الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                    124 - ( فصل )

                    [ ص: 252 ] ومن مواضع القرعة : إذا أعتق عبدا من عبيده ، أو طلق امرأة من نسائه ، لا يدري أيتهن هي ؟ فقال أحمد في رواية الميموني : إن مات قبل أن يقرع بينهن يقوم وليه في هذا مقامه ، يقرع بينهن ، فأيتهن وقعت عليها القرعة لزمته .

                    وقال أبو بكر بن محمد عن أبيه : سألت أبا عبد الله : عن رجل أعتق أحد غلاميه في صحته ، ثم مات المولى ، ولم يدر الورثة أيهما أعتق ، قال : يقرع بينهما .

                    وقال حنبل : سمعت أبا عبد الله قال في القرعة : إذا قال : أحد غلامي حر ، ثم مات قبل أن يعلم : يقرع بينهما ، فأيهما وقعت عليه القرعة عتق ، كذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الذي أعتق ستة أعبد له .

                    وقال مهنا : سألت أحمد عن رجل قال لامرأتين له : إحداكما طالق ، أو لعبدين له : أحدكما حر ، قال : قد اختلفوا فيه ، قلت : ترى أن يقرع بينهما ؟ قال : نعم ، قلت : وتجيز القرعة في الطلاق ؟ قال : نعم .

                    وقال في رواية الميموني - فيمن له أربع نسوة طلق واحدة منهن ، ولم يدر : يقرع بينهن ، كذلك في الأعبد ، فإن أقرع بينهن ، فوقعت القرعة على واحدة ، ثم ذكر التي طلق : رجعت هذه ، ويقع الطلاق على التي ذكر ، فإن تزوجت فذاك شيء قد مر ، وإن كان الحاكم قد أقرع بينهن لم ترجع إليه .

                    وقال أبو الحارث عن أحمد - في رجل له أربع نسوة طلق إحداهن ، ولم تكن له نية في واحدة بعينها - يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي المطلقة ، وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ثم نسيها .

                    قال : والقرعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء بها القرآن .

                    وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يقرع بينهن ، ولكن إذا كان الطلاق لواحدة لا بعينها ولا نواها ، فإنه يختار صرف الطلاق إلى أيتهن شاء ، وإن كان الطلاق لواحدة بعينها ونسيها ، فإنه يتوقف فيهما حتى يتذكر ، ولا يقرع ، ولا يختار صرف الطلاق إلى واحدة منهما .

                    وقال مالك : يقع الطلاق على الجميع . والقول بالقرعة : مذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال وكيع : سمعت عبد الله قال : سألت أبا جعفر عن رجل له أربع نسوة ، فطلق إحداهن ، لا يدري أيتهن طلق ، فقال : علي يقرع بينهن .

                    فالأقوال التي قيل بها في هذه المسألة لا تخرج عن أربعة : ثلاثة قيل بها ، وواحد لا يعلم به قائل .

                    أحدها : أنه يعين في المبهمة ، ويقف في حق المنسية عن الجميع ، فينفق عليهن ويكسوهن ، ويعتزلهن إلى أن يفرق بينهما الموت أو يتذكر ، وهذا في غاية الحرج ، والإضرار به وبالزوجات ، فينفيه . [ ص: 253 ] قوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وقوله صلى الله عليه وسلم : { لا ضرر ولا ضرار } فأي حرج وضرر وإضرار أكثر من ذلك ؟

                    الثاني : أن يطلق عليه الجميع ، مع الجزم بأنه إنما طلق واحدة ، لا الجميع ، فإيقاع الطلاق بالجميع - مع القطع بأنه لم يطلق الجميع - ترده أصول الشرع وأدلته .

                    الثالث : أنه لا يقع الطلاق بواحدة منهن ; لأن النكاح ثابت بيقين ، وكل واحدة منهن مشكوك فيها : هل هي المطلقة أم لا ؟ فلا تطلق بالشك ، ولا يمكن إيقاع الطلاق بواحدة غير معينة ، وليس البعض أولى بأن يوقع عليها الطلاق من البعض ، والقرعة قد تخرج غير المطلقة ، فإنها كما يجوز أن تقع على المطلقة يجوز أن تقع على غيرها ، فإذا أخطأت المطلقة وأصابت غيرها أفضى ذلك إلى تحريم من هي زوجة ، وحل من هي أجنبية .

                    وإذا بطلت هذه الأقسام كلها تعين هذا التقرير ، وهو بقاء النكاح في حق كل واحدة منهن حتى يتبين أنها المطلقة ، وإذا كان النكاح باقيا فيها ، فأحكامه مترتبة عليه ، وأما بقاء النكاح وتحريم الوطء دائما : فلا وجه له .

                    فهذا القول : والقول بوقوع الطلاق على الجميع : متقابلان ، وأدلتهما تكاد أن تتكافأ ، لا احتياط في إيقاع الطلاق بالجميع ، فإنه يتضمن تحريم الفرج على الزوج ، وإباحته بالشك لغيره .

                    قال المقرعون : قد جعل الله سبحانه القرعة طريقا إلى الحكم الشرعي في كتابه ، وفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بها ، وحكم بها علي بن أبي طالب في المسألة بعينها ، وكل قول غير القول بها : فإن أصول الشرع وقواعده ترده .

                    أما وقوع الطلاق على الجميع - مع العلم بأنه إنما أوقعه على واحدة - فتطليق لغير المطلقة ، وهو نظير ما لو طلق طلقة واحدة أو ثلاثا ، حيث يجوز أن يجعل ثلاثا ، فإنه يجوز أن يكون قد استوفى عدد الطلاق ، وفي مسألتنا : هو جازم بأنه لم يستوف عدد الطلقات ، بل كل واحدة منهن قد شك : هل طلقها أم لا ؟ وغايته : أنه قد تيقن تحريما في واحدة لا بعينها ، فكيف يحرم عليه غيرها ؟ فإن قيل : قد اشتبهت المحللة بالمحرمة ، فحرمتا معا ، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية ، وميتة بمذكاة . قيل : هاهنا معنا أصل يرجع إليه ، وهو التحريم الأصلي ، وقد وقع الشك في سبب الحل ، فلا يرفع التحريم الأصلي إلا بالنكاح ، ثم وقع في عين غير معينة ، ومعنا أصل الحل المستصحب ، فلا يمكن تعميم التحريم ، ولا إلغاؤه بالكلية ، ولم يبق طريق إلى تعيين محله إلا بالقرعة ، فتعينت طريقا .

                    قالوا : وأيضا فإن الطلاق قد وقع على واحدة منهن معينة ; لامتناع وقوعه في غير معين ، فلم [ ص: 254 ] يملك المطلق صرفه إلى أيتهن شاء ، لكن التعيين غير معلوم لنا ، وهو معلوم عند الله ، وليس لنا طريق إلى معرفته ، فتعينت القرعة .

                    يوضحه : أن التعيين من المطلق ليس إنشاء للطلاق في المعينة ، فإنه لو كان إنشاء لم يكن المتقدم طلاقا ، ولكان الجميع حلالا له ، ولما أمر بأن ينشئ الطلاق ، ولا افتقر إلى لفظ يقع به ، وإذا لم يكن إنشاء فهو إخبار منه بأن هذه المعينة هي التي أوقعت عليها الطلاق ، وهذا خبر غير مطابق ، بل هو خلاف الواقع ، وحاصله : أن التعيين إما أن يكون إنشاء للطلاق ، أو إخبارا ، ولا يصلح لواحد منهما .

                    فإن قيل : بل هو إنشاء عندنا في المبهمة ، وأما المنسية : فهو واقع من حين طلق . قيل : لا يصح جعله إنشاء للطلاق ، لأن الطلاق إما أن يكون قد وقع بإحداهن أو لا ، فإن لم يقع لم يلزمه أن ينشئه ، وإن كان قد وقع استحال إنشاؤه أيضا ، لأنه تحصيل للحاصل .

                    فإن قيل : فهذا يلزمكم أيضا ، لأنكم تقولون : إن الطلاق يقع من حين الإقراع ، قيل : بل الطلاق عندنا في الموضعين واقع من حين الإيقاع .

                    قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب - في رجل له أربع نسوة ، فطلق إحداهن وتزوج أخرى ، ومات ، ولم يدر أي الأربع طلق - فلهذه الأخيرة : ربع الثمن ، ثم يقرع بين الأربع ، فأيتهن قرعت أخرجت ، وورث البواقي .

                    قال القاضي : فقد حكم بصحة نكاح الخامسة قبل تعيين المطلقة ، قال : وهذا يدل على ، وقوع الطلاق من حين الإيقاع ، ولو كان من حين التعيين لم يصح نكاح الخامسة .

                    فإن قيل : هذا بعينه يرد عليكم في التعيين بالقرعة ، والجواب حينئذ واحد . قيل : الفرق بين التعيين ظاهر ، فإن تعيين المكلف تابع لاختياره وإرادته ، وتعين القرعة إلى الله عز وجل ، والعبد يفعل القرعة وهو ينتظر ما يعينه له القضاء والقدر ، شاء أم أبى . وهذا هو سر المسألة وفقهها ، فإن التعيين إذا لم يكن لنا سبيل إليه بالشرع فوض إلى القضاء والقدر ، وصار الحكم به شرعيا قدريا : شرعيا في فعل القرعة ، وقدريا : فيما تخرج به ، وذلك إلى الله ، لا إلى المكلف . فلا أحسن من هذا ولا أبلغ في موافقته شرع الله وقدره . وأيضا : فإنه لو طلق واحدة منهن ، ثم أشكلت عليه ، لم يكن له أن يعين المطلقة باختياره ، فهكذا إذا طلق واحدة لا بعينها .

                    فإن قيل : الفرق ظاهر ، وهو أن الطلاق هاهنا قد وقع على واحدة بعينها ، فإذا أشكلت لم يجز [ ص: 255 ] أن يعين من تلقاء نفسه ، لأنه لا يأمن أن يعين غير التي وقع عليها الطلاق ، ويستديم نكاح التي طلقها ، وليس كذلك في مسألتنا ، فإن الطلاق وقع على إحداهن غير معينة ، فليس في تعيينه إيقاع للطلاق على من لم يقع بها ، وصرفه عمن وقع بها .

                    قيل : إحداهما محرمة عليه في المسيس ، ولا يدري عينها ، فإذا لم يملك التعيين بلا سبب في إحدى الصورتين ، لم يملكه في الأخرى ، وهذا أيضا سر المسألة وفقهها ، فإن التعيين بالقرعة تعيين بسبب قد نصبه الله ورسوله سببا للتعيين عند عدم غيره ، والتعيين بالاختيار تعيين بلا سبب ، إذ هذا فرض المسألة ، حيث انتفت أسباب التعيين وعلاماته . ولا يخفى أن التعيين بالسبب الذي نصبه الشرع له أولى من التعين الذي لا سبب له .

                    فإن قيل : المنسية والمشتبهة يجوز أن تذكر ، وتعلم عينها بزوال ، الاشتباه ; فلهذا لم يملك صرف الطلاق فيها إلى من أراد ، بخلاف المبهمة فإنه لا يرجى ذلك فيها .

                    قيل : وكذلك المنسية والمشكلة إذا عدم أسباب العلم بتعيينها ، فإنه يصير في إبقائها إضرار به وبها ، ووقف للأحكام ، وجعل المرأة معلقة باقي عمرها ، لا ذات زوج ولا مطلقة وهذا لا عهد لنا به في الشريعة .

                    التالي السابق


                    الخدمات العلمية