الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 168 ] ومنه ما لا يتكلم به ولا يكتبه لأحد ولا يأمر بكتابته ، ولكنه يحدث به الناس حديثا ، ويبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه .

فصل .

[ كيفيات الوحي ] .

وقد ذكر العلماء للوحي كيفيات :

إحداها : أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس ، كما في الصحيح .

وفي مسند أحمد ، عن عبد الله بن عمر : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - هل تحس بالوحي فقال : أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض .

قال الخطابي : والمراد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد . وقيل : هو صوت خفق أجنحة الملك . والحكمة في تقدمه أن يفرغ سمعه للوحي ، فلا يبقى فيه مكانا لغيره . وفي الصحيح أن هذه الحالة أشد حالات الوحي عليه . وقيل : إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد أو تهديد .

الثانية : أن ينفث في روعه الكلام نفثا ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - إن روح القدس نفث في روعي أخرجه الحاكم . وهذا قد يرجع إلى الحالة الأولى أو التي بعدها ، بأن يأتيه في إحدى الكيفيتين وينفث في روعه .

الثالثة : أن يأتيه في صورة الرجل فيكلمه ، كما في الصحيح وأحيانا يتمثل لي الملك [ ص: 169 ] رجلا فيكلمني فأعي ما يقول . زاد أبو عوانة في صحيحه : " وهو أهونه علي " .

الرابعة : أن يأتيه الملك في النوم ، وعد من هذا قوم سورة الكوثر ، وقد تقدم ما فيه .

الخامسة : أن يكلمه الله إما في اليقظة كما في ليلة الإسراء ، أو في النوم ، كما في حديث معاذ أتاني ربي فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى . . . الحديث . وليس في القرآن من هذا النوع شيء فيما أعلم . نعم يمكن أن يعد منه آخر سورة البقرة لما تقدم وبعض سورة الضحى وألم نشرح ; فقد أخرج ابن أبي حاتم من حديث عدي بن ثابت قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سألت ربي مسألة ، وددت أني لم أكن سألته قلت : أي رب ، اتخذت إبراهيم خليلا ، وكلمت موسى تكليما ؟ فقال : يا محمد ، ألم أجدك يتيما فآويت ، وضالا فهديت ، وعائلا فأغنيت ، وشرحت لك صدرك ، وحططت عنك وزرك ، ورفعت لك ذكرك ، فلا أذكر إلا ذكرت معي ! .

فائدة : أخرج الإمام أحمد في تاريخه من طريق داود بن أبي هند ، عن الشعبي قال : [ ص: 170 ] أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - النبوة وهو ابن أربعين سنة ، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين ، فكان يعلمه الكلمة والشيء ، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه ، فلما مضت ثلاث سنين ، قرن بنبوته جبريل ، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة .

قال ابن عساكر : والحكمة في توكيل إسرافيل به أنه الموكل بالصور الذي فيه هلاك الخلق وقيام الساعة ، ونبوته - صلى الله عليه وسلم - مؤذنة بقرب الساعة وانقطاع الوحي ، كما وكل بذي القرنين ريافيل الذي يطوي الأرض ، وبخالد بن سنان مالك خازن النار .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن سابط قال : " في أم الكتاب كل شيء هو كائن إلى يوم القيامة ، فوكل ثلاثة بحفظه إلى يوم القيامة من الملائكة ، فوكل جبريل بالكتب والوحي إلى الأنبياء ، وبالنصر عند الحروب ، وبالمهلكات إذا أراد الله أن يهلك قوما ، ووكل ميكائيل بالقطر ، والنبات ، ووكل ملك الموت بقبض الأنفس ، فإذا كان يوم القيامة عارضوا بين حفظهم وبين ما كان في أم الكتاب فيجدونه سواء " .

وأخرج - أيضا - عن عطاء بن السائب ، قال : أول ما يحاسب جبريل ، لأنه كان أمين الله على رسله .

فائدة ثانية : أخرج الحاكم ، والبيهقي ، عن زيد بن ثابت : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أنزل القرآن بالتفخيم كهيئته عذرا أو نذرا [ المرسلات : 6 ] و ( الصدفين ) و ألا له الخلق والأمر [ الأعراف : 54 ] وأشباه هذا .

[ ص: 171 ] قلت : أخرجه ابن الأنباري في كتاب " الوقف والابتداء " فبين أن المرفوع منه " أنزل القرآن بالتفخيم " فقط ، وأن الباقي مدرج من كلام عمار بن عبد الملك ، أحد رواة الحديث .

فائدة أخرى : أخرج ابن أبي حاتم ، عن سفيان الثوري ، قال : لم ينزل وحي إلا بالعربية ، ثم ترجم كل نبي لقومه .

فائدة أخرى : أخرج ابن سعد ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه الوحي يغط في رأسه ، ويتربد وجهه ، أي : يتغير لونه بالجريدة ويجد بردا في ثناياه ، ويعرق حتى يتحدر منه مثل الجمان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث