الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

النوع الثالث .

معرفة النهاري والليلي .

أمثلة النهاري كثيرة . قال ابن حبيب : نزل أكثر القرآن نهارا; وأما الليلي فتتبعت له أمثلة :

منها : آية تحويل القبلة ، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح ، إذ أتاهم آت فقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل القبلة .

وروى مسلم عن أنس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي نحو بيت المقدس ، فنزلت : قد نرى تقلب وجهك في السماء [ البقرة : 144 ] الآية . فمر رجل من بني سلمة ، وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة ، فنادى : ألا إن القبلة قد حولت ، فمالوا كلهم نحو القبلة .

لكن في الصحيحين عن البراء : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بيت المقدس ستة عشر - أو سبعة عشر شهرا - وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وإنه أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن صلى معه ، فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله ، لقد صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الكعبة ، فداروا كما هم قبل البيت . فهذا يقتضي أنها نزلت نهارا بين الظهر والعصر .

قال القاضي جلال الدين : والأرجح بمقتضى الاستدلال نزولها بالليل ; لأن قضية أهل قباء كانت في الصبح ، وقباء قريبة من المدينة ، فيبعد أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر البيان لهم من العصر إلى الصبح .

وقال ابن حجر : الأقوى أن نزولها كان نهارا ، والجواب عن حديث ابن عمر : أن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة ، ووصل وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة ، وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء . وقوله : ( قد أنزل عليه الليلة ) مجاز ، من إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي والذي يليه .

قلت : ويؤيد هذا ما أخرجه النسائي عن أبي سعيد بن المعلى ، قال : مررنا يوما ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد على المنبر فقلت : لقد حدث أمر ، فجلست ، فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية : قد نرى تقلب وجهك في السماء حتى فرغ منها ، ثم نزل فصلى الظهر .

ومنها : أواخر آل عمران ، أخرج ابن حبان ، في صحيحه ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، وابن أبي الدنيا في كتاب التفكر عن عائشة : أن بلالا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤذنه لصلاة الصبح ، فوجده يبكي فقال : يا رسول الله ، ما يبكيك ؟ قال : وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل علي هذه الليلة : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب [ آل عمران : 190 ] ، ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر .

ومنها : والله يعصمك من الناس [ المائدة : 67 ] أخرج الترمذي والحاكم ، عن عائشة قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرس ، حتى نزلت ، فأخرج رأسه من القبة ، فقال : أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله .

وأخرج الطبراني ، عن عصمة بن مالك الخطمي ، قال : كنا نحرس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل حتى نزلت ، فترك الحرس .

ومنها : سورة الأنعام ، أخرج الطبراني وأبو عبيد في فضائله ، عن ابن عباس قال : نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة ، حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح .

ومنها : آية الثلاثة الذين خلفوا ، ففي الصحيحين من حديث كعب : فأنزل الله توبتنا حتى بقي الثلث الأخير من الليل .

ومنها : سورة مريم ; روى الطبراني عن أبي مريم الغساني ، قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : ولدت لي الليلة جارية ، فقال : والليلة نزلت علي سورة مريم ، سمها مريم .

ومنها : أول الحج ، ذكره ابن حبيب ومحمد بن بركات السعدي في كتابه الناسخ والمنسوخ وجزم به السخاوي في " جمال القراء " . وقد يستدل له بما أخرجه ابن مردويه ، عن عمران بن حصين : أنها نزلت والنبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، وقد نعس بعض القوم وتفرق بعضهم فرفع بها صوته . . الحديث .

ومنها : آية الإذن في خروج النسوة في الأحزاب ، قال القاضي جلال الدين : والظاهر أنها ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك الآية [ الأحزاب : 59 ] . ففي البخاري عن عائشة : خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها ، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها ، فرآها عمر ، فقال : يا سودة ، أما والله ما تخفين علينا ، فانظري كيف تخرجين . قالت : فانكفأت راجعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنه ليتعشى وفي يده عرق ، فقلت : يا رسول الله ، خرجت لبعض حاجتي ، فقال لي عمر كذا ; فأوحى الله إليه وإن العرق في يده ما وضعه ، فقال : إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن .

قال القاضي جلال الدين : وإنما قلنا : إن ذلك كان ليلا ; لأنهن إنما كن يخرجن للحاجة ليلا ، كما في الصحيح عن عائشة في حديث الإفك .

ومنها : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا [ الزخرف : 45 ] على قول ابن حبيب : إنها نزلت ليلة الإسراء .

ومنها : أول الفتح ، ففي البخاري من حديث : لقد نزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس فقرأ ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) . . . . . الحديث .

ومنها : سورة المنافقين ، كما أخرجه الترمذي ، عن زيد بن أرقم .

ومنها : سورة ( والمرسلات ) ، قال السخاوي في " جمال القراء " : روي عن ابن مسعود أنها نزلت ليلة الحية بحراء .

قلت : هذا أثر لا يعرف ، ثم رأيت في صحيح الإسماعيلي ، وهو مستخرجه على البخاري أنها نزلت ليلة عرفة بغار منى ، وهو في الصحيحين بدون قوله ليلة : عرفة . والمراد بها : ليلة التاسع من ذي الحجة ، فإنها التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبيتها بمنى .

ومنها : المعوذتان ، فقد قال ابن أشتة في المصاحف : أنبأنا محمد بن يعقوب ، نبأنا أبو داود ، نبأنا عثمان بن أبي شيبة ، نبأنا جرير ، عن بيان ، عن قيس ، عن عقبة بن عامر الجهني قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنزلت علي الليلة آيات لم ير مثلهن : قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس .

ومنه : ما نزل بين الليل والنهار في وقت الصبح ، وذلك آيات .

منها : آية التيمم في المائدة ، ففي الصحيح عن عائشة : وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يجد ، فنزلت : ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة إلى قوله لعلكم تشكرون [ المائدة : 6 ] .

ومنها : ليس لك من الأمر شيء [ آل عمران : 128 ] . ففي الصحيح : أنها نزلت وهو في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح ، حين أراد أن يقنت يدعو على أبي سفيان ، ومن ذكر معه .

تنبيه : فإن قلت : فما تصنع بحديث جابر مرفوعا : أصدق الرؤيا ما كان نهارا ; لأن الله خصني بالوحي نهارا . أخرجه الحاكم في تاريخه .

قلت : هذا الحديث منكر لا يحتج به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث