الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى اذهبا إلى فرعون إنه طغى

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قوله : اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : اذهبا قال في أول الآية : اذهب أنت وأخوك بآياتي وقال هنا اذهبا فقيل : أمر الله تعالى موسى وهارون في هذه الآية بالنفوذ إلى دعوة فرعون ، وخاطب أولا موسى وحده تشريفا له ؛ ثم كرر للتأكيد . وقيل بين بهذا أنه لا يكفي ذهاب أحدهما . وقيل : الأول أمر بالذهاب إلى كل الناس ، والثاني بالذهاب إلى فرعون .

الثانية : في قوله تعالى : فقولا له قولا لينا دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة ، وضمنت له العصمة ، ألا تراه قال : فقولا له قولا لينا وقال : لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى فكيف بنا فنحن أولى بذلك . وحينئذ يحصل الآمر والناهي على مرغوبه ، ويظفر بمطلوبه ؛ وهذا واضح .

الثالثة : واختلف الناس في معنى قوله : لينا فقالت فرقة منهم الكلبي وعكرمة : معناه كنياه ؛ وقاله ابن عباس ومجاهد والسدي . ثم قيل : وكنيته أبو العباس . وقيل : أبو الوليد . وقيل : أبو مرة ؛ فعلى هذا القول تكنية الكافر جائزة إذا كان وجيها ذا شرف وطمع بإسلامه . وقد يجوز ذلك وإن لم يطمع بإسلامه ، لأن الطمع ليس بحقيقة توجب عملا . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ولم يقل وإن طمعتم في إسلامه ، ومن الإكرام دعاؤه بالكنية . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لصفوان بن أمية : انزل أبا وهب فكناه . وقال لسعد : ألم تسمع ما يقول أبو حباب يعني عبد الله بن أبي . وروي في الإسرائيليات أن موسى - عليه السلام - قام على باب فرعون [ ص: 119 ] سنة ، لا يجد رسولا يبلغ كلاما حتى خرج . فجرى له ما قضى الله من ذلك ، وكان ذلك تسلية لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرتهم مع الظالمين ، وربك أعلم بالمهتدين . وقيل قال له موسى تؤمن بما جئت به ، وتعبد رب العالمين ؛ على أن لك شبابا لا يهرم إلى الموت ، وملكا لا ينزع منك إلى الموت ، وينسأ في أجلك أربعمائة سنة ، فإذا مت دخلت الجنة . فهذا القول اللين . وقال ابن مسعود القول اللين قوله تعالى : فقل هل لك إلى أن تزكى . وأهديك إلى ربك فتخشى . وقد قيل : إن القول اللين قول موسى : يا فرعون إنا رسولا ربك رب العالمين . فسماه بهذا الاسم لأنه أحب إليه مما سواه مما قيل له ، كما يسمى عندنا الملك ونحوه .

قلت : القول اللين هو القول الذي لا خشونة فيه ؛ يقال : لان الشيء يلين لينا ؛ وشيء لين ولين مخفف منه ؛ والجمع أليناء . فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولا لينا ، فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه ، وأمره بالمعروف في كلامه . وقد قال تعالى وقولوا للناس حسنا . على ما تقدم في ( البقرة ) بيانه والحمد لله .

الرابعة قوله تعالى : لعله يتذكر أو يخشى معناه : على رجائكما وطمعكما ؛ فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر ؛ قاله كبراء النحويين : سيبويه وغيره . وقد تقدم في أول ( البقرة ) قال الزجاج : ( لعل ) لفظة طمع وترج فخاطبهم بما يعقلون . وقيل : ( لعل ) هاهنا بمعنى الاستفهام ، والمعنى فانظر هل يتذكر . وقيل : هل بمعنى كي . وقيل : هو إخبار من الله تعالى عن قول هارون لموسى لعله يتذكر أو يخشى ؛ قاله الحسن . وقيل : إن لعل وعسى في جميع القرآن لما قد وقع . وقد تذكر فرعون حين أدركه الغرق وخشي فقال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ولكن لم ينفعه ذلك ؛ قاله أبو بكر الوراق وغيره وقال يحيى بن معاذ في هذه الآية : هذا رفقك بمن يقول أنا الإله فكيف رفقك بمن يقول أنت الإله ؟ ! . وقد قيل : إن فرعون ركن إلى قول موسى لما دعاه ، وشاور امرأته فآمنت وأشارت عليه بالإيمان ، فشاور هامان فقال : لا تفعل ؛ بعد أن كنت مالكا تصير مملوكا ، وبعد أن كنت ربا تصير مربوبا . وقال له : أنا أردك شابا فخضب لحيته بالسواد فهو أول من خضب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث