الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

34381 - قال مالك : الأمر عندنا : أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك ، ولم أسمع أن أحدا من الأئمة أكره رجلا على أن يكاتب عبده ، وقد سمعت بعض أهل العلم إذا سئل عن ذلك فقيل له : إن الله تبارك وتعالى يقول : فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا [ النور : 33 ] يتلو هاتين الآيتين : وإذا حللتم فاصطادوا [ المائدة : 2 ] فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [ الجمعة : 10 ] . قال مالك : وإنما ذلك أمر أذن الله عز وجل فيه للناس ، وليس بواجب عليهم .

التالي السابق


34382 - قال أبو عمر : اختلف العلماء في وجوب الكتابة على السيد لعبد إذا ابتاعها منه ، وفيه خير .

34383 - واختلفوا أيضا في قوله عز وجل : إن علمتم فيهم خيرا [ النور : 33 ] .

34384 - فقالت طائفة : الخير المال ، والغنى ، والأداء .

34385 - وقال آخرون : الصلاح والدين .

34386 - وقال آخرون : الخير هاهنا حرفة يقوى بها على الاكتساب .

34387 - وكرهوا أن يكاتبوا من لا حرفة له فيبعثه عدم حرفته على السؤال .

34388 - وقال آخرون : الدين والأمانة ، والقوة على الأداء .

34389 - وقال آخرون : الصدق ، والقوة على طلب الرزق .

34390 - قاله مجاهد ، وعطاء .

34391 - قال عطاء : هو مثل قوله تعالى : وإنه لحب الخير لشديد [ العاديات : 8 ] ، إن ترك خيرا الوصية [ البقرة : 180 ] .

34392 - قال ابن جريج : قلت لعطاء أرأيت إن لم أعلم عنده مالا ، وهو رجل صدق ; قال : ما أحسب خيرا إلا المال .

34393 - وقاله مجاهد .

34394 - وقال عمرو بن دينار : هو كل ذلك ; المال والصلاح .

34395 - وقال طاوس : المال والأمانة .

34396 - وقال الحسن ، وأخوه سعيد ، والضحاك ، وأبو رزين ، وزيد بن أسلم ، وعبد الكريم : الخير : المال .

34397 - قال سفيان : الدين ، والأمانة .

34398 - وقال الشافعي : إذا جمع القوة على الاكتساب والأمانة .

34399 - وروى معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة في قوله تعالى : فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا [ النور : 33 ] ، قال : إن علمتم عندهم أمانة .

34400 - والثوري ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : صدقا ووفاء . قال أبو عمر : من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال : إن علمتم فيهم خيرا [ النور : 33 ] مالا .

34401 - قال : ويقال : علمت فيه الخير ، والصلاح والأمانة ، ولا يقال : علمت فيه المال ، وإنما يقال : علمت عنده المال .

34402 - ومن قال : إن مال المكاتب لسيده إذا عقدت كتابته ، فلا يكون الخير عنده إلا القوة على الكسب ، والتحرف .

34403 - ومن كره أن يكاتب من لا حرفة له ، ولا قوة على الاكتساب احتج بما رواه يحيى القطان ، عن ثور بن يزيد ، عن يونس بن سيف ، عن حكيم بن حزام ، قال : كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد : أما بعد : فانه من قبلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم ، على مسألة الناس .

34404 - وسفيان ، عن عبد الكريم الجزري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يكره أن يكاتب غلامه إذا لم يكن له حرفة ، ويقول : تأمروني أن آكل أوساخ الناس .

34405 - وروى وكيع ، عن سفيان ، عن أبي جعفر الفراء ، عن ابن أبي ليلى الكندي ، أن سلمان أراد أن يكاتب عبده ، فقال : من أين ؟ قال : أسأل الناس . قال : أتريد أن تطعمني أوساخ الناس ؟ وأبى أن يكاتبه .

34406 - قال أبو عمر : هذا تنزه واختيار ، والله أعلم ، وقد كوتبت بريرة ، ولا حرفة لها ، وبدأت بسؤال الناس من حين كوتبت ، وتذبذب الناس إلى عون المكاتب ; لما فيه من عتق الرقاب .

34407 - وروى الثوري ، عن أبي جعفر الفراء ، عن جعفر بن أبي سروان ، عن أبي التياح مؤذن علي ، قال : قلت لعلي : أكاتب ، وليس لي مال ؟ قال : نعم ، ثم حصن الناس علي ، فأعطيت ما فضل عن كتابتي ، فأتيت عليا ، فقال : اجعلها في الرقاب . وأما اختلاف أهل العلم في معنى قوله تعالى : فكاتبوهم [ النور : 33 ] فهل هي على الوجوب ، أو على الندب والإرشاد ؟ فإن مسروق بن الأجدع ، وعطاء بن أبي رباح ، وعمرو بن دينار ، والضحاك بن مزاحم ، وجماعة أهل الظاهر ، كانوا يقولون : واجب على كل من سأله مملوكه ، وعلم عنده خيرا ، أن يعقد له كتابته مما يتراضيان به .

34408 - واحتجوا بأن عمر بن الخطاب ، أجبر أنس بن مالك ، على كتابة لعبده سيرين أبي محمد بن سيرين بالدرة .

34409 - وروى قتادة ، وموسى بن أنس بن مالك ، أن سيرين والد محمد بن سيرين ، سأله الكتابة وكان كثير المال ؟ فأبى ; فانطلق إلى عمر ، فقال عمر لأنس : كاتبه ، فأبى ، فضربه بالدرة ، وتلا : فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا [ النور : 33 ] فكاتبه أنس .

34410 - قد قيل : إن عمر رفع الدرة على أنس ; لأنه أبى أن يأتيه شيئا من كتابته ، لا على عقد الكتابة أولا .

34411 - وقال ابن جريج : قلت لعطاء : واجب علي إذا علمت له مالا ، أن أكاتبه ؟ فقال : ما أراه إلا واجبا ، وقالها عمرو بن دينار .

34412 - وقال مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة وأصحابهم ، والثوري ، وهو قول الحسن ، والشعبي ; ليس على السيد أن يكاتب عبده ، إذا سأله ذلك ، وإن كان ذا مال ، إلا أن يريد السيد .

34413 - قال أبو عمر : قد ينعقد الإجماع بأنه لو سأله أن يبيعه من غيره ، لم يلزمه ذلك ، وكذلك مكاتبته ; لأنه لا يبيع له من نفسه ، وكذلك لو قال له : أعتقني . أو : دبرني . أو : زوجني . لم يلزمه ذلك بإجماع ، فكذلك الكتابة ; لأنها معاوضة لا تصح إلا عن تراض .

34414 - وقوله عز وجل : فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا [ النور : 33 ] مثل قوله : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم [ النور : 32 ] وذلك كله ندب وإرشاد ، وإذن ، كما قال مالك .

34415 - وقال زيد بن أسلم ، وقاله إسحاق ، إذا اجتمع في العبد الأمانة ، والمال ، وسأل سيده أن يكاتبه ، لم يسعه إلا مكاتبته ، ولا يجبره الحاكم على ذلك ، وأخشى أن يأثم إن لم يفعل .

34416 - وقد أنكر جماعة من أهل العلم على من جعل قوله عز وجل : فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا [ النور : 33 ] مثل قوله : وإذا حللتم فاصطادوا [ المائدة : 2 ] وقوله : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض [ الجمعة : 10 ] .

34417 - وهذان الأمران ، ورد كل واحد منهما بعد حظر ومنع ، فكان معناهما الإباحة ، والخروج من ذلك الحظر ; لأنه عز وجل قال : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم [ المائدة : 95 ] ، وقال تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " [ المائدة : 96 ] . فمنعهم من الصيد ما داموا محرمين ، ثم قال لهم : وإذا حللتم فاصطادوا [ المائدة : 2 ] فعلم أن معنى هذا الأمر الإباحة لما حظر عليهم من الصيد ، ومنعوا منه ، لا إيجاب الاصطياد ، وكذلك منعوا من التصرف والاشتغال بكل ما يمنع من السعي إلى الجمعة ، إذا نودي لها ، وأمروا بالسعي لها ، ثم قال لهم : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض [ الجمعة : 10 ] .

34418 - فعلم أهل اللسان ، أن معنى الأمر بالانتشار في الأرض ، إباحة لمن شاء .

34419 - وأجمع على ذلك أهل العلم وفهموه من معنى كتاب ربهم ; فقالوا : لا بأس بترك الصيد لمن حل من إحرامه ، ولا بأس بالقعود في المسجد الجامع لمن قضى صلاة الجمعة .

34420 - وأما الأمر بالكتابة لمن ابتغاها من العبيد ، فلم يتقدم نهي من الله عز وجل ، بأن لا يكاتبوا ، فيكون الأمر إباحة بالصيد ، والانتشار في الأرض . 43421 - وقد زعم بعض أصحابنا ، أن قول الله تعالى : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ النساء : 29 ] تقتضي النهي عن الكتابة ; لأن مال العبد ، لسيده أخذه منه ، كما له أن يؤاجره ، يقال : فلو لم يؤذنوا لنا في الكتابة ، لكنا ممتنعين منها بالآية التي ذكرنا .

34422 - قال : ولولا قوله عز وجل : فكاتبوهم [ النور : 33 ] ما جازت الكتابة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث