الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب الترغيب في الصدقة

حدثني مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي الحباب سعيد بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا كان إنما يضعها في كف الرحمن يربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل

[ ص: 662 ]

التالي السابق


[ ص: 662 ] 58 - كتاب الصدقة

1 - باب الترغيب في الصدقة

1874 1827 - ( مالك عن يحيى بن سعيد ) الأنصاري ( عن أبي الحباب ) - بضم الحاء المهملة ، وموحدتين مخففا - ( سعد بن يسار ) - بتحتية ، ومهملة خفيفة - مرسلا عند يحيى وأكثر الرواة ، وأسنده معن ، وابن بكير عن مالك عن يحيى عن أبي الحباب : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من تصدق بصدقة من كسب طيب ) ، أي مكسوب ، والمراد ما هو أعم من تعاطي التكسب ، أو حصول المكسوب بغير تعاط كالميراث ، وكأنه ذكر الكسب لأنه الغالب في تحصيل المال ، والمراد بالطيب : الحلال لأنه صفة كسب ، قال القرطبي : أصل الطيب المستلذ بالطبع ، ثم أطلق على المطلوب بالشرع ، وهو الحلال ، قال ابن عبد البر : المحض أو المتشابه به ; لأنه في حيز الحلال على أشبه الأقوال للأدلة .

( ولا يقبل الله إلا طيبا ) جملة معترضة بين الشرط والجزاء ، التقدير ما قبله .

وفي رواية للبخاري : " ولا يصعد إلى الله إلا الطيب " ، أي الحلال ، أو المتشابه لا الحرام .

قال القرطبي : لأنه غير مملوك للمتصدق ، وهو ممنوع من التصرف فيه ، وهو قد تصرف فيه ، فلو قبله لزم أن يكون الشيء مأمورا منهيا من وجه واحد ، وهو محال .

وقال الأبي : القبول حصول الثواب على الفعل ، إذ المعنى لا يثيب الله من تصدق بحرام ، وإنما يصح الحج بالمال الحرام ; لأن القبول أخص من الصحة ، لأنها عبارة عن كون الفعل مسقطا للفرض ، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم ، فالحج بالحرام صحيح ، إذ يسقط به الفرض وهو غير متقبل ، أي لا ثواب فيه ، ولا يتعقب هذا بأنه لا واجب إلا وفيه ثواب ; لأن رد الشيء المغصوب واجب ، ولا ثواب فيه ، ولا يشكل صحة الحج بالحرام بقول مالك في النكاح بالمال الحرام : أخاف أن يضارع الزنا ; لأن ذلك مبالغة في التنفير عنه ، وإلا فالنكاح صحيح .

( فإنه إنما يضعها في كف الرحمن ) ، ولمسلم عن سعيد المقبري عن سعيد بن يسار [ ص: 663 ] عن أبي هريرة : " أخذها الرحمن بيمينه ، وإن كانت ثميرة ، فتربو في كف الرحمن " ، قال المازري : هذا الحديث وشبهه إنما عبر به على ما اعتادوه في خطابهم ليفهموا عنه ، فكنى عن قبول الصدقة باليمين وبالكف ، وعن تضعيف أجرها بالتربية ، وقال عياض : لما كان الشيء الذي يرتضى يتلقى باليمين ، ويؤخذ بها استعمل في مثل هذا ، واستعير للقبول كقول الشاعر :


إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين



لما استعار للمجد الراية ، استعار للمبادرة إلى فعلها التلقي باليمين ، وليس المراد الجارحة ، وقيل اليمين كناية عن الرضا والقبول ، إذ الشمال تستعمل في ضد ذلك ، وقد فرق الله بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، وقيل : المراد بكف الرحمن ويمينه : كف المتصدق عليه ويمينه ، وإضافتها إلى الله إضافة ملك واختصاص ، لوضع هذه الصدقة في كف الآخذ ويمينه لوجه الله ، وقيل : المراد سرعة القبول ، وقيل : حسنه ، ولعله يصح أن المراد بالكف : كفة الميزان ، وكف كل شيء كفه وكفته .

وقال الزين بن المنير : الكناية عن الرضا والقبول بالتلقي باليمين والكف ، لتثبيت المعاني المعقولة في الأذهان ، وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات ، أي لا يتشكك في القبول ، كما لا يتشكك من عاين التلقي للشيء بيمينه ، لا أن التناول كالتناول المعهود ، ولا أن التناول بجارحة .

وقال الترمذي في جامعه : قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة : نؤمن بهذه الأحاديث ، ولا نتوهم فيها تشبيها ، ولا نقول كيف هي هكذا ، روي عن مالك ، وابن عيينة ، وابن المبارك ، وغيرهم ، وأنكرت الجهمية هذه الروايات ، انتهى .

وقد رد عليهم بما هو معلوم ، ( يربيها ) ، أي ينميها لصاحبها بمضاعفة الأجر ، أو الزيادة في الكمية ، قاله عياض : وقد يصح أن التربية على وجهها ، وأن ذاتها تعظم ، يبارك الله فيها ، ويزيدها من فضله ، لتعظم في الميزان ، وتثقله ، ( كما يربي أحدكم فلوه ) - بفتح الفاء وضم اللام ، وشد الواو - مهره لأنه يفلى أي يفطم ، وقيل : هو كل فطيم من حافر ، والجمع أفلاء كعدو وأعداء ، وحكي كسر الفاء ، وسكون اللام ، وأنكره ابن دريد ، وقال أبو زيد : إذا فتحت الفاء شددت الواو ، وإذا كسرتها سكنت اللام ، وضرب به المثل لأنه يزيد زيادة بينة ، ولأن الصدقة نتاج العمل ، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيما ، فإذا أحسن العناية ، انتهى إلى حد الكمال ، وكذلك عمل ابن آدم لا سيما الصدقة ، فإن العبد إذا تصدق بكسب طيب ، لا يزال ينظر الله إليها بكسبها نعت الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما تقدم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل .

( أو فصيله ) ، وهو ولد الناقة ; لأنه فصل عن رضاع أمه ، وفي رواية لمسلم : أو قلوصه ، وهي الناقة المسنة ، وعند البزار : مهره ، أو وصيفه ، أو فصيله ،

[ ص: 664 ] ولابن خزيمة من طريق سعيد بن يسار عن أبي هريرة : فلوه ، أو قال : فصيله ، وهذا يشعر بأن " أو " للشك من الراوي .

( حتى تكون مثل الجبل ) ، لتثقل في ميزانه ، وفي مسلم عن المقبري عن سعيد بن يسار : " حتى تكون أعظم من الجبل " ، وله عن سهيل عن أبيه : " حتى تكون مثل الجبل أو أعظم " ، ولابن جرير من وجه آخر : " حتى يوافى بها يوم القيامة ، وهي أعظم من أحد " ، قال أبو هريرة : وتصديق ذلك في كتاب الله : ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) ( سورة البقرة : الآية 276 ) ، وللترمذي : " حتى أن اللقمة لتصير مثل جبل أحد " ، قال الحافظ : فالظاهر أن عينها تعظم لتثقل في الميزان ، ويحتمل أنه عبارة عن ثوابها ، وفي التمهيد : قيل لبعض العلماء : إن الله قال يمحق الله الربا ، وإنا نرى أصحاب الربا تنمى أموالهم ، فقال : إنما يمحق الله الربا حيث يربي الصدقات ، ويضعفها يوم القيامة ، فإذا نظر العبد إلى أعماله نظرها ممحوقة ، أو مضاعفة ، وهذا الحديث مجمع على صحته ، انتهى .

وهو في الصحيحين وغيرهما من طريق عبيدة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث