الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومن آياته الجواهر المودعة تحت الجبال ، والمعادن الحاصلة من الأرض ففي ، الأرض قطع متجاورات مختلفة فانظر إلى الجبال كيف يخرج منها الجواهر النفيسة من الذهب ، والفضة ، والفيروزج واللعل وغيرها بعضها منطبعة تحت المطارق كالذهب والفضة والنحاس ، والرصاص ، والحديد ، وبعضها لا ينطبع كالفيروزج ، واللعل .

وكيف . هدى الله الناس إلى استخراجها وتنقيتها واتخاذ الأواني ، والآلات ، والنقود والحلي ، منها ثم انظر إلى معادن الأرض من النفط والكبريت والقار وغيرها . وأقلها الملح ، ولا يحتاج إليه إلا لتطييب الطعام ولو خلت عنه بلدة لتسارع الهلاك إليها . فانظر إلى رحمة الله تعالى كيف خلق بعض الأراضي سبخة بجوهرها بحيث يجتمع فيها الماء الصافي من المطر فيستحيل ملحا مالحا محرقا لا يمكن تناول مثقال منه ليكون ذلك تطييبا لطعامك إذا أكلته فيتهنأ عيشك وما من جماد ، ولا حيوان ، ولا نبات ، إلا وفيه حكمة وحكم ، من هذا الجنس ما خلق شيء منها عبثا ، ولا لعبا ، ولا هزلا ، بل خلق الكل بالحق كما ينبغي ، وعلى الوجه الذي ينبغي ، وكما يليق بجلاله ، وكرمه ، ولطفه ولذلك قال تعالى : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق .

ومن آياته أصناف الحيوانات وانقسامها إلى ما يطير وإلى ما يمشي ; وانقسام ما يمشي إلى ما يمشي على رجلين ، وإلى ما يمشي على أربع وعلى ، عشر ، وعلى مائة ، كما يشاهد في بعض الحشرات ثم انقسامها في المنافع ، والصور ، والأشكال ، والأخلاق ، والطباع ، فانظر إلى طيور الجو ، وإلى وحوش البر والبهائم ، الأهلية ، ترى فيها من العجائب ولا تشك معه في عظمة خالقها ، وقدرة مقدرها ، وحكمة مصورها ، وكيف يمكن أن يستقصى ذلك بل لو أردنا أن نذكر عجائب البقة أو النملة أو النخلة أو العنكبوت وهي من صغار الحيوانات بنائها بيتها ، وفي جمعها غذاءها ، وفي إلفها لزوجها وفي ، ادخارها لنفسا ، وفي حذقها في هندسة بيتها ، وفي هدايتها إلى حاجاتها ، لم نقدر على ذلك فترى العنكبوت يبني بيته على طرف نهر ، فيطلب أولا موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونه حتى يمكنه أن يصل بالخيط بين طرفيه ; ثم يبتدئ ويلقي اللعاب الذي هو خيطه على جانب ليلتصق به ، ثم يغدو إلى الجانب الآخر فيحكم الطرف الآخر من الخيط ، ثم كذلك يتردد ثانيا وثالثا ويجعل بعد ما بينهما متناسبا تناسبا هندسيا حتى ، إذا أحكم معاقد القمط ، ورتب الخيوط كالسدى ، اشتغل باللحمة ، فيضع اللحمة على السدى ، ويضيف بعضه إلى بعض ، ويحكم العقد على موضع التقاء اللحمة بالسدى ويراعى في ، جميع ذلك تناسب الهندسة ، ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البق والذباب ، ويقعد في زاوية مترصدا لوقوع الصيد في الشبكة ، فإذا وقع الصيد بادر إلى أخذه وأكله ، فإن عجز عن الصيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط ، ووصل بين طرفي الزاوية بخيط ثم علق نفسه فيها بخيط آخر وبقي ، منكسا في الهواء ينتظر ذبابة تطير ، فإذا طارت رمى بنفسه إليه فأخذه ولف خيطه على رجليه وأحكمه ثم أكله .

التالي السابق


(ومن آياته الجواهر المودعة تحت الجبال، والمعادن الحاصلة من الأرض، ففي الأرض قطع متجاورات مختلفة ) قال الله تعالى: وفي الأرض قطع متجاورات أي بعضها طيبة، وبعضها سبخة، وبعضها رخوة، وبعضها صلبة، وبعضها يصلح للزرع دون الشجر، وبعضها بالعكس. (فانظر إلى الجبال كيف تخرج منها الجواهر النفيسة من الذهب، والفضة، والفيروزج ) وهو حجر أخضر تشوبه زرقة، ويصفر لونه مع صفاء الجو، ويتكدر بكدورته، يجلب من معادن أرض نيسابور (واللعل ) وهو حجر أحمر شبه الياقوت، يجلب من معادن أرض بدخشان (وغيرها ) كالماس، والزمرد، والياقوت، والعقيق، ونحو ذلك. (بعضها منطبعة تحت المطارق كالذهب ) والفضة (والنحاس، والرصاص، والحديد، وبعضها لا تنطبع كالفيروزج، واللعل. و ) انظر (كيف هدى الله الناس إلى استخراجها ) من معادنها (وتنقيتها ) من أوساخها ثم سبكها (واتخاذ الأواني، والآلات، والنقود، والحلي منها ) على أنواع غريبة، وأشكال عجيبة .

(ثم انظر إلى معادن الأرض من النفط ) وهو دهن يخرج من بئر هي معدنه، منه ما لونه أبيض، ومنه ما لونه أسود; (والكبريت ) وهو عين يجري، فإذا جمد ماؤها صار كبريتا أصفر، وأبيض، وكدرا. وأما الكبريت الأحمر فهو من الجواهر المعدنية، معدنه في وادي النمل، يضيء بالليل في معدنه كالنار، وإذا خرج من موضعه لم يضئ، ويدخل في أعمال الذهب كثيرا، ويحمر البياض، ويضرب بعزته المثل. (والقار ) منه بحري أسود سيال، ومنه جبلي يسيل من شجرة (وغيرها. وأقلها الملح، ولا يحتاج إليه إلا لتطييب الطعام ) وإصلاحه (ولو خلت عنه بلدة لتسارع الهلاك إليها. فانظر إلى رحمة الله تعالى كيف خلق بعض الأراضي سبخة بجوهرها ) أي بطبعها الذي خلق عليه (بحيث يجتمع فيها الماء الصافي من المطر فيستحيل ملحا مالحا محرقا لا يمكن تناول مثقال منه ليكون ذلك تطييبا لطعامك إذا أكلته فيتهنى عيشك ) .

اعلم أن الملح أنواع: فمنه ملح العجين، وهو البحري، والسبخي، ومنه الأندراني الشبيه بالبلور، ومنه أسود نفطي، ومنه الملح المر، ومنه الهندي، وهو أبيض فيه حمرة، وكلما كان أمر كان أحر، وأجودها الأندراني، والمحرق أشد تحريقا من غير المحرق، والمحتفر أحمد من غيره، وهو بجميع أنواعه جلاء، محلل، قابض، مجفف، يذهب بوخامة الطبيخ، ويسهل انحدار الطعام، ويمنع العفونة .

(وما من جماد، ولا حيوان، ولا نبات، إلا وفيه حكمة وحكم، من هذا الجنس ما خلق شيء منها عبثا، ولا لعبا، ولا هزلا، بل خلق الكل بالحق كما ينبغي، وعلى الوجه الذي ينبغي، وكما يليق بجلاله، وكرمه، ولطفه ) ورحمته (ولذلك قال تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ) . \50 (ومن آياته ) الدالة على عظيم قدرته (أصناف الحيوانات وانقسامها إلى ما يطير ) في الجو (وإلى ما يمشي; وانقسام ما يمشي على رجلين، وإلى ما يمشي على أربع، و ) إلى ما يمشي (على عشر، وعلى مائة، كما يشاهد في بعض الحشرات ) قال الله تعالى: فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء . قال بعض المحققين: "وإنما اقتصر على أربع ولم يجاوز إشارة إلى أنه غاية ما اقتضته الحكمة الإلهية; وأما ما عداها من الأرجل التي ترى في بعض الحشرات فإنما هي الزوائد والمتممات، والأصلي فيها هي الأربع لا غير" .

(ثم انقسامها في المنافع، والصور، والأشكال، والأخلاق، والطباع، فانظر إلى طيور الجو، وإلى وحوش البر، وإلى البهائم الأهلية، ترى فيها من العجائب ما لا تشك معه في عظمة خالقها، وقدرة مقدرها، وحكمة مصورها، وكيف يمكن أن يستقصى ذلك بل لو أردنا أن نذكر عجائب البقة أو النملة أو النحلة أو العنكبوت- وهي من صغار الحيوانات- في بنائها بيتها، وفي جمعها غذاءها، وفي إلفها [ ص: 202 ] لزوجها، وفي ادخارها لنفسها، وفي حذقها في هندسة بيتها، وفي هدايتها إلى حاجاتها، لم نقدر على ذلك ) . وهي دويبة قصيرة الأرجل، كثيرة الأعين، لها ثمانية أرجل، وست عيون، إذا أرادت صيد الذباب لطئت بالأرض، وجمعت نفسها، ثم وثبت. وتبيض وتحضن، وأول ما تلد دودا صغارا، ثم يتغير ويصير عنكبوتا، وتكمل صورته في ثلاثة أيام، ويقوى على النسج ساعة يولد. (فترى العنكبوت يبني بيته على طرف نهر، فيطلب أولا موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونه حتى يمكنه أن يصل بالخيط إلى طرفيه; ثم يبتدئ ويلقي اللعاب الذي هو خيطه على جانب ليلتصق به، ثم يعدو إلى الجانب الآخر فيحكم الطرف الآخر من الخيط، ثم كذلك يتردد ثانيا وثالثا ويجعل بعد ما بينهما متناسبا تناسبا هندسيا، ثم إذا أحكم معاقد القمط، ورتب الخيوط كالسدى، اشتغل باللحمة، فيضع اللحمة على السدى، ويضيف بعضه إلى بعض، ويحكم العقد على موضع التقاء اللحمة بالسدى، ويرعى في جميع ذلك تناسب الهندسة، ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البق والذباب، ويقعد في زاوية مترصدا لوقوع الصيد في الشبكة، فإذا وقع الصيد بادر إلى أخذه وأكله، فإن عجز عن الصيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط، ووصل بين طرفي الزاوية بخيط ثم علق نفسه منه بخيط آخر، وبقي منكسا في الهواء ينتظر ذبابة تطير، فإذا طارت رمى بنفسه إليه فأخذه ولف خيطه على رجليه وأحكمه ثم أكله ) .

قال صاحب "كشف الأسرار": "قال العنكبوت: من حين أولد أنسج لنفسي، فأول ما أقتصد زاوية البيت، وإن كان خربا فهو أحسن ما آويت، فأقصد الزوايا لما فيها من الخبايا، ولما في سرها من النكت والخفايا، وألقي لعابي على حافاتها حذرا من الخلطة وآفاتها، ثم أفرد من طاقات غزلي خيطا منكسا في الهواء، فأتعلق فيه مسبلا يدي ممسكا برجلي، فيظن الغر أنني في تلك الحالة ميت لا محالة; فتمر الذبابة بي فأختطفها بحبائل كيدي ثم أودعها شبكة صيدي" .




الخدمات العلمية