الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


113 - ( فصل )

وأما التعزير بالعقوبات المالية ، فمشروع أيضا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحمد ، وأحد قولي الشافعي ، وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه بذلك في مواضع : [ ص: 225 ] منها : إباحته صلى الله عليه وسلم سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده . ومثل : أمره صلى الله عليه وسلم بكسر دنان الخمر وشق ظروفها ( 31 ) . ومثل : أمره لعبد الله بن عمر بأن يحرق الثوبين المعصفرين ( 33 ) . ومثل : أمره صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر - بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الإنسية . ثم استأذنوه في غسلها ، فأذن لهم . فدل على جواز الأمرين ، لأن العقوبة لم تكن واجبة بالكسر .

ومثل : هدمه مسجد الضرار . ومثل : تحريق متاع الغال ( 25 ) . [ ص: 226 ]

ومثل : حرمان السلب الذي أساء على نائبه . ومثل : إضعاف الغرم على سارق ما لا قطع فيه من الثمر والكثر ( 28 ) . ومثل : إضعافه الغرم على كاتم الضالة ( 29 ) .

ومثل : أخذه شطر مال مانع الزكاة ، عزمة من عزمات الرب تبارك وتعالى ( 30 ) . ومثل أمره لابس خاتم الذهب بطرحه ، فطرحه ، فلم يعرض له أحد . ومثل : تحريق موسى عليه السلام العجل وإلقاء برادته في اليم .

ومثل : قطع نخيل اليهود ، إغاظة لهم .

ومثل : تحريق عمر وعلي رضي الله عنهما المكان الذي يباع في الخمر .

ومثل : تحريق عمر قصر سعد بن أبي وقاص ، لما احتجب فيه عن الرعية وهذه قضايا صحيحة معروفة ، وليس يسهل دعوى نسخها .

ومن قال : إن العقوبات المالية منسوخة ، وأطلق ذلك ، فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلا واستدلالا ، فأكثر هذه المسائل : سائغ في مذهب أحمد وغيره ، وكثير منها سائغ عند مالك ، وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته صلى الله عليه وسلم مبطل أيضا لدعوى نسخها ، والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ، ولا إجماع يصحح دعواهم ، إلا أن يقول أحدهم : مذهب أصحابنا عدم جوازها ، فمذهب أصحابه عيار على القبول والرد ، وإذا ارتفع عن هذه الطبقة ، ادعى أنها منسوخة بالإجماع ، وهذا غلط أيضا . فإن الأمة لم تجمع على نسخها ، ومحال أن ينسخ الإجماع السنة ، ولكن [ ص: 227 ] لو ثبت الإجماع لكان دليلا على نص ناسخ .

قال ابن رشد في كتاب البيان " له : ولصاحب الحسبة الحكم على من غش في أسواق المسلمين في خبز أو لبن أو عسل ، أو غير ذلك من السلع ، بما ذكره أهل العلم في ذلك ، فقد قال مالك في " المدونة " : " إن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض " ، أدبا لصاحبه ، وكره ذلك في رواية ابن القاسم ، ورأى أن يتصدق به ، ومنع من ذلك في رواية أشهب ، وقال : لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان ، وإن قتل نفسا .

وذكر ابن الماجشون عن مالك - في الذي غش اللبن - مثل الذي تقدم في رواية أشهب .

قال ابن حبيب : فقلت لمطرف وابن الماجشون : فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص في الوزن ؟ قالا : يعاقب بالضرب والحبس والإخراج من السوق ، وما غش من الخبز واللبن ، أو غش في المسك والزعفران : فلا يهراق ولا ينهب .

قال ابن حبيب : ولا يرده الإمام عليه ، وليأمر ثقته ببيعه عليه ممن يأمن ألا يغش به ، ويكسر الخبز إذا كسد ، ثم يسلمه لصاحبه ، ويباع عليه العسل والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله ، ويبين له غشه ، وهكذا العمل في كل ما غش من التجارات ، وهو إيضاح ما استوضحته من أصحاب مالك وغيرهم .

وروي عن مالك : أن المستحسن عنده ، أن يتصدق به ، إذ في ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه ، ونفع المساكين بإعطائهم إياه . ولا يهراق . وقيل لمالك : فالزعفران والمسك ، أتراه مثله ؟ قال : ما أشبهه بذلك ، إذا كان هو الذي غشه ، فهو كاللبن .

قال ابن القاسم : هذا في الشيء الخفيف ثمنه ، فأما إذا كثر ثمنه : فلا أرى ذلك ، وعلى صاحبه العقوبة ، لأنه تذهب في ذلك أموال عظام ، تزيد في الصدقة بكثير .

قال ابن رشد : قال بعض الشيوخ : وسواء - على مذهب مالك - كان ذلك يسيرا أو كثيرا ، لأنه يسوي في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره .

وخالفه ابن القاسم ، فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا . ذلك : إذا كان هو الذي غشه ، فأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو ، وإنما اشتراه ، أو وهب له ، أو ورثه : فلا خلاف أنه لا يتصدق بشيء من ذلك ، والواجب : أن يباع ممن يؤمن أن يبيعه من غيره مدلسا به ، وكذلك ما وجب أن يتصدق به من المسك والزعفران : يباع على الذي غشه . [ ص: 228 ]

وقول ابن القاسم في أنه لا يتصدق من ذلك إلا بالشيء اليسير : أحسن من قول مالك ، لأن الصدقة بذلك من العقوبات في الأموال ، وذلك أمر كان في أول الإسلام . ومن ذلك : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مانع الزكاة : { إنا آخذوها وشطر ماله ، عزمة من عزمات ربنا } ( 30 ) .

وروي عنه في حريسة النخل : { أن فيها غرامة مثلها وجلدات نكال } وما روي عنه : { أن من وجد يصيد في حرم المدينة شيئا ، فلمن وجده سلبه } .

ومثل هذا كثير : نسخ ذلك كله ، والإجماع على أنه لا يجب ، وعادت العقوبات في الأبدان ، فكان قول ابن القاسم أولى بالصواب استحسانا ، والقياس : أنه لا يتصدق من ذلك بقليل ولا كثير ، انتهى كلامه . وقد عرفت أنه ليس مع من ادعى النسخ نص ولا إجماع .

والعجب : أنه قد ذكر نص مالك وفعل عمر ، ثم جعل قول ابن القاسم أولى ، ونسخ النصوص بلا ناسخ ، فقول عمر وعلي والصحابة ومالك وأحمد : أولى بالصواب بل هو إجماع الصحابة ، فإن ذلك اشتهر عنهم في قضايا متعددة جدا ولم ينكره منهم منكر ، وعمر يفعله بحضرتهم ، وهم يقرونه ، ويساعدونه عليه ، ويصوبونه في فعله ، والمتأخرون كلما استبعدوا شيئا ، قالوا : منسوخ ، ومتروك العمل به .

وقد أفتى ابن القطان في الملاحف الرديئة النسج بالإحراق بالنار ، وأفتى ابن عتاب فيها بتقطيعها خرقا ، وإعطائها للمساكين ، إذا تقدم لمستعملها فلم ينته ، ثم أنكر ابن القطان ذلك ، وقال : لا يحل هذا في مال مسلم بغير إذنه ، يؤدب فاعل ذلك بالإخراج من السوق .

وأنكر ذلك القاضي أبو الأصبغ علي بن القطان ، وقال : هذا اضطراب في جوابه ، وتناقض في قوله ، لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار : أشد من إعطائها للمساكين .

قال : وابن عتاب أضبط لأصله في ذلك وأتبع لقوله .

وفي تفسير ابن مزين " قال عيسى : قال مالك - في الرجل يجعل في مكياله زفتا - إنه يقام من السوق ، فإنه أشق عليه ، يريد ، من أدبه بالضرب والحبس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث