الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 399 ] السابعة : مقتضى الأمر حصول الإجزاء بفعل المأمور به إذا أتى بجميع مصححاته خلافا لبعض المتكلمين .

                لنا : لو لم يجزئه ، لكان الأمر به عبثا ، ولأن الذمة اشتغلت بعد براءتها منه ; فالخروج عن عهدته بفعله كدين الآدمي .

                قالوا : يجب إتمام الحج الفاسد ، ولا يجزئ . وظان الطهارة مأمور بالصلاة ولا تجزئه ، ولأن القضاء بأمر جديد ; فالأمر بالشيء لا يمنع إيجاب مثله .

                وأجيب : بأن عدم الإجزاء في الصورتين لفوات بعض المصححات ، ولسنا فيه ، والقضاء بأمر جديد ممنوع .

                التالي السابق


                المسألة " السابعة : مقتضى الأمر : حصول الإجزاء بفعل المأمور به ; إذا أتى بجميع مصححاته " من ركن وشرط ، " خلافا لبعض المتكلمين " منهم القاضي عبد الجبار وأتباعه .

                وصورة المسألة : أن فعل صلاة الظهر ، ونحوها من الصلوات ، بجميع مصححاتها ، هل يقتضي حصول الإجزاء ، بحيث لا يجب قضاؤها فيما بعد ؟

                قوله : " لنا : لو لم يجزئه ، لكان الأمر به عبثا " ، إلى آخره . هذا دليل القائلين بالإجزاء .

                وتقريره من وجوه :

                أحدها : أن المأمور به لو لم يقع مجزئا ; لكان الأمر به عبثا ، والعبث على الشرع محال ، وإنما قلنا ذلك ; لأنه لو لم يكن وقوعه مجزئا ; لكان وجوده كعدمه ، وما كان وجوده كعدمه لا فائدة فيه ، فلو لم يقع مجزئا ، لكان لا [ ص: 400 ] فائدة فيه ، والأمر بما لا فائدة فيه عبث ; فالمأمور به على هذا التقدير يكون عبثا ، لكنه محال من الشرع ، لما سبق وعرف ; فثبت أن الأمر يقتضي وقوع المأمور به بشروطه ، مجزئا ، وهو المطلوب .

                الوجه الثاني : أن الذمة كانت بريئة من المأمور به قبل التكليف ، بحق الأصل ، فلما اشتغلت به بعد براءتها منه ، وجب أن يكون طريق الخروج عن عهدته ، وعودها بريئة كما كانت ; هو فعله ، بناء على أن ما ثبت لعلة ، زال بزوالها ، كما أن الطريق إلى الخروج عن دين الآدمي هو أداؤه ، وذلك هو المراد بالإجزاء .

                الوجه الثالث : ولم يذكر في " المختصر " ، ما روى أبو هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا أديت زكاة مالك ; فقد قضيت ما عليك . رواه ابن ماجه والترمذي ، وقال : حسن غريب .

                ويعضده قوله عليه السلام للخثعمية حين سألته : هل يجزئ أباها أن تحج عنه ؟ فقال : نعم ، أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته ، أكان يجزئ عنه ؟ قالت : نعم ، قال : فدين الله أحق بالقضاء . فدل على أن الإجزاء [ ص: 401 ] بفعل المأمور به كان مقررا عندهم في الشرع ، حتى جعله نظيرا لما سألت عنه ، تقريبا إلى فهمها ، ثم أخبر أن دين الله يجب قضاؤه ، كما يجب قضاء دين الآدمي ; فيلزم فيه من الإجزاء ما لزم في دين الآدمي .

                قوله : " قالوا : يجب إتمام الحج الفاسد " ، إلى آخره . هذا دليل الخصم على عدم الإجزاء ، وهو من وجهين :

                أحدهما : أن الحج الفاسد مأمور بإتمامه ، ولا يقع مجزئا ، والمحدث يظن [ ص: 402 ] الطهارة ، وإذا صلى لا يجزئه ; فدل على أن فعل المأمور لا يقتضي الإجزاء لزوما ، بل جوازا .

                الوجه الثاني : أن الإجزاء مفسر بسقوط القضاء ; لكن القضاء بأمر جديد ، وإذا كان بأمر جديد ; فالأمر بالشيء لا يمنع إيجاب مثله بعد وقته .

                مثلا الأمر بركعتين بعد طلوع الفجر ، لا يمنع الأمر بركعتين بعد طلوع الشمس .

                - قوله : " وأجيب " ، يعني عما ذكروه ، بأن " عدم الإجزاء في الصورتين " وهما إتمام الحج الفاسد ، وصلاة المحدث يظن الطهارة ، إنما كان لفوات بعض المصححات وهو الإمساك عن الوطء في الحج ، والطهارة في الصلاة ، وليس الكلام في ذلك ، إنما الكلام فيما إذا أتى بالمأمور به بجميع مصححاته . وقد سبق الكلام على الصورتين ، عند ذكر القضاء والإجزاء في خطاب الوضع ، بأبسط من هذا .

                وأما كون القضاء بأمر جديد ; فهو ممنوع كما سبق في المسألة قبلها ، وإن سلمناه ; فهو مشروط بوقوع الخلل في المقضي ، وليس ذلك فرض المسألة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .




                الخدمات العلمية