الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الرابع في آداب زيارته صلى الله عليه وسلم

فصل

واعلم أن حرمة النبي- صلى الله عليه وسلم- وتوقيره وتعظيمه بعد موته لازم كما كان في حياته ، وذلك عند ذكره- صلى الله عليه وسلم- وذكر حديثه وسنته ، وسماع اسمه وسيرته ومعاملة آله وعترته ، وتعظيم أهل بيته وصحابته- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- . [ ص: 395 ]

قال أبو إبراهيم التجيبي واجب على كل مسلم متى ذكره ، أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع ، ويتوقر ويسكن من حركته ، ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ، ويتأدب بما أدبنا الله تعالى به .

وهذه كانت سيرة السلف الصالح في الأئمة الماضين .

وروى القاضي- بسند جيد- عن ابن حميد قال : ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ، فقال مالك : يا أمير المؤمنين ، لا ترفع صوتك في هذا المسجد ، فإن الله عز وجل أدب قوما فقال : لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي [الحجرات : 2] الآية .

ومدح قوما فقال : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله [الحجرات : 3] الآية .

وذم قوما فقال : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون [الحجرات : 4] وإن حرمته ميتا كحرمته حيا ، فاستكان لها أبو جعفر وقال : يا أبا عبد الله ، أأستقبل القبلة وأدعو ؟ أم أستقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ؟ فقال : ولم تصرف وجهك عنه ، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم- عليه السلام- إلى الله تعالى يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به ، فيشفعك الله ، قال الله تعالى : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما .

وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى : كان أيوب السختياني إذا ذكر النبي- صلى الله عليه وسلم- بكى حتى أرحمه .

وقال مصعب بن عبد الله : كان مالك إذا ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يتغير لونه ، وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه ، فقيل له يوما في ذلك فقال : لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون ، ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه ، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد- وكان كثير الدعابة والتبسم- فإذا ذكر عنده النبي- صلى الله عليه وسلم- اصفر ، وما رأيته يحدث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا على طهارة .

ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ، فننظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم ، وقد جف لسانه في فمه ، هيبة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- .

ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير ، فإذا ذكر عنده رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع . [ ص: 396 ]

ولقد كنت آتي الزهري ، وكان من أهنأ الناس وأقربهم ، فإذا ذكر عنده رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكأنه ما عرفك ولا عرفته .

ولقد كنت آتي صفوان بن سليم ، وكان من المتعبدين المتهجدين ، فإذا ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بكى ، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركونه .

وكان ابن سيرين ربما يضحك ، فإذا ذكر عنده [حديث] رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خشع وتضرع .

وقال عمر بن ميمون : إن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه- حدث يوما ، فجرى على لسانه ، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فعلاه كرب حتى رأيت العرق ينحدر عن وجهه ، وغرغرت عيناه ، وانفتخت أوداجه ، ثم قال : هكذا إن شاء الله ، أو فوق ذا ، أو دون ذا ، أو قريبا من ذا .

وقال مصعب : كان مالك بن أنس لا يحدث حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا على وضوء ، إجلالا له .

والآثار في هذا كثيرة ، وقد تقدم كثير من ذلك في باب ما يجب على الأنام من حقوقه- عليه الصلاة والسلام- .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث