الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صفة الخصماء ورد المظالم

وقال أبو هريرة في قوله عز وجل : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم أنه يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيبلغ من عدل الله تعالى أن يأخذ للجماء من القرناء ، ثم يقول كوني : ترابا فذلك حين يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا فكيف أنت يا مسكين في يوم ترى صحيفتك خالية عن حسنات طال فيها تعبك فتقول : أين حسناتي ؟ فيقال : نقلت إلى صحيفة خصمائك ، وترى صحيفتك مشحونة بسيئات طال في الصبر عنها نصبك واشتد بسبب الكف عنها عناؤك فتقول : يا رب ، هذه سيئات ما قارفتها قط ، فيقال : هذه سيئات القوم الذين اغتبتهم وشتمتهم وقصدتهم بالسوء وظلمتهم في المبايعة والمجاورة والمخاطبة والمناظرة والمذاكرة والمدارسة وسائر أصناف المعاملة .

قال ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ولكن سيرضى منكم بما هو دون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات ، فاتقوا الظلم ما استطعتم ، فإن العبد ليجيء يوم القيامة بأمثال الجبال من الطاعات فيرى أنهن سينجينه فما يزال عبد يجيء فيقول : رب إن فلانا ظلمني بمظلمة ، فيقول : امح من حسناته ، فما يزال كذلك حتى لا يبقى من حسناته شيء ، وإن مثل ذلك مثل سفر نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حطب فتفرق القوم فحطبوا فلم يلبثوا أن أعظموا نارهم وصنعوا ما أرادوا وكذلك الذنوب ولما نزل قوله تعالى : إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قال الزبير : يا رسول الله ، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟ قال : نعم ؛ ليكررن عليكم حتى تؤدوا إلى كل ذي حق حقه ، قال الزبير : والله إن الأمر لشديد فأعظم بشدة يوم لا يسامح فيه بخطوة ولا يتجاوز فيه عن لطمة ولا عن كلمة حتى ينتقم للمظلوم من الظالم ، قال أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يحشر الله العباد عراة غبرا بهما ، قال : قلنا : ما بهما ؟ قال : ليس معهم شيء ، ثم يناديهم ربهم تعالى بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان لا ينبغي ، لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عليه مظلمة حتى أقتصه منه ، ولا لأحد من أهل النار إن يدخل النار ولأحد من أهل الجنة عنده مظلمة حتى أقتصه منه حتى اللطمة ، قلنا : وكيف وإنما نأتي الله عز وجل عراة غبرا بهما ؟ فقال : بالحسنات والسيئات فاتقوا الله عباد الله ومظالم العباد بأخذ أموالهم .

والتعرض لأعراضهم وتضييق قلوبهم وإساءة الخلق في معاشرتهم ، فإن ما بين العبد وبين الله خاصة فالمغفرة إليه أسرع ، ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب عنها وعسر عليه استحلال أرباب المظالم فليكثر من حسناته ليوم القصاص ويسر ببعض الحسنات بينه وبين الله بكمال الإخلاص بحيث لا يطلع عليه إلا الله فعساه يقربه ذلك إلى الله تعالى فينال به لطفه الذي ادخره لأحبابه المؤمنين في دفع مظالم العباد عنهم كما روي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه يضحك حتى بدت ثناياه ، فقال عمر ما يضحكك يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ؟ قال : رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة ، فقال أحدهما : يا رب خذ لي مظلمتي من أخي فقال الله تعالى : أعط أخاك مظلمته قال : يا رب لم يبق من حسناتي شيء ، فقال الله تعالى للطالب : كيف تصنع ولم يبق من حسناته شيء ؟ قال : يا رب يتحمل عني من أوزاري ، قال : وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ، ثم قال : إن ذلك ليوم عظيم ، يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم ، قال : فقال الله للطالب : ارفع رأسك فانظر في الجنان ، فرفع رأسه ، فقال : يا رب أرى مدائن من فضة مرتفعة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ ، لأي نبي هذا ؟ أو لأي صديق هذا ؟ أو لأي شهيد هذا ؟ قال : لمن أعطاني الثمن ، قال : يا رب ، ومن يملك ثمنه ؟! قال : أنت تملكه ، قال وما : هو ؟ قال : عفوك عن أخيك ، قال : يا رب إني قد عفوت عنه ، قال الله تعالى : خذ بيد أخيك فأدخله الجنة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ؛ فإن الله يصلح بين المؤمنين وهذا تنبيه على أن ذلك إنما ينال بالتخلق بأخلاق الله وهو إصلاح ذات البين وسائر الأخلاق .

فتفكر الآن في نفسك إن خلت صحيفتك عن المظالم أو تلطف لك حتى عفا عنك وأيقنت بسعادة الأبد كيف يكون سرورك في منصرفك من مفصل القضاء ، وقد خلع عليك خلعة الرضا وعدت بسعادة ليس بعدها شقاء وبنعيم لا يدور بحواشيه الفناء وعند ذلك طار قلبك سرورا وفرحا وابيض وجهك واستنار وأشرق كما يشرق القمر ليلة البدر ، فتوهم تبخترك بين الخلائق رافعا رأسك خاليا عن الأوزار ظهرك ونضرة نسيم النعيم وبرد الرضا يتلألأ من جبينك ، وخلق الأولين والآخرين ينظرون إليك وإلى حالك ويغبطونك في حسنك وجمالك والملائكة يمشون بين يديك ومن خلفك وينادون على رءوس الأشهاد : هذا فلان بن فلان رضي الله عنه وأرضاه وقد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا أفترى أن هذا المنصب ليس بأعظم من المكانة التي تنالها في قلوب الخلق في الدنيا بريائك ومداهنتك وتصنعك وتزينك ، فإن كنت تعلم أنه خير منه بل لا نسبة له إليه فتوسل إلى إدراك هذه الرتبة بالإخلاص الصافي والنية الصادقة في معاملتك مع الله ، فلن تدرك ذلك إلا به .

وإن تكن الأخرى والعياذ بالله بأن خرج من صحيفتك جريمة كنت تحسبها هينة وهي عند الله عظيمة فمقتك لأجلها ، فقال : عليك لعنتي يا عبد السوء ، لا أتقبل منك عبادتك فلا تسمع هذا النداء إلا ويسود وجهك ، ثم تغضب الملائكة لغضب الله تعالى فيقولون : وعليك لعنتنا ولعنة الخلائق أجمعين ، وعند ذلك تنثال إليك الزبانية وقد غضبت لغضب خالقها فأقدمت عليك بفظاظتها وذعارتها وصورها المنكرة فأخذوا بناصيتك يسحبونك على وجهك على ملأ الخلق وهم ينظرون إلى اسوداد وجهك وإلى ظهور خزيك وأنت تنادي بالويل والثبور وهم يقولون لك : لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا وتنادي ، الملائكة ويقولون : هذا فلان بن فلان .

كشف الله عن فضائحه ومخازيه ولعنه بقبائح مساويه فشقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا وربما يكون ذلك بذنب أذنبته خفية من عباد الله أو طلبا للمكانة في قلوبهم أو خوفا من الافتضاح عندهم ، فما أعظم جهلك إذ تحترز عن الافتضاح عند طائفة يسيرة من عباد الله في الدنيا المنقرضة ثم لا تخشى من الافتضاح العظيم في ذلك الملأ العظيم مع التعرض لسخط الله وعقابه الأليم والسياق بأيدي الزبانية إلى سواء الجحيم فهذه أحوالك وأنت لم تشعر بالخطر الأعظم وهو خطر الصراط .

التالي السابق


(وقال أبو هريرة في) تفسير ( قوله -عز وجل-: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيبلغ من عذاب) كذا في النسخ وهو غلط من النساخ، والصواب: من عدل الله -عز وجل- (أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا فذلك حين يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا) .

رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، وقال يحيى بن جعدة : إن أول خلق الله يحاسب يوم القيامة: الدواب والهوام حتى يقضى بينهما حتى لا يذهب شيء بظلامة، ثم يجعلها ترابا، ثم يبعث الثقلين الجن والإنس، فيومئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا . رواه الدينوري في المجالسة، وقال مجاهد : تقاد المنقورة من الناقرة والمركوضة من الراكضة والجلحاء من ذات القرنين والناس ينظرون، ثم يقال: كوني ترابا لا جنة ولا نار. رواه ابن المنذر، وقال أبو الزناد : إذا قضي بين الناس وأمر أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن: عودوا ترابا، فيعودون. رواه ابن شاهين في كتاب العجائب والغرائب .

(فكيف أنت يا مسكين في يوم ترى صحيفتك خالية من حسنات [ ص: 477 ] طال فيها تعبك فتقول: أين حسناتي؟ فيقال: نقلت إلى صحيفة خصمائك، وترى صحيفتك مشحونة بسيئات طال في الصبر عنها نصبك اشتد الكف عنها عناؤك فتقول: يا رب، هذه سيئات ما قارفتها قط، فيقال: هذه سيئات القوم الذين اغتبتهم وشتمتهم وقصدتهم بالسوء وظلمتهم في المبايعة والمجاورة والمخاطبة والمناظرة والمذاكرة والمدارسة وسائر أصناف المعاملة، قال ابن مسعود ) -رضي الله عنه- (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن الشيطان قد أيس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ولكن سيرضى منكم بما هو دون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات، فاتقوا الظلم ما استطعتم، فإن العبد يجيء يوم القيامة بأمثال الجبال من الطاعات فيرى أنهن ستنجيه فما يزال عبد يجيء فيقول: يا رب إن فلانا ظلمني بمظلمة، فيقول: امح من حسناته، فما يزال كذلك حتى ما يبقى من حسناته شيء، وإن مثل ذلك مثل سفر نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حطب فتفرق القوم فحطبوا فلم يلبثوا أن أعظموا نارهم وصنعوا ما أرادوا وكذلك الذنوب ) .

قال العراقي : رواه أحمد والبيهقي في الشعب مقتصرا على آخره: إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ضرب لهم مثلا . الحديث، وإسناده جيد، أما أول الحديث فرواه مسلم مختصرا من حديث جابر : إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم . اهـ .

قلت: أول الحديث قد روي من طرق منها حديث عبادة بن الصامت : إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرة العرب . رواه الطبراني في الكبير والضياء في المختارة وفي لفظ للطبراني : أن تعبد الأصنام في جزيرة العرب. ورواه كذلك من حديث أبي الدرداء.

ومنها حديث ابن عباس : إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا . الحديث، رواه الحاكم .

ومنها حديث العباس بن عبد المطلب: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب ولكن خفت أن يضل من يبقى منهم بالنجوم . رواه الطبراني في الكبير .

ومنها حديث أبي هريرة : إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم هذه ولكن رضي منكم بما تحقرون . رواه أبو نعيم في الحلية، ومنها حديث معاذ : إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضي هذه ولكنه قد رضي بالمحقرات من أعمالكم . رواه الطبراني في الكبير .

وأما حديث جابر فلفظه: إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش بينهم . رواه أحمد ومسلم والترمذي، والتحريش هو إغراء بعض على بعض، وأما لفظ حديث ابن مسعود عند أحمد والبيهقي : إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه كرجل كان في أرض فلاة فضر صنيع القوم، فجعل الرجل يجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا من ذلك سوادا وأججوا نارا فأنضجوا ما فيها، وكذلك رواه الطبراني، وقد روي نحو ذلك من حديث سهل بن سعد : إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد وجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه، رواه أحمد والطبراني والبيهقي .

وروى الخرائطي في مساوئ الأخلاق من حديث ابن مسعود : اتقوا المظالم ما استطعتم فإن الرجل يجيء يوم القيامة بحسنات يرى أنها ستنجيه، فما يزال عند ذلك يقول: إن لفلان قبلك مظلمة، فيقول: امحوا من حسناته، فما تبقى له حسنة، ومثل ذلك كمثل سفر نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حطب، فتفرق القوم فاحتطبوا النار وأنضجوا ما أرادوا، فكذلك الذنوب، وهذا السياق هو الذي عناه المصنف. وروى الخرائطي أيضا من حديث أبي أمامة : إن العبد ليعطى كتابه يوم القيامة منشورا، فيقول: رب ألم أعمل حسنة يوم كذا وكذا؟! فيقال له: محيت عنك باغتيابك الناس، وإسناده ضعيف .

(ولما نزل قوله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قال الزبير بن العوام -رضي الله عنه-: يا رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: نعم؛ ليكررن عليكم) ذلك (حتى تؤدوا إلى كل ذي حق حقه، قال الزبير: والله إن الأمر لشديد) قال العراقي : رواه أحمد واللفظ له والترمذي من حديث الزبير، وقال: حسن صحيح. اهـ. قلت: ورواه كذلك عبد الرزاق وابن منيع وابن أبي عمر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ابن مردويه وأبو نعيم [ ص: 478 ] فى الحلية والبيهقي في البعث، ورواه ابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم من حديث عبد الله بن الزبير بمثل سياق المصنف .

(فأعظم بشدة يوم لا يسامح فيه بخطوة ولا يتجاوز فيه عن لطمة ولا عن كلمة حتى ينتقم للمظلوم من الظالم، قال أنس ) -رضي الله عنه- هكذا في سائر النسخ وهو غلط صوابه عبد الله بن أنيس كما سيأتي (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: يحشر الله العباد عراة غبرا بهما، قال: قلنا: ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم ربهم تعالى بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عليه مظلمة حتى أقتصه منه، ولا لأحد من أهل النار أن يدخل النار ولأحد من أهل الجنة عنده مظلمة حتى اقتصه منه حتى اللطمة، قلنا: وكيف وإنما نأتي الله عراة غبرا بهما؟ فقال: بالحسنات والسيئات ) .

قال العراقي : ليس من حديث أنس وإنما هو عبد الله بن أنيس. رواه أحمد بإسناد حسن وقال: غرلا بدل بهما. اهـ .

قلت: ورواه أبو يعلى والخرائطي في مساوئ الأخلاق، والطبراني في الكبير، والحاكم والضياء، ولفظهم: بهما، كما عند المصنف، وعبد الله بن أنيس جهمي حالف بني سلمة من الأنصار؛ فلذلك يقال له الأنصاري، قال ابن يونس : صلى إلى القبلتين ودخل مصر وخرج إلى إفريقية، قلت: وهو المدفون في جربة وحديثه، هذا في القصاص هو الذي رحل له جابر لسماعه منه إلى مصر، رواه أحمد وغيره من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: بلغني حديث في القصاص، وصاحبه بمصر، فرحلت إليه مسيرة شهر فذكره .

وقال البخاري في كتاب العلم من الصحيح: ورحل جابر إلى عبد الله بن أنيس مسيرة شهر، وقال في كتاب التوحيد: ويذكر عن عبد الله بن أنيس فذكر طرفا من الحديث، أخبرنا عبد الخالق بن أبي بكر الزبيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن سعيد، أخبرنا عبد الله بن سالم، أخبرنا محمد بن العلاء الحافظ، أخبرنا علي بن يحيى، أخبرنا يوسف بن عبد الله الحسني، أخبرنا أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر الحافظ، أنبأنا محمد بن مقبل الحلبي مكاتبة، عن أبي طلحة محمد بن علي بن يوسف الحرادي، أخبرنا الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، أخبرنا أبو زكريا يحيى بن عبد الرحمن الحنبلي، أخبرنا أبو طاهر الخشوعي، أخبرنا أبو محمد هبة الله بن الأكفاني، أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في كتابه الرحلة في طلب الحديث ما لفظه: ذكر عن رجل في حديث واحد من الصحابة الأكرمين رضوان الله عليهم أجمعين، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يوسف الصياد والحسن بن أبي بكر، قالا: أخبرنا أحمد بن يوسف بن خلاد العطار ح، وأخبرتنا أم الفرج فاطمة بنت هلال بن أحمد الكرخي، قالت: أخبرنا عثمان بن أحمد بن عبد الواحد المكي، ح وحدثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني لفظا بأصبهان، وسياق الحديث له، حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي المقري، حدثنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا شيبان، حدثنا همام، حدثنا القاسم بن عبد الواحد، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب : إن جابر بن عبد الله حدثه قال: بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم أسمعه منه قال: فاتبعت بعيرا فشددت عليه رحلي فسرت إليه شهرا حتى أتيت الشام، فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري قال: فأرسلت إليه أن جابرا على الباب قال: فرجع إلي الرسول، فقال جابر بن عبد الله؟ قلت: نعم، قال: فرجع الرسول إليه، فخرج إلي فاعتنقني واعتنقته .

قال: قلت: حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: يحشر الله العباد أو قال: يحشر الله الناس قال: وأومأ بيده إلى الشام عراة غرلا بهما، فساقه مثل سياق المصنف .

قال الخطيب: وهكذا رواه عبد الوارث بن سعيد عن القاسم بن عبد الواحد، أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقري، أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث عن القاسم بن عبد الواحد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاشتريت [ ص: 479 ] بعيرا، فشددت عليه رحلا، ثم سرت إليه شهرا حتى قدمت مصر، قال: فخرج إلي غلام أسود، فقلت: استأذن لي على فلان، قال: فدخل، فقال: إن أعرابيا بالباب يستأذن فاخرج، فخرج إليه، فقال له: من أنت؟ قال: فقال له: أخبره أني جابر بن عبد الله قال: فخرج إليه، فالتزم كل واحد منهما صاحبه، قال: فقال: ما جاء بك؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في القصاص، ما أعلم أن أحدنا يحفظه غيرك فأحببت أن تذاكرنيه، قال: نعم، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إذا كان يوم القيامة حشر الله عباده عراة غرلا بهما، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد منهم كما يسمعه من قرب: أنا الملك الديان، لا تظالموا اليوم لا ينبغي لأحد. فساقه، وفيه قالوا: يا رسول الله، وكيف؟ وإنما نأتي الله عراة غرلا بهما، قال: من الحسنات والسيئات .

قال: وروي عن أبي جارود العبسي عن جابر أخبرنيه عبد العزيز بن علي الأزجي، حدثنا علي بن عمر بن محمد الحربي، حامد بن بلال البخاري، حدثنا محمد بن عبد الله المقري البخاري، حدثنا بحير بن النضر، حدثنا عيسى غنجار عن عمر بن الصج، عن مقاتل بن حيان عن أبي جارود العبسي أن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث في القصاص، وكان صاحب الحديث بمصر فاشتريت بعيرا وشددت عليه رحلا ثم سرت شهرا حتى وردت مصر، فسألت عن صاحب الحديث فدللت عليه، فإذا هو باب لاطئ، فقرعت الباب فخرج إلي مملوك له أسود، فقلت: ههنا أبو فلان، فسكت عني، فدخل فقال لمولاه: بالباب أعرابي يطلبك، فقال: اذهب، فقل له: من أنت؟ فقلت: جابر بن عبد الله صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فخرج إلي فرحب بي وأخذ بيدي قلت: حديث في القصاص لا أعلم أحدا ممن بقي أحفظ له منك، فقال: أجل، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الله يبعثكم يوم القيامة حفاة عراة غرلا وهو تعالى على عرشه ينادي بصوت له رفيع غير فظيع يسمع البعيد كما يسمع القريب، يقول: أنا الديان لا ظلم عندي، وعزتي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم ولو لطمة، ولو ضرب يد على يد ولأقتص للجماء من القرناء، ولأسألن الحجر لم نكب الحجر، ولأسألن العود لم خدش صاحبه في ذلك، أنزل علي في كتابه ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي عمل قوم لوط، ألا فليرقب أمتي العذاب إذا تكافأ الرجال بالرجال والنساء بالنساء.

(فاتقوا الله عباد الله ومظالم العباد بأخذ أموالهم والتعرض لأعراضهم وتضييق قلوبهم وإساءة الخلق في معاشرتهم، فإن ما بين العبد وبين الله خاصة فالمغفرة إليه أسرع، ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب عنها وعسر عليه استحلال أرباب المظالم فليكثر من حسناته ليوم القصاص وليسر) أي: ليخف (ببعض الحسنات بينه وبين الله بكامل الإخلاص بحيث لا يطلع عليه إلا الله فعساه يقربه) ذلك (إلى الله تعالى فينال به لطفه الذي ادخره لأحبابه المؤمنين في دفع مظالم العباد عنهم كما روي عن أنس ) -رضي الله عنه- (عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس إذ رأيناه يضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر) -رضي الله عنه- (ما يضحكك) وفي نسخة: ما أضحك (يا رسول الله، بأبي أنت وأمي؟ قال: رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي فقال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، فقال: يا رب لم يبق من حسناتي شيء، فقال الله تعالى للطالب: كيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء؟ قال: يا رب يتحمل عني من أوزاري، قال: وفاضت عينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالبكاء، ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم، قال: فقال الله للطالب: ارفع رأسك) وفي رواية: ارفع بصرك (فانظر في الجنان، فرفع رأسه، فقال: يا رب أرى مدائن من فضة مرتفعة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ أو لأي صديق هذا؟ أو لأي شهيد هذا؟ قال: لمن أعطاني الثمن، قال: يا رب، ومن يملك ثمنه؟! قال: أنت تملكه، قال: ما هو؟ قال: عفوك عن أخيك، قال: يا رب إني قد عفوت [ ص: 480 ] عنه، قال الله تعالى: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة) وفي رواية: فادخلا الجنة (ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم؛ فإن الله يصلح بين المؤمنين) .

قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله والحاكم في المستدرك، وقد تقدم اهـ. قلت: ورواه كذلك أبو يعلى والبيهقي في البعث وقد صححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن في سنده عباد بن شيبة الحبطي، وروى عنه عبد الله بن بكر السهمي، ضعف، وبقية رجاله ثقات .

(وهذا تنبيه على أن ذلك إنما ينال بالتخلق بأخلاق الله وهو إصلاح ذات البين وسائر الأخلاق) وقد تقدم الكلام على معنى التخلق بأخلاق الله، ونقل صاحب المواهب عن المصنف: أنه يؤتى برجل يوم القيامة فما يجد حسنة يرجح بها ميزانه وقد اعتدلت بالتسوية، فيقول الله تعالى له رحمة منه: اذهب في الناس فالتمس من يعطيك حسنة أدخلك بها الجنة، فما يجد أحدا يكلمه في ذلك الأمر إلا قال له: أنا أحوج لذلك منك فييأس، فيقول له رجل: لقد لقيت الله فما وجدت في صحيفتي إلا حسنة واحدة وما أظنها تغني عني شيئا خذها هبة، فينطلق بها فرحا مسرورا، فيقول الله: ما بالك؟ وهو أعلم، فيقول: يا رب اتفق من أمري كيت وكيت، قال: فينادي الله صاحبه الذي وهبه الحسنة، فيقول له تعالى: كرمي أوسع من كرمك خذ بيد أخيك وانطلقا إلى الجنة .

وكذا تستوي كفتا الميزان برجل، فيقول الله تعالى له: لست من أهل الجنة ولا من أهل النار، فيأتي الملك بصحيفة فيضعها في كفة الميزان فيها مكتوب "أف" فترجح على الحسنات؛ لأنها كلمة عقوق، فيؤمر به إلى النار، قال: فيطلب الرجل أن يرد إلى الله فيقول الله: ردوه، فيقول له: أيها العبد العاق، لأي شيء تطلب الرجوع إلي؟ فيقول: إلهي إني سائر إلى النار وكنت عاقا لأبي وهو سائر إلى النار مثلي فضعف علي العذاب فأنقذه منها، قال: فيضحك الله ويقول: عققته في الدنيا وبررته في الآخرة خذ بيد أبيك وانطلقا إلى الجنة .

(فتفكر الآن في نفسك إن خلت صحيفتك عن المظالم إن تلطف لك حتى عفا عنك وأيقنت بسعادة الأبد كيف يكون سرورك في منصرفك عن مفصل القضاء، وقد خلع عليك خلعة الرضا وعدت بسعادة ليس بعدها شقاوة ونعيم ولا يدور بحواشيه الفناء وعند ذلك طار قلبك سرورا وفرحا وابيض وجهك واستنار وأشرق كما يشرق القمر ليلة البدر، فتوهم تبخترك بين الخلائق رافعا رأسك خاليا عن الأوزار ظهرك ونضرة نسيم النعيم وبرد الرضا يتلألأ من جبينك، وخلق الأولين والآخرين ينظرون إليك وإلى حالك ويغبطونك في حسنك وجمالك والملائكة يمشون بين يديك ومن خلفك وينادون على رءوس الأشهاد: هذا فلان بن فلان - رضي الله عنه- وأرضاه وقد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا) وقد تقدم معنى ذلك من حديث أنس من عند صاحب الحلية، وروي نحوه عن سلمان في كتاب الأهوال لابن أبي الدنيا .

(فترى أن هذا المنصب ليس بأعظم من المكانة التي تنالها في قلوب الخلق في الدنيا بريائك ومداهنتك وتصنعك وتزينك، فإن كنت تعلم أنه خير منه بل لا نسبة له إليه فتوسل إلى إدراك هذه المرتبة) العالية (بالإخلاص الصافي والنية الصادقة في معاملتك مع الله تعالى، فلن تدرك ذلك إلا به، وإن تكن الأخرى والعياذ بالله تعالى بأن خرج من صحيفتك جريمة كنت تحسبها هينة وهي عند الله عظيمة) ولو نحو أف للوالدين (فمقتك لأجلها، فقال: عليك لعنتي يا عبد السوء، لا أتقبل منك عبادتك) بل هي مردودة عليك (فلا تسمع هذا النداء إلا ويسود وجهك، ثم تغضب الملائكة لغضب الله تعالى فيقولون: وعليك لعنتنا ولعنة الخلائق أجمعين، وعند ذلك ينثال إليك الزبانية) وهم الملائكة الموكلة بالنار (وقد غضبت لغضب خالقها فأقدمت عليك بفظاظتها وذعارتها وصورها المنكرة فأخذوا بناصيتك) وأقدامك (يسحبونك على وجهك على ملأ الخلق وهم ينظرون إلى اسوداد [ ص: 481 ] وجهك وإلى ظهور خزيك وأنت تنادي بالويل والثبور وهم يقولون: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا، وتنادي الملائكة ويقولون: هذا فلان بن فلان، كشف الله عن فضائحه ومخازيه ولعنه بقبائح مساويه فشقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا) .

كما روي معناه في حديث أنس المتقدم (وربما يكون ذلك بذنب أذنبته خيفة من عباد الله أو طلبا للمكانة في قلوبهم أو خوفا من الافتضاح عندهم، فما أعظم جهلك إذ تحترز عن الافتضاح عند طائفة يسيرة من عباد الله في الدنيا المنقرضة) الفانية عن قرب (ثم لا تخشى من الافتضاح العظيم في ذلك الملأ العظيم) وقد ورد: فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. كما تقدم (مع التعرض لسخط الله وعقابه الأليم والسياق بأيدي الزبانية إلى سواء الجحيم فهذه أحوالك وأنت لم تشعر) بعد (بالخطر الأعظم) والخطب الأفزع الأهم (وهو خطر الصراط) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث