الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        34423 - قال مالك : وسمعت بعض أهل العلم يقول في قول الله تبارك وتعالى : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ النور : 33 ] إن ذلك أن يكاتب الرجل غلامه ، ثم يضع عنه من آخر كتابته شيئا مسمى .

                                                                                                                        34424 - قال مالك : فهذا الذي سمعت من أهل العلم ، وأدركت عمل الناس على ذلك عندنا .

                                                                                                                        34425 - قال مالك : وقد بلغني أن عبد الله بن عمر كاتب غلاما له على خمسة وثلاثين ألف درهم ، ثم وضع عنه من آخر كتابته خمسة آلاف درهم .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        34426 - قال أبو عمر : قد اختلف العلماء أيضا في معنى قوله تعالى : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ النور : 33 ] ، فقال بعضهم : ذلك على الإيجاب على السيد ، وقال آخرون : ذلك على الندب .

                                                                                                                        34427 - هذا قول مالك وأصحابه .

                                                                                                                        34428 - وقول أبي حنيفة وأصحابه ; قالوا : هذا على الندب والحض على الخير ، إلا أنه عند مالك أصل ، وهو مع ذلك لا يقضي به ، ولا يجب عليه .

                                                                                                                        [ ص: 255 ] 34429 - وقال آخرون : لم يرد بذلك السيد ، وإنما أريد بذلك جماعة الناس ; ندبوا إلى عون المكاتبين ، فأما أهل الظاهر ، فالكتابة عندهم ، إذا سألها العبد واجبة ، والإيتاء لهم من السيد واجب ، يضع عنه من كتابته ما شاء .

                                                                                                                        34430 - وقال الشافعي : واجب عليه أن يضع عنه من كتابته ما شاء ، ويجبره الحاكم على ذلك ولم يجد في ذلك شيئا ، وهو لا يرى الكتابة لغيره ; إذا سأله إياها واجبة ، لقيام الدليل عنده على ذلك ، ولم يكن الإيتاء عند ذلك ; لأنه أمر لا يعترضه أصل ، ورأى أن عطف الواجب على الندب في القرآن ولسان العرب ، كما قال الله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى [ النحل : 90 ] وما كان مثل هذا .

                                                                                                                        34431 - وقال مالك : يندب السيد إلى أن يضع عنه من الكتابة شيئا في آخر كتابته ، من غير أن يجبر على ذلك ، ولم يحد أيضا في ذلك حدا ، واستحب أن يكون ذلك ربع الكتاب ، وكذلك استحب ذلك الشافعي ، إلا أنه يوجب الإيتاء ، ومالك يندب إليه .

                                                                                                                        34432 - وقول مالك أصح ، لأن الواجب لا تكون إلا معلومة ، ولأنه قد أجمعوا أن الكتابة لا تكون إلا على شيء معلوم ; فلو أن الوضع منها يكون واجبا مجهولا ، لآل ذلك إلى جهل مبلغ الكتابة .

                                                                                                                        [ ص: 256 ] 34433 - وأما استحبابهم أن يكون الوضع ربع الكتابة ، فإنه روي ذلك عن علي رضي الله عنه ، ورواه بعض الرواة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والصحيح أنه موقوف على علي من قوله .

                                                                                                                        34434 - ومن المرفوع فيه ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ، قال : حدثني محمد بن الربيع ، قال : حدثني إبراهيم بن غالب ، قال : حدثني محمد بن الربيع بن سليمان الأزدي ، قال : حدثني يوسف بن سعيد بن مسلم ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ النور : 33 ] قال : ( ( ربع الكتابة ) ) وبه عن ابن جريج ، وعطاء بن السائب عن حبيب بن السائب عن عاصم بن ضمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

                                                                                                                        34435 - وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج الحديثين جميعا هكذا مرفوعين .

                                                                                                                        34436 - وقال ابن جريج : وأخبرني غير واحد ، عن عطاء بن السائب ، أنه كان يحدث بهذا الحديث ، لا يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                        34437 - قال أبو عمر : عطاء بن السائب تغير في آخر عمره ، فيما ذكر أهل العلم بالنقل ، فأتى منه مثل هذا ، وسماع ابن جريج منه أحرى .

                                                                                                                        [ ص: 257 ] 34438 وقد رواه عنهم أهل العلم بالنقل ، والجماعة مرفوعا ، 34439 - فمن رواه عن عطاء ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي رضي الله عنه ، من قوله ، سفيان ، وشعبة ، ومعمر ، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، والمسعودي ، وابن علية ، والمحاربي ، ومحمد بن فضل ، عن عطاء ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي موقوفا .

                                                                                                                        34440 - وكذلك رواه الثوري أيضا ، وقيس بن الربيع ، وليث بن أبي سلمة ، عن عبد الأعلى بن أبي عبد الرحمن ، قال : شهدت عليا رضي الله عنه ، كاتب عبدا له على أربعة آلاف ، فحط عنه ألفا في آخر نجومه ، قال : وسمعت عليا يقول : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ النور : 33 ] : الربع مما تكاتبوهم عليه .

                                                                                                                        34441 - وروى يزيد بن هارون ، عن عبد الملك بن سليمان ، عن عبد الملك بن أعين ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، كاتب غلاما له على أربعة آلاف ، فحط عنه ألفا ، وقال : لولا أن عليا فعل ، ما فعلته .

                                                                                                                        34442 - وقال مجاهد : يترك له طائفة من كتابته .

                                                                                                                        34443 - وكان ابن عمر يكره أن يضع عنه في أول نجومه ; مخافة أن يعجز .

                                                                                                                        34444 - وروي عن ابن عباس : يوضع عنه شيء ما كان .

                                                                                                                        34445 - وقال أحمد بن حنبل : يعطى مما كوتب عليه الربع ; لقول الله [ ص: 258 ] تعالى : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ النور : 33 ] .

                                                                                                                        34446 - وروي عن أبي اليسر كعب بن عمرو أنه وضع عن مكاتبه السدس .

                                                                                                                        34447 - وعن أبي أسيد الساعدي مثله .

                                                                                                                        34448 - وقال قتادة : يوضع عنه العشر .

                                                                                                                        34449 - قال أبو عمر : تأول من ذهب هذا المذهب في أن على السيد أن يحط عن مكاتبه من مكاتبته في آخر نجومه ، أو في سائرها ، أو يعطيه من عند نفسه ، مما صار إليه منه ، من رأى ذلك ندبا ، ومن رآه واجبا ، قول الله تعالى : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ النور : 33 ] منهم .

                                                                                                                        34450 - وأما الذين ذهبوا إلى أن ذلك لم يخاطب به سادات المكاتبين ، وإنما خوطب به سائر الناس في عون المكاتبين ، فمنهم بريدة الأسلمي .

                                                                                                                        34451 - رواه الحسن بن واقد ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه في قوله تعالى : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ النور : 33 ] قال : حث الناس على أن يعينوا المكاتب .

                                                                                                                        34452 - وعن مجاهد مثله .

                                                                                                                        34453 - وعن الحسن ، قال : حضوا على أن يعطوا المكاتب والمولى [ ص: 259 ] منهم .

                                                                                                                        34454 - عن إبراهيم ، مسألة ; وقال البطي : إنما أعين به الناس ليتصدقوا على المكاتبين ، عن زيد بن أسلم : أمر بذلك الولاة ; ليعطوهم من الزكاة .




                                                                                                                        الخدمات العلمية