الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة السادسة نسخ الكتاب والسنة بمثلهما ونسخ السنة بالكتاب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 315 ] السادسة : يجوز نسخ كل من الكتاب ومتواتر السنة وآحادها بمثله ، ونسخ السنة بالكتاب ، خلافا للشافعي .

لنا : لا يمتنع لذاته ، ولا لغيره ، وقد وقع ، إذ التوجه إلى بيت المقدس ، وتحريم المباشرة ليالي رمضان ، وجواز تأخير صلاة الخوف ، ثبتت بالسنة ، ونسخت بالقرآن .

احتج بأن السنة مبينة للكتاب ; فكيف يبطل مبينه ، ولأن الناسخ يضاد المنسوخ ، والقرآن لا يضاد السنة ، ومنع الوقوع المذكور .

وأجيب بأن بعض السنة مبين له ، وبعضها منسوخ به .

التالي السابق


المسألة " السادسة : يجوز نسخ كل من الكتاب ، ومتواتر السنة ، وآحادها بمثله " ، أي : يجوز نسخ الكتاب بالكتاب ، ومتواتر السنة بمتواترها ، وآحادها بآحادها . وهذا اتفاق لا اختلاف فيه ; لأن ذلك متماثل ; فجاز أن يرفع بعضه بعضا .

فإن قيل : المثلان يستويان من كل وجه ، ويسد أحدهما مسد الآخر ، وحينئذ يكون ارتفاع أحدهما بالآخر ترجيحا من غير مرجح ، إذ ليس أحدهما أولى بأن يرتفع بالآخر من العكس .

فالجواب : أن هذا السؤال قد سبق على حد النسخ ، بأنه رفع الحكم ، وسبق الجواب عنه ، بأن الناسخ أولى بأن يكون رافعا بقوته ، بكونه واردا .

قوله : " ونسخ السنة " ، أي : ويجوز نسخ السنة " بالكتاب خلافا للشافعي " .

قال الآمدي : وهو جائز عقلا ، وواقع سمعا عند الأكثر ، من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء ، وممتنع في أحد قولي الشافعي .

[ ص: 316 ] قوله : " لنا : لا يمتنع لذاته " ، إلى آخره ، أي : لنا على جوازه وجهان :

أحدهما : أنه لا يمتنع لذاته ، أي : لكونه نسخ السنة بالقرآن ، ولا لغيره ; لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته ، ولا لغيره . وقد سبق تقرير هذه الملازمة قريبا ، وإذا لم يمتنع لذاته ، ولا لغيره ، كان جائزا .

الوجه الثاني : أنه قد وقع ، والوقوع يدل على الجواز ، وبيان وقوعه بصور :

إحداهن : التوجه إلى بيت المقدس ، ثبت بالسنة ، ونسخ بقوله تعالى : فول وجهك شطر المسجد الحرام [ البقرة : 144 ] .

الصورة الثانية : تحريم الأكل والمباشرة بعد النوم في ليالي رمضان ، ثبت بالسنة ونسخ بقوله عز وجل : فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا إلى قوله : الفجر [ البقرة : 187 ] .

الصورة الثالثة : تأخير صلاة الخوف إلى حال الأمن ، ثبت بالسنة ، ونسخ بقوله عز وجل : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة [ النساء : 102 ] ، وقوله عز وجل : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا [ البقرة : 239 ] .

وذكر الآمدي صورة أخرى ، وهي صلح النبي صلى الله عليه وسلم ، لأهل مكة يوم الحديبية ، على أن يرد إليهم من جاءه من عندهم ، ثم نسخ ذلك في النساء بقوله تعالى : فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن [ الممتحنة : 10 ] ; فهذه أحكام ثبتت بالسنة ، ونسخت بالكتاب ، وذلك دليل الجواز .

قوله : " احتج " ، يعني الشافعي ، " على ما ذهب إليه بوجهين " :

أحدهما : لو جاز نسخ السنة بالكتاب ، لكان الكتاب مبطلا لمبينه ، لكن ذلك باطل ; فالقول بنسخ السنة بالكتاب باطل .

أما الملازمة ; فلأن السنة مبينة للكتاب ، لقوله عز وجل : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [ النحل : 44 ] ، والناسخ يبطل المنسوخ ; فالكتاب لو نسخ السنة ، لأبطلها ، وهي مبينة له ; فيكون مبطلا لمبينه .

[ ص: 317 ] وأما أن إبطال القرآن لمبينه باطل ; فلأنه إذا بطل مبينه ، بقي بغير مبين ; فيرجع إلى الإجمال الموجب للتوقف فيه ، وتعطيل ألفاظه عن الاستعمال . وأيضا السنة مبينة للقرآن ; فلو بينها القرآن بنسخه لها ، لزم الدور ، إذ يصير كل منهما مبينا للآخر .

الوجه الثاني : أن الناسخ يضاد المنسوخ ، والقرآن لا يضاد السنة ، وإلا لما كانت بيانا له ; فالقرآن لا يكون ناسخا للسنة .

قوله : " ومنع الوقوع المذكور " ، أي : الشافعي منع وقوع نسخ السنة بالكتاب في الصور المذكورة ، وبيان المنع من وجهين :

أحدهما أن الأحكام المذكورة ، يجوز أنها ثبتت بقرآن نسخ رسمه ، وبقي حكمه ، كما سبق في آية الرجم ، ثم نسخت تلك الأحكام بالقرآن ; فما نسخ القرآن إلا قرآن مثله .

الثاني : بتقدير أن تلك الأحكام ثبتت بالسنة ، يجوز أنها نسخت بسنة وافقت القرآن في حكمه ; فما نسخت السنة إلا بسنة مثلها .

قوله : " وأجيب بأن بعض السنة مبين له ، وبعضها منسوخ به " . هذا جواب عن الوجهين للشافعي .

أما توجيهه عن الأول ، وهو قوله : كيف يبطل القرآن مبينه ؟ فمن جهة أنه ليس كل القرآن محتاجا إلى بيان ، بل فيه كثير مما هو بين بنفسه ; فحينئذ ، مبين السنة يبين مجمل القرآن ، ومبين القرآن ينسخ بعض السنة ; فلا يكون القرآن مبطلا لمبينه .

وأما توجيهه عن الثاني ; فنقول : القرآن لا يضاد السنة في الكل ، أو في البعض ، الأول ممنوع ، والثاني مسلم ، وحينئذ ذلك البعض المضاد للقرآن من السنة منسوخ به ، وحينئذ لا دور ولا محذور .

[ ص: 318 ] وأما الجواب عن المنع ; فقوله : الأحكام المذكورة ثبتت بقرآن نسخ رسمه ، وبقي حكمه ، ثم نسخت بالقرآن .

قلنا : الأصل عدم قرآن نسخ رسمه ، ثبتت به تلك الأحكام ، واحتماله لا يكفي ، وما وجد من أفعال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وأقواله ، وتقريراته في ذلك ، كصلاته إلى بيت المقدس ، صالح لإثبات تلك الأحكام ; فوجب أن تضاف إليه .

وقوله : يجوز أن الأحكام المذكورة نسخت بسنة وافقت القرآن .

قلنا : ليس النزاع في الجواز ، بل في الوقوع ، ولم يقم دليل وجود سنة ناسخة كما ذكرتم ، والقرآن في ذلك موجود صالح للنسخ ; فوجب إضافة الحكم إليه .

نعم ذكر القرافي في منع كون التوجه إلى بيت المقدس ثبت بالسنة كلاما جيدا .

وتقريره : أن القاعدة : أن كل ما كان ثابتا بمجمل فهو مراد من ذلك المجمل ، وتوجه النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى بيت المقدس ، هو بيان لقوله عز وجل : أقيموا الصلاة [ البقرة : 110 ] ، كما كان قوله عليه السلام : فيما سقت السماء العشر بيانا لمجمل قوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده [ الأنعام : 141 ] ، وآتوا الزكاة [ البقرة : 110 ] ، وهو مراد من الآية : وإذا ثبت أن التوجه إلى بيت المقدس مراد من القرآن ; فهو ثابت بالقرآن بواسطة البيان .

قلت : وهذا يتجه أن يقال في تأخير صلاة الخوف عن وقت القتال ; لأنه من [ ص: 319 ] لوازم بيان قوله عز وجل : أقيموا الصلاة ; لأن المراد بإقامتها إكمالها وإتمامها ، وهو متعذر حال القتال ; فكان تأخيرها إلى وقت الأمن من لوازم إقامتها ، وكذلك صلحه عليه السلام للكفار ، على رد من جاءه منهم مسلما ، هو بيان لقوله عز وجل : ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين [ التحريم : 9 ] ، وجهادهم مفوض إلى اجتهاد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، على حسب ما يرى من المصلحة . وقد رأى من المصلحة صلحهم على ذلك .

قلت : ثم يتفرع لنا على هذا تحقيق ، وهو أن الحكم ، هل يضاف ثبوته إلى البيان ، أو إلى المبين ؟

فإن أضيف إلى البيان ، اتجه ما قلناه من وقوع نسخ السنة بالكتاب ; لأن تلك الأحكام المذكورة ثبتت بالسنة التي هي بيان للقرآن ، ثم نسخت بالكتاب ; فقد نسخت السنة بالكتاب .

وإن أضيف إلى المبين ; فقد اتجه ما قاله الشافعي من منع الوقوع ; لأن الأحكام المذكورة إنما ثبتت بالقرآن المجمل الذي بينته السنة ، ثم نسخت بالقرآن ; فما نسخ القرآن إلا قرآن مثله .

والتحقيق أن ثبوت الحكم يضاف إلى البيان والمبين جميعا ، ولعل هذا هو مأخذ النزاع في هذه الأحكام .

وبعد هذا كله ; فجانب القائلين بجواز نسخ السنة بالكتاب مترجح بما ذكرناه من الدليل عليه .

وأما الوقوع ; فبنسخ تحريم المباشرة ليالي رمضان بعد النوم ، إذ لا يتجه فيه أن يقال : كان ثابتا بقرآن مجمل بينته السنة ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث