الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


عسى : فعل جامد لا يتصرف ، ومن ثم ادعى قوم أنه حرف .

ومعناه الترجي في المحبوب ، والإشفاق في المكروه
، وقد اجتمعتا في قوله تعالى : وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم [ البقرة : 216 ] .

قال ابن فارس : وتأتي للقرب والدنو ، نحو : قل عسى أن يكون ردف لكم [ النمل : 72 ] .

وقال الكسائي : كل ما في القرآن من ( عسى ) على وجه الخبر فهو موحد كالآية السابقة ، ووجه على معنى : عسى الأمر أن يكون كذا . وما كان على الاستفهام فإنه يجمع ، نحو : فهل عسيتم إن توليتم [ محمد : 22 ] قال أبو عبيدة : معناه : هل عرفتم ذلك ، وهل أخبرتموه ؟ .

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهما ، عن ابن عباس قال : كل عسى في القرآن فهي واجبة .

وقال الشافعي : يقال : عسى من الله واجبة .

[ ص: 501 ] وقال ابن الأنباري : عسى في القرآن واجبة إلا في موضعين :

أحدهما : عسى ربكم أن يرحمكم [ الإسراء : 8 ] يعني : بني النضير ، فما رحمهم الله ، بل قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأوقع عليهم العقوبة .

والثاني : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا [ التحريم : 5 ] فلم يقع التبديل .

وأبطل بعضهم الاستثناء ، وعمم القاعدة ; لأن الرحمة كانت مشروطة بألا يعودوا ، كما قال : وإن عدتم عدنا [ الإسراء : 8 ] وقد عادوا ، فوجب عليهم العذاب ، والتبديل مشروطا بأن يطلق ولم يطلق ، فلا يجب .

وفي " الكشاف " : في سورة التحريم : عسى إطماع من الله تعالى لعباده ، وفيه وجهان :

أحدهما : أن يكون ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بلعل وعسى ، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت .

والثاني : أن يكون جيء به تعليما للعباد أن يكونوا بين الخوف والرجاء .

وفي " البرهان " : عسى ولعل من الله واجبتان ، وإن كانتا رجاء وطمعا في كلام المخلوقين ; لأن الخلق هم الذين يعرض لهم الشكوك والظنون ، والبارئ منزه عن ذلك .

والوجه في استعمال هذه الألفاظ : أن الأمور الممكنة لما كان الخلق يشكون فيها ولا يقطعون على الكائن منها ، والله يعلم الكائن منها على الصحة ، صارت لها نسبتان : نسبة إلى الله تسمى نسبة قطع ويقين ، ونسبة إلى المخلوقين تسمى نسبة شك وظن ، فصارت هذه الألفاظ لذلك ترد : تارة بلفظ القطع بحسب ما هي عليه عند الله تعالى ، نحو : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه [ المائدة : 54 ] . وتارة بلفظ الشك بحسب ما هي عليه عند الخلق ، نحو : فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده [ المائدة : 52 ] ، ونحو : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [ طه : 44 ] ، وقد علم الله - حال إرسالهما - ما يفضي إليه حال فرعون ، لكن ورد اللفظ بصورة ما يختلج في نفس موسى وهارون من الرجاء والطمع . ولما نزل القرآن بلغة العرب جاء على مذاهبهم في ذلك ، والعرب قد تخرج الكلام المتيقن في صورة المشكوك لأغراض .

وقال ابن الدهان : ( عسى ) فعل ماضي اللفظ والمعنى ; لأنه طمع قد حصل في شيء مستقبل .

[ ص: 502 ] وقال قوم : ماضي اللفظ مستقبل المعنى ; لأنه إخبار عن طمع يريد أن يقع .

تنبيه : وردت في القرآن على وجهين :

أحدهما : رافعة لاسم صريح بعده فعل مضارع مقرون بأن ، والأشهر في إعرابها حينئذ أنها فعل ماض ناقص عامل عمل كان . فالمرفوع اسمها وما بعده الخبر . وقيل : متعد بمنزلة ( قارب ) معنى وعملا ، أو قاصر بمنزلة : قرب من أن يفعل ، وحذف الجار توسعا ; وهو رأي سيبويه والمبرد . وقيل : قاصر بمنزلة قرب ، وأن يفعل بدل اشتمال من فاعلها .

الثاني : أن يقع بعدها ( أن ) والفعل ; فالمفهوم من كلامهم أنها حينئذ تامة . وقال ابن مالك : عندي أنها ناقصة أبدا ، وأن وصلتها سدت مسد الجزأين كما في : أحسب الناس أن يتركوا [ العنكبوت : 2 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث