الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حد شارب الخمر

جزء التالي صفحة
السابق

باب حد المسكر كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام ، من أي شيء كان ، ويسمى خمرا ، ولا يحل شربه للذة ولا للتداوي ، ولا لعطش ، ولا لغيره ، إلا لدفع لقمة غص بها ، ومن شربه مختارا عالما أن كثيره يسكر ، قليلا كان أو كثيرا ، فعليه الحد فعليه الحد ثمانون جلدة ، وعنه : أربعون إن كان حرا . والرقيق على النصف من ذلك إلا الذمي ، فإنه لا يحد بشربه في الصحيح من المذهب ، وهل يجب الحد بوجود الرائحة ؛ على روايتين .

التالي السابق


باب حد المسكر .

المسكر اسم فاعل من : أسكر الشراب فهو مسكر ، إذا جعل صاحبه سكران ، أو كان فيه قوة يفعل ذلك ، قال الجوهري : السكران خلاف الصاحي ، والجمع : سكرى ، وسكارى ، بضم السين وفتحها ، والمرأة : سكرى ، ولغة بني أسد : سكرانة .

وهو محرم بالإجماع ، وما نقل عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب ، وأبي جندل بن سهيل أنها حلال فمرجوع عنه ، نقله المؤلف ، وسنده قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب الآيات [ المائدة : 90 و 91 ] .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر : كل مسكر خمر . وفي لفظ : كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام . رواهما مسلم .

( كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام ) لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما أسكر كثيره فقليله حرام . رواه أبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي وحسنه ( من أي شيء كان ) لما روى ابن عمر أن عمر قال على منبر النبي صلى الله عليه وسلم : أما بعد أيها الناس إن الله نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسة ، من العنب ، والتمر ، [ ص: 101 ] والعسل ، والحنطة ، والشعير ، والخمر ما خامر العقل . متفق عليه . وأباح إبراهيم الحربي من نقيع التمر إذا طبخ ما دون السكر ، قال الخلال : فتياه على قول أبي حنيفة ، قال الإمام أحمد : ليس في الرخصة حديث صحيح ، وقال ابن المنذر : جاء أهل الكوفة بأحاديث معلولة ، وقيل : إن خبر ابن عباس ، أنه عليه السلام : قال حرمت الخمر لعينها ، والسكر من كل شراب . موقوف عليه . مع أنه يحتمل أنه أراد بالسكر المسكر من كل شراب ( ويسمى خمرا ) لقوله عليه السلام : كل مسكر خمر ، لأن الخمر ما خامر العقل ، أي : غطاه وستره ، وهذا موجود في كل مسكر ، وحكم العنب كحكمه ، روي عن : عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وسعد ، وأبي ، وأنس ، وعائشة ، وهو قول الأكثر ، وقال أبو حنيفة : عصير العنب إذا طبخ وذهب ثلثاه ، ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ ولم يذهب ثلثاه ، ونبيذ الحنطة والشعير ، نقيعا كان أو غيره - حلال ، إلا ما بلغ السكر ، وجوابه : ما روت عائشة مرفوعا : ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام . رواه أحمد ، وسعيد ، وأبو بكر ، والترمذي وحسنه ، وإسناده ثقات ، وظاهره : يقتضي أن الحشيشة لا تسكر ، لكن قوله : كل مسكر خمر يقتضي أنها تسكر ، قال في الفتاوى المصرية : الحشيشة المسكرة حرام ، وإنما توقف بعض الفقهاء في الحد ، لأنه ظن أنها تغطي العقل كالبنج ، والصحيح أنها تسكر ، وإنما كانت نجسة بخلاف البنج ، وجوزه الطبيب : لأنها تسكر بالاستحالة ، كالخمر يسكر بالاستحالة ، والبنج يغيب العقل ويسكر بغير الاستحالة ، كجوزة الطبيب ( ولا يحل شربه للذة ) لعموم " ما أسكر كثيره فقليله حرام " ( ولا للتداوي ) لما روى وائل بن حجر : أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر [ ص: 102 ] فنهاه ، أو كره له أن يصنعها ، فقال : إنما أصنعها للدواء ، فقال : إنه ليس بدواء ، ولكنه داء . رواه مسلم . وقال ابن مسعود : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم . رواه البخاري . ورواه أحمد من حديث حسان بن مخارق ، عن أم سلمة مرفوعا ، وصححه ابن حبان ، ولأنه يحرم لعينه فلم يحل شربه للتداوي ، كلحم الخنزير ( ولا لعطش ) لأنه لا يذهبه ولا يزيله ولا يدفع محذوره ، فوجب بقاؤه عملا بالأدلة المقتضية لذلك مع سلامته من المعارض ( ولا لغيره إلا لدفع لقمة غص بها ) فيجوز تناوله إذا لم يجد غيره وخاف التلف ، لقوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه [ البقرة : 173 ] ولأن حفظ النفس مطلوب ، بدليل أنه تباح الميتة عند الاضطرار إليها ، وهو موجود هنا ، فوجب جوازه تحصيلا لحفظ النفس المطلوب حفظها ، ويقدم عليه بولا ، ويقدم عليهما ماء نجسا ( ومن شربه ) وهو مكلف ( مختارا عالما أن كثيره يسكر ) وظاهره : أنه إذا لم يعلم فلا حد عليه ، وهو قول عامتهم ، وكذا إذا ادعى الجهالة بإسكار غير الخمر ، أو بوجود الحد به ، ومثله يجهله ، صدق ولم يحد ، وكذا إذا شربها مكرها لحله له ، وعنه : لا تحل له ، اختارها أبو بكر ، وفي حده روايتان ، والظاهر أنهما مبنيان على حله له وعدمه ، والصبر أفضل ، نص عليه ، وكذا كل ما جاز فعله للمكره ، ذكره القاضي وغيره ، قال الشيخ تقي الدين : يرخص أكثر العلماء فيما يكره عليه من المحرمات لحق الله تعالى ، كأكل الميتة ، وشرب الخمر ، وهو ظاهر مذهب أحمد ( قليلا كان ) ما شربه ( أو كثيرا فعليه الحد ) لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من شرب الخمر فاجلدوه . رواه [ ص: 103 ] أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعليا جلدوا شاربها ، ولأن القليل خمر ، فيدخل في العموم ، ولأنه شراب فيه شدة مطربة ، فوجب الحد به كالكثير ، ويلحق بذلك ما لو احتقن بها في المنصوص ، كما لو استعط أو عجن به دقيقا فأكله ، ونقل حنبل : أو تمضمض حد ، وذكره في الرعاية قولا ، وهو غريب ، وفي المستوعب : إن وصل جوفه حد ، وفي عيون المسائل : يثبت بعدلين يشهدان أنه شرب مسكرا ، ولا يستفسرهما الحاكم عما شرب ، لأن كل مسكر يوجب الحد ، فدل أنه إن لم يره الحاكم موجبا استفسرهما ( فعليه الحد ثمانون جلدة ) قدمه في الرعاية والفروع ، وجزم به في الوجيز ، لإجماع الصحابة ، لما روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر ، فقال عبد الرحمن : اجعله كأخف الحدود ثمانين ، فضربه عمر ثمانين ، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام ، وروي أن عليا قال في المشورة : إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون . رواه الجوزجاني ، والدارقطني . وجوزهما الشيخ تقي الدين للمصلحة ، وأنه الرواية الثانية ( وعنه : أربعون إن كان حرا ) اختاره أبو بكر والمؤلف وغيرهما ، لما روي أن علي بن أبي طالب جلد الوليد بن عقبة أربعين ، ثم قال : جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين ، وأبو بكر أربعين ، وعمر ثمانين ، وكل سنة ، وهذا أحب إلي . رواه مسلم . لا يقال : فعل عمر كان بمحضر من الصحابة فيكون إجماعا ، ولأن فعله عليه السلام حجة ، لا يجوز تركه لفعل غيره ، ولا ينعقد الإجماع مع مخالفة أبي بكر وعلي ، بل يحتمل أن عمر فعل الزيادة على أنها تعزير ، يجوز فعلها إذا رآها الإمام ، وضرب علي النجاشي بشربه في رمضان ثمانين ، ثم حبسه ، ثم عشرين من الغد ، نقل صالح : أذهب [ ص: 104 ] إليه ، ونقل حنبل : يغلظ عليه كمن قتل في الحرم ، واختار أبو بكر : يعزر بعشرة فأقل ، وفي المغني : عزره بعشرين لفطره ( والرقيق ) عبدا كان أو أمة ( على النصف من ذلك ) كالزنا والقذف ، فكذا من شرب الخمر من باب أولى ، فعلى الأولى : يحد أربعين ، وعلى الثانية : عشرين ، صرح به في المغني والشرح ( إلا الذمي فإنه لا يحد بشربه في الصحيح من المذهب ) لأنه يعتقد حله ، فلم يحد بفعله ، كنكاح المجوس ذوات محارمهم ، والثانية : بلى ، لأنه شرب مسكرا عالما به مختارا ، أشبه شارب النبيذ إذا اعتقد حله ، قال في المحرر : وعندي يحد إن سكر ، وإلا فلا ، والمذهب خلافه ، قال في البلغة : ولو رضي بحكمنا ، لأنه لم يلتزم الانقياد في مخالفة دينه ( وهل يجب الحد بوجود الرائحة ؛ على روايتين ) .

أظهرهما : لا يجب ، وقدمه في الكافي والرعاية والفروع ، وهو قول أكثر العلماء ، فعلى هذا يعزر ، نص عليه ، واختاره الخلال ، كحاضر مع من يشربها ، نقله أبو طالب .

والثانية : أنه يحد ، قال ابن أبي موسى في الإرشاد : وهي الأظهر عنه ، روي عن عمر وابن مسعود ، لأن الرائحة تدل على شربه لها ، فجرى مجرى الإقرار ، قال في الشرح : والأول أولى ، لأن الرائحة تحتمل أنه تمضمض بها ، أو ظنها ماء ، أو أكل نبقا بالغا ، أو شرب شراب تفاح ، فإنه يكون منه كرائحة الخمر ، والحد يدرأ بالشبهة .

فائدة : يستعمل لقطع رائحة الخمر : الكسفرة ، وعرق البنفسج ، والثوم ، وما أشبه ذلك مما له رائحة قوية .

[ ص: 105 ] فرع : إذا وجد سكران أو تقيأ الخمر ، فعنه : لا حد ، قال بعضهم : وهي الأظهر ، وعنه : بلى ، على الثانية التي يحد بالرائحة ، لفعل عثمان وهو بمحضر من الصحابة . رواه مسلم .

تنبيه : لا يثبت الحد إلا بأحد شيئين : إما البينة العادلة ، أو الإقرار ، ويكفي مرة كحد القذف ، وعنه : مرتين ، نصره القاضي وأصحابه ، وجعلأبو الخطاب بقية الحدود بمرتين ، وفي عيون المسائل في حد الخمر : بمرتين ، وإن سلمنا فلأنه لا يتضمن إتلافا ، بخلاف حد السرقة ، ولم يفرقوا بين حد القذف وغيره إلا بأنه حق آدمي كالقود ، فدل على رواية فيه ، وهذا متجه ، قاله في الفروع .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث