الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 263 ] باب الرجوع في الهبة

قال : ( وإذا وهب هبة لأجنبي فله الرجوع فيها ) وقال الشافعي رحمه الله : لا رجوع فيها لقوله عليه الصلاة والسلام : { لا يرجع الواهب في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده } ، ولأن الرجوع يضاد التمليك والعقد لا يقتضي ما يضاده بخلاف هبة الوالد لولده على أصله ، لأنه لم يتم التمليك لكونه جزءا له . [ ص: 264 ] ولنا قوله عليه الصلاة والسلام : { الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها }أي ما لم يعوض ; ولأن المقصود بالعقد هو التعويض للعادة ، فتثبت له ولاية الفسخ عند فواته إذ العقد يقبله ، والمراد بما روي نفي استبداد الرجوع وإثباته للوالد ; لأنه يتملكه للحاجة وذلك يسمى رجوعا ، وقوله في الكتاب فله الرجوع لبيان [ ص: 265 ] الحكم [ ص: 266 ] أما الكراهة فلازمة لقوله عليه الصلاة والسلام : { والعائد في هبته كالعائد في قيئه } ، وهذا لاستقباحه .

[ ص: 261 - 263 ]

التالي السابق


[ ص: 261 - 263 ] باب الرجوع في الهبة

الحديث الأول : قال عليه السلام : { لا يرجع الواهب في هبته ، إلا الوالد فيما يهب لولده }; قلت : أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمر ، وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : { لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها ، إلا الوالد فيما يعطي ولده ، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها ، كمثل الكلب يأكل ، فإذا شبع قاء ، ثم عاد في قيئه }انتهى .

قال الترمذي : حديث حسن صحيح . ورواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع السابع والثمانين ، من القسم الثاني ، والحاكم في " المستدرك في كتاب البيوع " ، وقال : حديث صحيح الإسناد ، ولا أعلم خلافا في عدالة عمرو بن شعيب ، إنما اختلفوا في سماع أبيه من جده انتهى .

ورواه أحمد في " مسنده " ، والطبراني في " معجمه " ، والدارقطني في " سننه " ، ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " ، أخبرنا ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاوس عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا .

طريق آخر :

أخرجه النسائي ، وابن ماجه عن عامر الأحول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا يرجع في هبته إلا الوالد من ولده }زاد النسائي : { والعائد في هبته ، كالكلب يعود في قيئه } ، انتهى .

قال الدارقطني في " علله " : [ ص: 264 ] هذا الحديث يرويه عمرو بن شعيب ، واختلف عليه فيه ، فرواه حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمر ، وابن عباس ، ورواه عامر الأحول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ولعل الإسنادين محفوظان ; ورواه أسامة بن زيد ، والحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في العائد في هبته دون ذكر الوالد يرجع في هبته ; ورواهالحسن بن مسلم عن طاوس مرسلا ، وتابعه إبراهيم بن طهمان ، وعبد الوارث عن عامر الأحول انتهى كلامه . ومما استدل به الخصوم على منع الرجوع في الهبة حديث قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس مرفوعا : { العائد في هبته كالعائد في قيئه }انتهى . زاد أبو داود : قال قتادة : لا نعلم القيء إلا حراما انتهى .

وهو أقوى في الحجة من حديث طاوس عن ابن عباس مرفوعا : { العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه }انتهى . قال ابن القطان : أخرجهما البخاري ، ومسلم .

الحديث الثاني : قال عليه السلام { الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها }; قلت : روي من حديث أبي هريرة ; ومن حديث ابن عباس ; ومن حديث ابن عمر . [ ص: 265 ] فحديث أبي هريرة : أخرجه ابن ماجه في " الأحكام " عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية عن عمرو بن دينار عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها }انتهى .

وأخرجه الدارقطني في " سننه " ، وابن أبي شيبة في " مصنفه " ، وإبراهيم بن إسماعيل بن جارية ضعفوه وأما حديث ابن عباس : فله طريقان : أحدهما : عند الطبراني في " معجمه " حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثني أبي قال : وجدت في كتاب أبي عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من وهب هبة ، فهو أحق بهبته ما لم يثب منها ، فإن رجع في هبته ، فهو كالذي يقيء ثم يأكل قيئه }انتهى .

الطريق الثاني :

عند الدارقطني في " سننه " عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي عن محمد بن عبيد الله عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من وهب هبة فارتجع فيها ، فهو أحق بها ما لم يثب منها ، ولكنه كالكلب يعود في قيئه }انتهى .

وأعله عبد الحق في " أحكامه " بمحمد بن عبيد الله العرزمي قال ابن القطان كالمتعقب عليه : وهو لم يصل إلى العرزمي إلا على لسان كذاب ، وهو إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي ، فلعل الجناية منه انتهى .

وأما حديث ابن عمر : فرواه الحاكم في المستدرك في البيوع " حدثنا أحمد بن حازم بن أبي عزرة ثنا عبد الله بن موسى ثنا حنظلة بن أبي سفيان ، قال : سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها }انتهى .

وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا انتهى .

ورواه الدارقطني في " سننه " ، وعن الحاكم رواه البيهقي في " المعرفة " .

وقال : غلط فيه عبد الله بن موسى ، والصحيح رواية [ ص: 266 ] عبد الله بن وهب عن حنظلة عن سالم عن أبيه عن عمر من قوله ، وإسناد حديث أبي هريرة أليق إلا أن فيه إبراهيم بن إسماعيل ، وهو ضعيف عند أهل الحديث ، فلا يبعد منه الغلط والصحيح رواية سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر ، فرجع الحديث إلى عمر من قوله ، والله أعلم انتهى كلامه .

وفي الباب حديث : { إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها } ، وسيأتي قريبا ، وحجتنا فيه بمفهوم الشرط ، لأن معناه : وإذا كانت لغير محرم فله الرجوع ، بل هو مصرح به في أثر عن عمر ، ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم ، قال : قال عمر : من وهب هبة لذي رحم ، فليس له أن يرجع فيها ، ومن وهب هبة لغير ذي رحم ، فله أن يرجع فيها ، إلا أن يثاب منها ، انتهى .

الحديث الثالث : قال عليه السلام : { العائد في هبته كالعائد في قيئه }; قلت : أخرجه الجماعة إلا الترمذي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { العائد في هبته كالعائد في قيئه }انتهى .

زاد أبو داود قال قتادة : ولا نعلم القيء إلا حراما انتهى . ويوجد في بعض نسخ " الهداية " { العائد في هبته ، كالكلب يعود [ ص: 267 ] في قيئه } ، وهو كذلك في غالب كتب أصحابنا ، أخرجه البخاري ، ومسلم عن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { العائد في هبته ، كالكلب يعود في قيئه }انتهى

.


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث