الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          فصل ولا يجزئ الإخراج إلا بنية وكذلك الإعتاق والصيام ، فإن كان عليه كفارة واحدة فنوى عن كفارتين أجزأه . وإن كان عليه كفارات من جنس فنوى إحداهما أجزأه ، وإن كانت من أجناس ، فكذلك عند أبي الخطاب وعند القاضي لا يجزئه حتى يعين سببها ، فإن كانت عليه كفارة واحدة فنسي سببها أجزأته كفارة واحدة على الوجه الأول . وعلى الثاني يجب عليه كفارات بعدد الأسباب .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          فصل

                                                                                                                          ( ولا يجزئ الإخراج إلا بنية ) لا نية التقرب ; لأنه حق على سبيل الطهرة فافتقر إلى النية كالزكاة ، ( وكذلك الإعتاق ، والصيام ) لحديث " الأعمال بالنيات " ولقوله " لا عمل إلا بنية " لأن العتق يقع متبرعا به . وعن كفارة أخرى ، أو نذر ، فلم ينصرف إلى هذه الكفارة إلا بنية . وصفتها أن ينوي العتق ، أو الصيام ، أو الإطعام عن الكفارة ، فإن زاد " الواجبة " فتأكيد ، وإن نوى وجوبها ولم ينو الكفارة ، لم يجزئه ; لأن الواجب يتنوع فوجب تمييزه . وموضعها مع التكفير أو قبله بيسير ، فإن كانت الكفارة صياما اشترط نية الصيام عن الكفارة في كل ليلة للخبر . ( فإن كان عليه كفارة واحدة ) لم يلزمه تعيين سببها سواء علمها أو جهلها ، فإن عينه فغلط أجزأه عما يتداخل ، وهي الكفارات عن جنس ، ( فنوى عن كفارتين أجزأه ) لأن النية تعينت له ، ولأنه [ ص: 70 ] نوى عن كفارته ، ولا مزاحم لها فوجب تعليق النية بها . ( وإن كان عليه كفارات من جنس ) كما لو ظاهر من نسائه الأربع ( فنوى إحداهما أجزأه ) لا نعلم فيه خلافا ، فإذا عتق عبدا عن ظهاره أجزأه عن إحداهن وحلت له واحدة غير معينة ; لأنه واجب من جنس واحد ، فأجزأته نية مطلقة كما لو كان عليه صوم يومين من رمضان . وقياس المذهب أنه يقرع بينهن ، فتخرج المحللة منهن بالقرعة . وقاله أبو ثور ، وقال بعض العلماء : له أن يصرفها إلى أيتهن شاء فتحل ، فعلى الأول لو كان الظهار من ثلاث نسوة فأعتق ، ثم صام ، ثم أطعم حل الجميع من غير قرعة ; لأن التكفير حصل عن الثلاث أشبه ما لو أعتق ثلاثة أعبد عن الجميع دفعة واحدة . ( وإن كانت من أجناس ) كظهار ، وقتل ، ويمين ، فأعتق رقبة عن إحداها ، ولم يعينه ( فكذلك عند أبي الخطاب ) . وصححه في " المحرر " ، وقدمه في " الفروع " وجزم به في " الوجيز " ; لأنها عبادة واجبة ، فلم تفتقر إلى صحة أدائها إلى تعيين سببها كما لو كانت من جنس . قال ابن شهاب : بناء على أن الكفارات كلها من جنس ، ولأن آحادها لا تفتقر إلى تعيين النية ، بخلاف الصلوات . ( وعند القاضي لا يجزئه حتى يعين سببها ) . قدمه في " الرعاية " وحكى عن أحمد ; لأنهما عبادتان من جنسين كما لو وجب عليه صوم من قضاء ونذر ، وكتيممه لأجناس ، وكذبحه في دم نسك ودم محظور ، وكعتق نذر وعتق كفارة في الأصح ، قاله في " الترغيب " . ( فإن كانت عليه كفارة واحدة فنسي سببها أجزأته كفارة واحدة على الوجه الأول ) ، قاله أبو بكر ; لأن تعيين السبب ليس شرطا ، فإذا أخرج كفارة وقعت عن [ ص: 71 ] كفارته ، فتخرج عن العهدة . ( وعلى الثاني ) لا بد من تعيين السبب ( يجب عليه كفارات بعدد الأسباب ) كما لو نسي صلاة خمس ، وكما لو علم أن عليه يوما لا يعلم هل هو قضاء ، أو نذر ؛ فإنه يلزمه صوم يومين ، فإن كان عليه صيام ثلاثة أيام لا يدري أهي من كفارة ، أو نذر ، أو قضاء ؛ لزمه صوم تسعة أيام ، كل ثلاثة عن واحدة من الجهات . واختار في " الانتصار " إن اتحد السبب فنوع ، وإلا فجنس . قال في " الفروع " : ولو كفر مرتد بغير الصوم فنصه لا يصح ، وقال القاضي : المذهب صحته .



                                                                                                                          مسألة : إذا كان عليه كفارتان فأعتق عنهما عبدين فله أقسام :

                                                                                                                          1 ـ أن يقول : أعتقت هذا عن هذه الكفارة ، وهذا عن الأخرى ، فيجزئه إجماعا .

                                                                                                                          2 ـ أن يقول : أعتقت هذا عن إحداهما ، وهذا عن الأخرى من غير تعيين ، فإن كانا من جنس واحد جاز ، وإن كانا من جنسين خرج على الخلاف في اشتراط السبب .

                                                                                                                          3 ـ أن يقول : أعتقتهما عن الكفارتين أجزآه إن كانا من جنس ، وإلا فالخلاف .

                                                                                                                          4 ـ أن يعتق كل واحد منهما جميعا فيكون معتقا عن كل واحدة من الكفارتين نصف العبدين . وفيه الخلاف السابق . وذكر القاضي وجها ثالثا : إن كان باقيهما حرا جاز ; لأنه حصل تكميل الأحكام والتصرف .



                                                                                                                          فرع : لا يجوز تقديم الكفارة على سببها كتقديم الزكاة على الملك . وإن [ ص: 72 ] كفر بعد السبب ، وقبل الشرط جاز ، فلو كفر عن الظهار بعده ، وقبل العود جاز ; لأنه حق مالي فجاز تقديمه قبل شرطه كالزكاة .

                                                                                                                          فلو قال لعبده : إن ظاهرت فأنت حر عن ظهاري ، ثم قال لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، عتق لوجود الشرط ، وهل يجزئه عن الكفارة ؛ فيه وجهان .




                                                                                                                          الخدمات العلمية