الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ما جاء في تحريم المدينة

حدثني يحيى عن مالك عن عمرو مولى المطلب عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال هذا جبل يحبنا ونحبه اللهم إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم ما بين لابتيها

التالي السابق


3 - باب ما جاء في تحريم المدينة

1645 1597 - ( مالك عن عمرو ) بفتح العين وسكون الميم ابن أبي عمرو واسمه ميسرة المدني الثقة المتوفى بعد الخمسين ومائة ( مولى المطلب ) بن عبد الله بن حنطب المخزومي ، وعمرو قال أحمد : لا بأس به روى عنه مالك وضعفه بعضهم ، قال ابن عبد البر : ولم يفرده مالك بحكم له في الموطأ هذا الحديث الواحد انتهى .

وفي مقدمة الفتح وثقه أحمد [ ص: 357 ] وأبو زرعة وأبو حاتم والعجلي ، وضعفه ابن معين والنسائي وعثمان الدارمي لروايته عن عكرمة عن ابن عباس : " من أتى البهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة " وقال أبو داود : ليس هو بذاك حدث بحديث البهيمة .

وقد روى عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس : " ليس على من أتى البهيمة حد " وقال الساجي : صدوق إلا أنه يهم انتهى .

وقد علم أن مالكا لم يخرج عنه عن عكرمة شيئا وإنما أخرج له هذا الحديث فقط ( عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع ) بفتح الطاء واللام مخففا ظهر ( له أحد ) حين رجع من خيبر ، ففي رواية محمد بن جعفر عن عمرو عن أنس قال : " خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أخدمه فلما قدم صلى الله عليه وسلم راجعا وبدا له أحد " ( فقال : هذا ) مشيرا إلى أحد ( جبل ) خبر موطئ لقوله : ( يحبنا ) حقيقة كما رجحه جماعة ، وقد خاطبه صلى الله عليه وسلم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب : اسكن أحد . . . الحديث .

فوضع الله الحب فيه كما وضع التسبيح في الجبال مع داود والخشية في الحجارة التي قال فيها : وإن منها لما يهبط من خشية الله [ سورة البقرة : الآية 74 ] وكما حن الجذع لفراقه حتى سمع الناس حنينه ، فلا ينكر وصف الجماد بحب الأنبياء وقد سلم عليه الحجر والشجر وسبحت الحصيات في يده وكلمته الذراع وأمنت حوائط البيت وأسكفة الباب على دعائه صلى الله عليه وسلم ، إشارة إلى مزيد حب الله إياه حتى أسكن حبه في الجماد وغرس محبته في الحجر مع فضل يبسه وقوة صلابته .

( ونحبه ) حقيقة أيضا لأن جزاء من يحب أن يحب ولأنه من جبال الجنة كما روى أحمد عن أبي عبس بن جبر مرفوعا : " أحد جبل يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة " وللبزار والطبراني : " أحد هذا جبل يحبنا ونحبه على باب من أبواب الجنة " ، أي : من داخلها ، فلا ينافي رواية الطبراني أيضا : " أحد ركن من أركان الجنة " لأنه ركن داخل الباب بدليل رواية ابن سلام في تفسيره أنه ركن باب الجنة ، وقيل : هو على حذف مضاف ، أي : يحبنا أهله وهم الأنصار لأنهم جيرانه وكانوا يحبونه صلى الله عليه وسلم ويحبهم لأنهم آووه ونصروه وأقاموا دينه فهو كقوله : واسأل القرية [ سورة يوسف : الآية 82 ] وقال الشاعر :

وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا



وقيل : لأنه كان يبشره بلسان الحال إذا قدم من سفر بقربه من أهله ولقائهم وذلك فعل المحب بمن يحب ، فكان يفرح إذا طلع له استبشارا بالأوبة من سفره والقرب من أهله ، وضعف بما في رواية الطبراني عن أنس : " فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه " بكسر المهملة وضاد معجمة ، كل شجرة عظيمة ذات شوك ، فحث على عدم إهمال الأكل [ ص: 358 ] حتى لو فرض أنه لا يوجد إلا ما يؤكل كالعضاه ، يمضغ منه تبركا ولو بلا ابتلاع .

قال السهيلي : ويقوي الأول أي الحقيقة - قوله صلى الله عليه وسلم : " المرء مع من أحب " مع أحاديث أنه في الجنة فتناسبت هذه الآثار وشد بعضها بعضا ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن ولا أحسن من اسم مشتق من الأحدية ، وقد سماه الله بهذا الاسم تقدمة لما أراده من مشاكلة اسمه لمعناه ، إذ أهله وهم الأنصار نصروا التوحيد والمبعوث بدين التوحيد واستقر عنده حيا وميتا ، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يستعمل الوتر ويحبه في شأنه كله استشعارا للأحدية ، فقد وافق اسمه أغراضه ومقاصده ، ومع أنه مشتق من الأحدية فحركات حروفه الرفع وذلك يشعر بارتفاع دين الأحدية وعلوه ، فتعلق الحب به منه صلى الله عليه وسلم اسما ومسمى ، فخص من بين الجبال بأن يكون معه في الجنة إذا بست الجبال بسا انتهى .

وأخذ من هذا أنه أفضل الجبال ، وقيل : عرفة ، وقيل : أبو قبيس ، وقيل : الذي كلم الله عليه موسى ، وقيل : قاف ، قيل : وفيه قبر هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام ولا يصح .

( اللهم إن إبراهيم حرم مكة ) بتحريمك لها على لسانه ( وأنا أحرم ) بتحريمك على لساني ( ما بين لابتيها ) بخفة الموحدة تثنية لابة ، قال ابن حبيب : أرض ذات حجارة سود وجمعها في القلة لابات وفي الكثرة لوب كساحة وسوح يعني الحرتين الشرقية والغربية وهي حرار أربع لكن القبلية والجنوبية متصلتان ، وقد ردها حسان إلى حرة واحدة في قوله :

لنا حرة مأطورة بجبالها     بنى العز فيها بيته فتأثلا



قال : ومأطورة يعني معطوفة بجبالها لاستدارة الجبال بها ، وإنما جبالها تلك الحجارة السود التي تسمى الحرار ، قال : وتحريمه صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها إنما يعني في الصيد ، فأما الشجر فبريد في بريد في دورها كلها ، كذلك أخبرني مطرف عن مالك وعمر بن عبد العزيز انتهى .

وكذا قاله ابن وهب .

زاد في رواية في الصحيحين : " كما حرم إبراهيم مكة " والتشبيه في الحرمة فقط لا الجزاء ; لأنه كما قال ابن عبد البر عن العلماء لم يكن في شريعة إبراهيم جزاء الصيد وإنما هو شيء ابتلى الله به هذه الأمة كما قال : ليبلونكم الله بشيء من الصيد [ سورة المائدة : الآية 94 ] ولم يكن قبل ذلك ، والصحابة فهموا المراد في تحريم صيد المدينة فتلقوه بالوجوب دون جزاء والأصل براءة الذمة ، ولا يجب فيها شيء إلا بيقين ، هذا قول أكثر العلماء .

وقالت فرقة : في صيدها الجزاء ; لأنه حرم نبي كما مكة حرم نبي انتهى .

وزاد في الصحيح من حديث جابر وأبي سعيد : " لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها " ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر عن عمرو : " اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم به [ ص: 359 ] إبراهيم مكة " فزعم بعض الحنفية أن الحديث مضطرب ؛ نصرة لقولهم بجواز صيدها وقطع شجرها ، وتعقب بأن بمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة ، فالجمع واضح ولو تعذر ، فرواية لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها ولا ينافيها رواية جبليها فيكون عند كل لابة جبل أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال وجبليها من جهة المشرق والمغرب ، وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضر ، والحديث رواه البخاري في أحاديث الأنبياء عن القعنبي ، وفي المغازي عن عبد الله بن يوسف ، كلاهما عن مالك به ، وتابعه محمد بن أبي كثير عند البخاري وإسماعيل بن جعفر ويعقوب بن عبد الرحمن عند مسلم ، الثلاثة عن عمرو بنحوه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث