الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النوع العشرون في معرفة حفاظه ورواياته

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 245 ] النوع العشرون .

في معرفة حفاظه ورواياته .

روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب أي : تعلموا منهم .

والأربعة المذكورون : اثنان من المهاجرين ، وهما المبتدأ بهما ، واثنان من الأنصار .

وسالم : هو ابن معقل مولى أبي حذيفة ، ومعاذ : هو ابن جبل .

قال الكرماني : يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد الإعلام بما يكون بعده ، أي أن هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك .

وتعقب بأنهم لم ينفردوا ، بل الذين مهروا في تجويد القرآن بعد العصر النبوي أضعاف المذكورين ، وقد قتل سالم مولى أبي حذيفة في وقعة اليمامة ، ومات معاذ في خلافة عمر ، ومات أبي وابن مسعود في خلافة عثمان ، وقد تأخر زيد بن ثابت ، وانتهت إليه الرياسة في القراءة ، وعاش بعدهم زمنا طويلا .

فالظاهر أنه أمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صدر فيه ذلك القول ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن ، بل كان الذين يحفظون مثل الذي حفظوه وأزيد جماعة من الصحابة .

وفي الصحيح في غزوة بئر معونة : أن الذين قتلوا بها من الصحابة كان يقال لهم القراء ، وكانوا سبعين رجلا .

[ ص: 246 ] روى البخاري - أيضا - عن قتادة ، قال : سألت أنس بن مالك : من جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

فقال : أربعة كلهم من الأنصار : أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد .

قلت : من أبو زيد ؟ .

قال : أحد عمومتي .

وروى أيضا من طريق ثابت ، عن أنس قال : مات النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد .

وفيه مخالفة لحديث قتادة من وجهين :

أحدهما : التصريح بصيغة الحصر في الأربعة .

والآخر : ذكر أبي الدرداء بدل أبي بن كعب ، وقد استنكر جماعة من الأئمة الحصر في الأربعة .

وقال المازري : لا يلزم من قول أنس : ( لم يجمعه غيرهم ) أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك; لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه ، وإلا فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة ، وتفرقهم في البلاد ؟ وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده ، وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، هذا في غاية البعد في العادة ، وإذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك .

قال : وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ، ولا متمسك لهم فيه ، فإنا لا نسلم حمله على ظاهره ، سلمناه ، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك ! سلمناه ، لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله ألا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير ، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه ، بل إذا حفظ الكل ولو على التوزيع كفى .

وقال القرطبي : قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء ، وقتل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ببئر معونة مثل هذا العدد .

[ ص: 247 ] قال : وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم ، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم .

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني : الجواب عن حديث أنس من أوجه :

أحدها : أنه لا مفهوم له ، فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جمعه .

الثاني : المراد لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بها إلا أولئك .

الثالث : لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ إلا أولئك .

الرابع : أن المراد بجمعه تلقيه من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا بواسطة ، بخلاف غيرهم ، فيحتمل أن يكون تلقى بعضه بالواسطة .

الخامس : أنهم تصدوا لإلقائه وتعليمه ، فاشتهروا به ، وخفي حال غيرهم عمن عرف حالهم ، فحصر ذلك فيهم بحسب علمه ، وليس الأمر في نفس الأمر كذلك .

السادس : المراد بالجمع الكتابة فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظا ، عن ظهر قلبه . وأما هؤلاء فجمعوه كتابة ، وحفظوه عن ظهر قلب .

السابع : المراد أن أحدا لم يفصح بأنه جمعه ، بمعنى أكمل حفظه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أولئك ، بخلاف غيرهم ، فلم يفصح بذلك ; لأن أحدا منهم لم يكمله إلا عند وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نزلت آخر آية ، فلعل هذه الآية الأخيرة وما أشبهها ما حضرها إلا أولئك الأربعة ممن جمع جميع القرآن قبلها ، وإن كان قد حضرها من لم يجمع غيرها الجمع الكثير .

الثامن : أن المراد بجمعه السمع والطاعة له والعمل بموجبه .

وقد أخرج أحمد في " الزهد " من طريق أبي الزاهرية ، أن رجلا أتى أبا الدرداء فقال : إن ابني جمع القرآن ، فقال : اللهم غفرا إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع .

قال ابن حجر : وفي غالب هذه الاحتمالات تكلف ، ولا سيما الأخير . قال : وقد ظهر لي احتمال آخر ، وهو أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس فقط ، فلا ينفي ذلك ، عن غير القبيلتين من المهاجرين ، لأنه قال ذلك في معرض المفاخرة بين الأوس والخزرج ، كما أخرجه ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس قال : افتخر الحيان : الأوس والخزرج ، فقال الأوس : منا أربعة : من اهتز له العرش سعد بن معاذ ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت ، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر ، ومن حمته الدبر عاصم بن أبي ثابت .

[ ص: 248 ] فقال الخزرج : منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم . . . . . ، فذكرهم .

قال : والذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر كان يحفظ القرآن في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففي الصحيح : أنه بنى مسجدا بفناء داره ، فكان يقرأ فيه القرآن .

وهو محمول على ما كان نزل منه إذ ذاك .

قال : وهذا مما لا يرتاب فيه مع شدة حرص أبي بكر على تلقي القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وفراغ باله له وهما بمكة ، وكثرة ملازمة كل منهما للآخر ، حتى قالت عائشة : إنه - صلى الله عليه وسلم - كان يأتيهم بكرة وعشيا . وقد صح حديث يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وقد قدمه - صلى الله عليه وسلم - في مرضه إماما للمهاجرين والأنصار ، فدل على أنه كان أقرأهم . انتهى .

وسبقه إلى نحو : ذلك ابن كثير .

قلت : لكن أخرج ابن أشتة في المصاحف بسند صحيح : عن محمد ابن سيرين ، قال : مات أبو بكر ولم يجمع القرآن ، وقتل عمر ولم يجمع القرآن .

قال ابن أشتة : قال بعضهم : يعني لم يقرأ جميع القرآن حفظا .

وقال بعضهم : هو جمع المصاحف .

قال ابن حجر : وقد ورد ، عن علي أنه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي - صلى الله عليه وسلم - .

أخرجه ابن أبي داود .

[ ص: 249 ] وأخرج النسائي بسند صحيح ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : اقرأه في شهر . . . . الحديث .

وأخرج ابن أبي داود بسند حسن : عن محمد بن كعب القرظي ، قال : جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة من الأنصار : معاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ، وأبي بن كعب ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب الأنصاري .

وأخرج البيهقي في المدخل ، عن ابن سيرين ، قال : جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة ، لا يختلف فيهم : معاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وزيد ، وأبو زيد ، واختلفوا في رجلين من ثلاثة : أبي الدرداء وعثمان .

وقيل : عثمان وتميم الداري .

وأخرج هو وابن أبي داود ، عن الشعبي ، قال : جمع القرآن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة : أبي وزيد ومعاذ وأبو الدرداء وسعيد بن عبيد وأبو زيد ، ومجمع بن جارية ، وقد أخذه إلا سورتين أو ثلاثة .

وقد ذكر أبو عبيد في كتاب القراءات : القراء من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فعد من المهاجرين : الخلفاء الأربعة ، وطلحة وسعدا ، وابن مسعود ، وحذيفة وسالما وأبا هريرة ، وعبد الله بن السائب ، والعبادلة وعائشة وحفصة وأم سلمة .

ومن الأنصار : عبادة بن الصامت ومعاذا الذي يكنى أبا حليمة ، ومجمع بن جارية وفضالة بن عبيد ، ومسلمة بن مخلد .

وصرح بأن بعضهم إنما أكمله بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يرد على الحصر المذكور في حديث أنس ، وعد ابن أبي داود منهم تميما الداري وعقبة بن عامر .

وممن جمعه - أيضا - أبو موسى الأشعري ، ذكره أبو عمرو الداني .

تنبيه : أبو زيد المذكور في حديث أنس ، اختلف في اسمه ، فقيل : سعد بن عبيد بن النعمان ، أحد بني عمرو بن عوف ، ورد بأنه أوسي وأنس خزرجي . وقد قال : إنه أحد عمومته [ ص: 250 ] وبأن الشعبي عده هو وأبو زيد جميعا فيمن جمع القرآن كما تقدم ، فدل على أنه غيره .

وقال أبو أحمد العسكري : لم يجمع القرآن من الأوس غير سعد بن عبيد . وقال ابن حبيب في المحبر : سعد بن عبيد أحد من جمع القرآن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقال ابن حجر : قد ذكر ابن أبي داود فيمن جمع القرآن قيس بن أبي صعصعة ، وهو خزرجي يكنى أبا زيد فلعله هو . وذكر أيضا سعيد بن المنذر بن أوس بن زهير ، وهو خزرجي ، لكن لم أر التصريح بأنه يكنى أبا زيد .

قال : ثم وجدت عن ابن أبي داود ما رفع الإشكال ، فإنه روى بإسناد على شرط البخاري إلى ثمامة ، عن أنس : أن أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن . قال : وكان رجلا منا من بني عدي بن النجار أحد عمومتي ، ومات ولم يدع عقبا ، ونحن ورثناه .

قال ابن أبي داود : حدثنا أنس بن خالد الأنصاري قال : هو قيس بن السكن بن زعوراء من بني عدي بن النجار . قال ابن أبي داود : مات قريبا من وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذهب علمه ، ولم يؤخذ عنه وكان عقبيا بدريا . ومن الأقوال في اسمه : ثابت وأوس ومعاذ .

فائدة : ظفرت بامرأة من الصحابيات جمعت القرآن ، لم يعدها أحد ممن تكلم في ذلك فأخرج ابن سعد في الطبقات : أنبأنا الفضل بن دكين ، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع ، قال : حدثتني جدتي ، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث - وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها ويسميها الشهيدة ، وكانت قد جمعت القرآن - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين غزا بدرا قالت له : أتأذن لي فأخرج معك وأداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة ؟

قال : إن الله مهد لك شهادة وكان - صلى الله عليه وسلم - قد أمرها أن تؤم أهل دارها ، وكان لها مؤذن ، فغمها غلام لها وجارية كانت دبرتهما فقتلاها في إمارة عمر ، فقال عمر : صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : انطلقوا بنا نزور الشهيدة
.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث