم لها ، ولم يجد مدع إلى تصحيحها سبيلا ؟ وإن كان إنما صارت أصلية ; لأن العرب [ ص: 54 ] تكلمت بها ، فهذه العلة موجودة في الكلمة التي سمتها مستعارة ، فيجب على هذا الأصل ألا يزال اسم الاستعارة عنها ، فتصير أصلية قائمة بها . فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ، وهي ظالمة } ؟ وقوله { واسأل القرية } ؟ قيل : لهذه وجوه كثيرة : منها أن بعض أهل اللغة زعم أن اسم القرية يقع على جماعة الرجال ، واحتج بقوله تعالى { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا } وإلا لقال : أهلكناها ، ويحتمل أن يكون اسأل القرية والبناء يخبراك عن صدقنا ، ويكون ذلك معجزة في أمر يعقوب وولده ، ويحتمل أن يكون الأمر كما ادعاه خصومنا من أن قوله : واسأل القرية " أي أهلها ، وأن قرية اسم للبنيان والأرض ، وأن تكون استحالة سؤال الأرض دليلا على أنه إنما أراد سؤال الناس ، ويكون هذه حقيقة في معناها لا استعارة . ا هـ . ملخصا . وقال أبو محمد بن حزم في كتابه " الإحكام " : اختلف الناس في المجاز فقوم أجازوه في القرآن والسنة ، وقوم منعوا منه ، والذي نقول : أن الاسم إذا تيقنا بدليل نص أو إجماع أو طبيعة أنه منقول عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر وجب الوقوف عنده ، قال الله تعالى : { وعلم آدم الأسماء كلها } وله أن يسمي ما شاء ، فإن لم نجد دليلا على نقل الاسم عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر فلا يحل لمسلم أن يقول : إنه منقول ; لأن الله - تعالى - يقول : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } فكل خطاب خاطبنا الله به أو رسوله ، فهو على موضوعه في اللغة إلى معنى ، فإذا وجدنا ذلك نقلناه إليه . قال : وهذا الذي لا يجوز غيره ، فكل كلمة نقلها الله من موضوعها [ ص: 55 ] في اللغة إلى معنى آخر ، فإن تعبدنا بها قولا وعملا كالصلاة والزكاة وغير ذلك ، فليس شيء منها مجازا بل حقيقة ، وأما ما نقله عن موضوعه في اللغة إلى معنى قد تعبدنا به دون أن نسميه بذلك الاسم فهذا هو المجاز ، كقوله تعالى : { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } فإنما تعبدنا - تعالى - بأن نذل للأبوين ونرحمهما ، ولن يلزمنا الله - تعالى - قط أن ننطق ، ولا يديننا بأن للذل جناحا ، وهذا بخلاف الصلاة والصيام فإنه لا خلاف في أنه افترض علينا تسميتها هذه بأعيانها . قال : واحتج من منع المجاز بأنه كذب ، والله ورسوله يبعدان عنه ، قال : فيقال له : صدقت ، وليس نقل الله - تعالى - الاسم عما كان الله - تعالى - علقه عليه في موضع ما إلى موضع آخر كذبا ، بل الكذب ما لم ينقله تعالى ، بل ما نقله هو الحق نفسه . وقال في كلامه على قوله تعالى : { واسأل القرية } وقد ذكر رجل من المالكيين من أهل البصرة يعرف بابن خويز منداد أن للحجارة عقلا ، ولعل تمييزه يقرب من تمييزها ، فقد شبه الله قوما زاغوا عن الحق بالأنعام ، وصدق - سبحانه - أنهم أضل سبيلا . قال هذا الجاهل : من الدليل على أن للحجارة تعقلا قوله تعالى : { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق } الآية فدل على أن لها عقلا . قال أبو محمد : ومن العجب استدلاله على أنه لا يخشى الله إلا ذو عقل وكيف يكون لها تمييز وعقل ، والله شبه قلوب الكفار بالحجارة في أنها لا تعقل الحق ولا تذعن له . انتهى ملخصا . قال الغزالي في " المنخول " : كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام لا [ ص: 56 ] يحمل على الاستعارة ما أمكن ، فإنها لا تليق إلا بواعظ أو خطيب أو شاعر ينتحي السجع لإيقاعه في القلوب ، فإن الشارع إذا بين حكما لمعجوز مثلا فيبعد منه التجوز ، وهو تشدق ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه . نعم ، لا يبعد في الاستعارة إذا ذكر الثواب والعقاب ووصف الجنة والنار ليعظم وقعه في الصدر .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية