الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وحدثني يحيى عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر

التالي السابق


1637 1589 - ( مالك عن سهيل ) بضم السين مصغر ( بن أبي صالح ) المدني أحد الأئمة المشهورين المكثرين ، وثقه النسائي والدارقطني وغيرهما واحتج به الجماعة ، وكفى برواية مالك عنه توثيقا ( عن أبيه ) ذكوان السمان الزيات الثقة الثبت ( عن أبي هريرة أنه قال : كان الناس إذا رأوا أول الثمر ) بفتح المثلثة والميم ( جاءوا به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ) إما هدية وجلالة ومحبة وتعظيما ، وإما تبركا بدعائه لهم بالبركة ، وهو الذي يغلب على ظني ، وسياق الحديث يدل عليه ، والمعنيان محتملان قاله ابن عبد البر ، وقال المازري : يفعلون ذلك رغبة في دعائه ورجاء تمام ثمرهم بذلك ، وإعلاما ببدو صلاحها لما يتعلق بذلك من حقوق الشرع كبعث الخراص والزكاة وغير ذلك .

( فإذا أخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ) زاد في بعض طرق الحديث : وضعه على وجهه ( قال : اللهم بارك لنا في ثمرنا ) أي أنمه وزده ( وبارك لنا في مدينتنا ) طيبة ( وبارك لنا في صاعنا ) وهو مكيال أربعة أمداد ، زاد الدراوردي : بركة في بركة .

( وبارك لنا في مدنا ) بضم الميم وشد الدال .

( اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ) كما قلت : واتخذ الله إبراهيم خليلا ( سورة النساء : الآية 125 ) ( ونبيك ، وإني عبدك ونبيك ) لم يقل وخليلك مع أنه خليل كما صرح به في أحاديث عدة ، قال الأبي : رعاية للأدب في ترك المساواة بينه وبين آبائه وأجداده الكرام .

وقال الطيبي : عدم التصريح بذلك مع رعاية الأدب أفخم .

قال الزمخشري في قوله : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ( سورة البقرة : الآية 253 ) الظاهر أنه أراد محمدا - صلى الله عليه وسلم - وفي هذا الإبهام من تفخيم [ ص: 345 ] فضله ما لا يخفى .

وقد سئل الحطيئة عن أشعر الناس فقال : زهير والنابغة ولو شئت لذكرت الثالث ، أراد نفسه ولو صرح به لم يفخم أمره .

( وإنه دعاك لمكة ) بقوله : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ( سورة إبراهيم : الآية 37 ) ( وإني أدعوك ) أطلب منك ( للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه ) في أمر الرزق والدنيا ، أو في أمر الآخرة وتضعيف الحسنات وغفران السيئات قاله الباجي ، وقد أجاب الله دعاءه كما مر تقريره .

( ثم يدعو أصغر وليد ) أي مولود ، فعيل بمعنى مفعول ( يراه فيعطيه ذلك الثمر ) وفي رواية الدراوردي : ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان .

قال الباجي : يحتمل أن يريد بذلك عظم الأجر في إدخال المسرة على من لا ذنب له لصغره ، فإن سروره به أعظم من سرور الكبير .

وقال أبو عمر فيه من الآداب وجميل الأخلاق : إعطاء الصغير وإتحافه بالطرفة ؛ لأنه أولى من الكبير لقلة صبره ولفرحه بذلك ، وفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة في كل حال .

وقال عياض : تخصيصه أصغر وليد حضره ؛ لأنه ليس فيه ما يقسم على الولدان ، ومن كبر منهم ملحق بأخلاق الرجال وتلويحا إلى التفاؤل بنماء الثمار وزيادتها بدفعها لمن هو في سن النماء والزيادة كما قيل في قلب الرداء للاستسقاء .

قال الأبي : ولا يعارض دعاءه لها بالبركة قوله في الحديث الآخر : " أصابهم بالمدينة جهد وشدة " إذ لا منافاة بين ثبوت الشدة وثبوت البركة فيها ، وتخلفها عن بعض لا يضر بها ، كذا أجاب شيخنا ، والأظهر أن البركة في تحصيل القوت ، وأن المد بها يشبع ثلاثة أمثاله بغيرها ، فتكون الشدة في تحصيل المد ، والبركة في تضعيف القوت به انتهى .

ولعل الأظهر جواب شيخه وهو ابن عرفة قال ابن عبد البر : وظاهر الحديث يدل على أن المدينة أفضل من مكة لدعائه بذلك ومثله معه وهذا بين لموضعه - صلى الله عليه وسلم - وموضع التضعيف في ذلك ، وأما دعاء إبراهيم فهو معنى قوله تعالى : وإذا قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ( سورة البقرة : الآية 126 ) أخرج الفريابي عن ابن عباس قال كأن إبراهيم يحجرها أي الدعوة على المؤمنين دون الناس فقال تعالى : " ومن كفر " أيضا فإني أرزقه كما أرزق المؤمنين .

أأخلق خلقا لا أرزقهم ، أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب أليم .

ثم قرأ ابن عباس : كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ( سورة الإسراء : الآية 20 ) انتهى .

وهذا الحديث رواه مسلم عن قتيبة بن سعيد عن مالك به ، وتابعه الدراوردي عن سهيل نحوه في مسلم أيضا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث